الوليد مادبو وشرعية القوة…!

احمد بطران عبد القادر
يواجه دعاة الديمقراطية في الأنظمة الشمولية تحديات بنيوية معقّدة تستدعي تقييماً نقدياً مستمراً للتجارب الحزبية في ممارسة الحكم والمعارضة بغية تصويب المسار وتطوير الأدوات وإنتاج رؤي توازن بين الواقع والشرعية فالعمل السياسي السليم يخضع لمنطق المؤسسات لا لسطوة الأفراد والأحزاب السياسية هي مؤسسات مدنية شعبية وطنية تحمل رؤى وبرامج للنهوض بالوطن وصون حريته والمحافظة علي وحدته واستقلاله
لذا ينبغي أن ينصبّ التقييم على الكفاءة التنظيمية للحزب والشفافية المالية والقدرة على الصمود في وجه الأزمات والتحديات لا على الأفراد وحدهم مهما عظم دورهم وتأثيرهم ومن هذا المنطلق فإن الأحزاب السودانية لا تزال بحاجة إلى تحول جذري لتغدو مؤسسات فاعلة قادرة على قيادة مشروع بناء الدولة ومع ذلك فإن الرهان عليها وعلى جماهيرها يظل محورياً لإنجاح مشروع التغيير وإقامة دولة مدنية ديمقراطية راشدة
في المقابل يعمل المتربصون بالديمقراطية وأنصار الأنظمة العسكرية الشمولية على تضخيم ضعف الأحزاب وتراجع أدوارها لطرح بدائل تبدو حاسمة في الظاهر لكنها تعمّق الأزمة عند الاختبار وتعيد إنتاج الاستبداد لذا يصبح التمييز واجباً بين من يحمل مشروعاً لبناء دولة العدل والحرية والحقوق وبين من يرفع خطاباً مستلفاً يناقض نفسه فنهضة الدول تتوقف على قدرتنا على التمييز بين الاطروحات التي تخرجنا من عنق الأزمة وتلك التي تعيدنا إلى دروب التلاشي والحروب
في هذا السياق برز الدكتور الوليد مادبو بوصفه باحثاً ومنظّراً لا يُشكّك في كفاءته الأكاديمية بطرح رؤية تشخيصية للأزمة السودانية تقوم على فشل النخب السياسية والعسكرية وتتميز لغته بالجزالة والدقة لكنها تستوجب وقفة نقدية عند مستوى تصورها لطبيعة السلطة والحلول المقترحة في تصوره الذي تتجلى فيه عقلية السلطة
و تتجلى (عقلية السلطة) عند الوليد مادبو في الممارسة أكثر مما تتجلى في التنظير ولعل ما حدث أثناء اجتماع الحرية والتغيير لاختيار رئيس الوزراء لفترة الانتقال حيث فاز عبد الله حمدوك بالإجماع في اللحظة ذاتها عقدت مجموعة مسنودة من جهة مجهولة اجتماعاً موازياً بفندق الخرطوم بلازا لترشيح الوليد مادبو لرئاسة الوزراء وقد دعيت للحضور فاعتذرت مبيناً أن الزمن قد تجاوز هذه المحاولة غير أنها تشق صف الثورة وتصب في مصلحة القوي المعادية للتغيير
تكشف هذه الواقعة عن نزعة نحو اقتناص السلطة بغضّ النظر عن المسار المؤسسي أو المصلحة العامة رغم الكفاءة الأكاديمية والبيان اللغوي
اختزال الأزمة في بعدٍ دستوري
يرى مادبو أن جوهر الأزمة السودانية هو ضعف السلطة الرئاسية ويقترح العودة إلى دستور 1974 كحل هذا التشخيص يخلط بين العرض والمرض
فالسودان لم يعانِ من ضعف السلطة الرئاسية المركزية بل عانى منها لقد كانت هذه السلطة أداة الإنتاج التاريخي للاستبداد والحروب والإقصاء و التهميش ولم يحقق دستور 1974 استقراراً سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً بل كان غطاءً قانونياً لنظام مايو الشمولي المستبد الذي حوّل الدولة إلى آلة مركزية للإقصاء والاستقطاب وقد شهدت فترة سريانه أحداث الجبهة الوطنية 1976م وانفجار حرب الجنوب وانتفاضة مارس-أبريل 1985.
وعليه، فإن العودة إليه اليوم ليست استعادة للتوازن بل استعادة لشكل الحكم الذي أنتج الحروب والازمات المزمنة فالأزمة ليست في نصوص الدستور بل في العقد الاجتماعي الذي جعل من الخرطوم مركزاً والبقية هامشاً ومعالجة هذا العقد بنص دستوري من السبعينيات يشبه معالجة كسرٍ مركّب بمسكّن…!
تناقض بين التشخيص والحل
يصف مادبو الواقع بدقة حين يقول: ( ما يحدث لا يشبه دولة تنهار بل شيئاً لم يُبنَ أصلاً” ثم يقترح حلاً يفترض وجود دولة مركزية قابضة قادرة على التنفيذ…!
وهذا تناقض صريح فإذا كانت الدولة لم تُبنَ بعد فمن أين تأتي المؤسسة العسكرية المحايدة والبيروقراطية غير الحزبية والقضاء المستقل الذي ستمارس عبره هذه المركزية القابضة وظيفتها؟
التجربة التاريخية تؤكد أنه في غياب المؤسسات الفاعلة تتحول السلطة الرئاسية المركزية إلى استبداد بلا ضوابط أو إلى واجهة لمليشيا أقوى. وتجربة 2019-2021 ليست ببعيدة لا يمكن بناء الدولة من الأعلى عندما يكون الأساس نفسه قد انهار.
الخلط بين الفدرالية الزائفة ومبدأ اللامركزية
يرفض مادبو الفدرالية استناداً إلى فشل تجربة الإنقاذ التي أنتجت مركزيّات بديلة واصطفافاً قبلياً لكنه يخلط بين المحتوى والشكل
فالمشكلة لم تكن في اللامركزية كمبدأ بل في أن الإنقاذ منحت الأقاليم سلطة إدارية دون موارد حقيقية واحتفظت بالسلطة السياسية والمالية في المركز كانت تلك تفويضاً إدارياً لإدارة الفقر والأزمة لا فدرالية حقيقية
والتجارب المقارنة في إثيوبيا ما بعد 1995م ونيجيريا وكينيا تبيّن أن احتواء النزاعات يتحقق عندما تُمنح الأقاليم سلطة حقيقية على الموارد والأمن المحلي والتعليم المشكلة إذن ليست في تقسيم السلطة بل في صوريته السابقة
وهم المشروع التنموي بمعزل عن الإصلاح السياسي
يرسم مادبو رؤية لربط شرق أفريقيا بغربها عبر السودان وإنشاء مناطق حرة وتأميم الذهب والصمغ وهي مشاريع نظرية ممتازة لكنها تتجاهل السؤال الجوهري من يضمن ألا تتحول إلى امتداد جديد لاقتصاد الحرب؟
فالتاريخ السوداني يشهد أن كل مشروع قومي كبير ارتبط بمركزية قوية انتهى بتضخم الفساد وتهميش المنتجين الحقيين والاستثمار لا يحتاج إلى خطابات عن “الفضاء الأفريقي”، بل إلى أمنٍ، وعدالة قابلة للتنبؤ وحكومة محلية ذات سلطة حقيقية وبدونها تبقى المناطق الحرة مجرد أسماء على الورق
بناء الدولة من القاعدة إلى القمة
الحل لا يبدأ بالعودة إلى 1974 بل بالاعتراف بأن الدولة القديمة لم يكتمل مشروع بنائها ويجب إكماله عبر ثلاثة مسارات متزامنة:
إيقاف الحرب ونبذ العنف وتفكيك بنية الاستبداد و اقتصاد الحرب فلا حوار دستوري ولا انتخابات ممكنة والسلاح خارج سيطرة الدولة المرحلة الأولى هي نزع سلاح وتسريحة الملشيات و الجيوش النائمة وتجفيف مصادر تمويلها على غرار تجربتي رواندا وكولومبيا
عدالة انتقالية مرضية : نموذج سوداني لتحقيق عدالة انتقالية مرضيةعلي أن تتنزل محاكمها علي مستوي المحليات بدلاً من محاكم مركزية معطلة لمعالجة الجرائم الصغيرة وإعادة بناء الثقة فالعدالة التي لا يراها المواطن في قريته لا وجود لها فعليا
استكمال مشروع تأسيس الدولة السودانية 1955م
علينا اولا استكمال مشروع بناء الدولة السودانية علي أسس العدل والحرية ثم يحتفظ المركز بشؤون الأمن القومي والدفاع وبناء العلاقات الخارجية علي أسس النديةوالاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وتحقيق العدالة الكبرى وتنتقل الصحة التعليم الشرطة المحلية وإدارة الأرض والموارد إلى الأقاليم مع تمويل مباشر وشفاف ومشاركة في الإدارة والحكم حسب البعد الجغرافي والثقل السكاني هذا هو السبيل الوحيد لمنح الدولة شرعية البقاء والدوام مستقرة مستقلة نهضة مؤثرة في المحيط الإقليمي والدولي



