سبعة اعوام مرت علي مجزرة فض الاعتصام: القتلة مازالوا في السلطة.. والملف لم يقفل بعد.

بكري الصائغ
في يوم الأربعاء ٣/ يونيو الحالي، تكون مجزرة فض الاعتصام، التي وقعت في يوم الاثنين ٣/ يونيو ٢٠١٩- الموافق ٢٩/ رمضان١٤٤٠ هجرية، قد أكملت عامها السابع، ولست هنا بصدد سرد ما وقع في ذلك اليوم المشؤم- على اعتبار ان كل احداثها غدت معروفة عند جميع السودانيين بتفاصيلها الدقيقة-، لكن هذا لا يمنع – وبمناسبة قدوم المناسبة-، ان تنشط ذاكرة القراء، واعيد بعض الأحداث التي وقعت في ذلك اليوم، عملا بقوله تعالى “وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”.
١/- فض اعتصام القيادة العامّة: وتُعرف أكثر باسمِ مجزرة القيادة العامة، فيما عُرفت في وسائل الإعلام الغربيّة باسمِ مجزرة الخرطوم، وهي الذكرى الأليمة الوحيدة التي يحييها السودانيون مرتين في العام، وبات “فض اعتصام القيادة” علامة فارقة في تاريخ السودان، حين تم فض الاعتصام بالقوة حينمَا اقتحمت قوات مسلحة تَتبع للمجلس العسكري وبدعمٍ كبيرٍ من قوات الدعم السريع السودانية مقرّ الاعتصام مُستعملةً الأسلحة الثقيلة والخفيفة وكذَا الغاز المسيٌل للدموع لتفريق المتظاهرين السلميين، في وقت كان المعتصمون يتأهبون للاحتفال بالعيد، وقتل خلال أحداث الفض نحو (٢٠٠) من المحتجين وعشرات الجرحى والمفقودين، واستغلت القوات التي فضٌت الاعتصام الانفلات الحاصل جرّاء تدخلها العنيف فقامت برمي (٤٧) جثة على الأقل في نهر النيل بغرض إخفاء «معالِم الجريمة» حسب ما سرّبته وسائل إعلام عربيّة وغربية في وقتٍ لاحقٍ؛ وقد تمّ في هذا الصدد تداول فيديوهات على نطاقٍ واسعٍ تُظهر أفرادًا من الشعب السوداني وهم بصددِ إخراج بعض الجثث التي رُميت في النهر.
بالإضافةِ إلى جرائم الترويع والقتل العَمد ومحاولة التخلص من الجثث؛ أفادت وسائل إعلام أخرى عن قيامِ عناصر تابعة لقوات “الدعم السريع” التي يقودها “حميدتي”، وكان وقتها يشغل منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، باغتصابِ حوالي (٧٠) شخصًا من كلا الجنسين بهدفِ ترويع المتظاهرين ومنعهم من العودة مُجددًا للإحتجاج، وقام المجلس العسكري الانتقالي بعد المجزرة بقطع الإنترنت عن كامل السودان بهدفِ خلق «تعتيمٍ إعلاميّ»، وهوَ ما نجحت فيه إلى حدٍ ما في ظل التضارب بينَ العدد الحقيقي للقتلى والجرحى وما جرى بالضبط خلال الأحداث الداميّة للمجزرة.
وظهرت وقتها مقاطع فيديو تم تسريبها على فترات -كان آخرها مطلع رمضان ٢٠١٩، قوات من “الدعم السريع” وهي تنكل بالمتظاهرين وتطاردهم في محيط القيادة، لكن قائد هذه القوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” ظل ينفي على الدوام أي علاقة لشخصه بعملية الفض، بل أكد أنه كان يمنع قادة النظام السابق من التعرض للمعتصمين طوال (٥) أيام التي سبقت الإطاحة بنظام البشير.
وقال شاهد عيان على المجزرة للجزيرة نت” إن المعلومات اللاحقة للأحداث الأليمة أفادت بأن عبد الرحيم دقلو شقيق “حميدتي” كان وراء مخطط فض الاعتصام، كما يؤكد أن قوات كبيرة من “الدعم السريع” والشرطة عمدت لاستخدام الرصاص والهراوات وحصار المعتصمين في محيط القيادة وأن العديد من رفقائه في الميدان سقطوا حين لاحقهم عشرات الجنود، لكنه لم يتمكن من معرفة مصيرهم بعدها، وفي المقابل لم يقدم “حميدتي” توضيحا للوجود المكثف لقواته في ميدان الاعتصام، وهم يمارسون العنف وإهانة المتظاهرين وفق ما تُظهر مقاطع الفيديو.
قال شخص عرف نفسه بأنه ناج من مجزرة فض الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم فجر يوم ٣/يونيو، في فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، إن عدد القتلى في العملية تجاوز خمسمئة شخص، وأوضح هذا الشخص واسمه عبد الباقي بدر الدين أبو هالة -من لجان الاعتصام- أن القوات التي اقتحمت مقر الاعتصام في بداية الأمر كانت ترتدي زي الشرطة (نجدة وعمليات)، وبدأت بضرب المعتصمين بالعصي والذخيرة الحية، ورغم هتافنا سلمية سلمية فإننا أمطِرنا بوابل من النيران من كل جانب، وتعاملوا معنا بدون رحمة”، واتهم المتحدث قوات “الدعم السريع ” بقتل المعتصمين بدم بارد، ورمي جثث الكثير منهم في نهر النيل، كما اتهمها بنهب ممتلكات المواطنين وأغراضهم.
بعد وقوع المجزرة نشرت الصحف السودانية والأجنبية الكثير من الأخبار والمقالات عنها، وبثت المحطات الفضائية الأجنبية – خاصة الفضائيات العربية- لقطات حية من قلب ساحة القيادة العامة قبل وبعد وقوع المجزرة ، وهي اللقطات الحية التي أزعجت “المجلس العسكري الإنتقالي” فبادرت بقطع الإنترنيت، واستمر القطع لا اكثر من ستة شهور متواصلة، وما كان المجلس العسكري عنده أصلا الرغبة في إعادة الانترنيت لولا الضرر البالغ الذي لحق بالبنوك والشركات، واشد ما ازعج البرهان وجنرالات المجلس العسكري الإنتقالي، ان كثير من الصور واللقطات الحية التي وثقت الأحداث والإنتهاكات المروعة التي قاموا بها جنود القوات المسلحة وقوات “الدعم السريع”، قد خرجت للعلن عبر المحطات الفضائية وشاهدها ملايين المواطنين.
واليوم وبعد مرور سبعة أعوام على المجزرة، لم تتمكن لجنة التحقيق التي تشكلت رسميا برئاسة القانوني/ نبيل أديب من تنفيذ أي تقدم يوصل إلى حقيقة ما جري، ولم يستطع نبيل ومن معه من أعضاء لجنة التحقيق، من التوصل إلى معرفة الجناة القتلة، ولا افادنا من هم الجناة الذين قاموا بها؟!!، وهل من ارتكبوا المجزرة هم جنود من القوات المسلحة بتوجيهات من المجلس العسكري الانتقالي؟!! ام قوات مجزرة قامت بها “الدعم السريع” منفردة دون إشراك الجيش معها؟!!، أم هي مغامرة فردية قام بها ياسر العطا؟!!، هل رئيس المجلس العسكري البرهان هو شخصيا من أصدر توجيهاته بفض الاعتصام بالقوة؟!!، ولم تستطيع لجنة التحقيق ان تصل الى نتيجة مع “حميدتي” الذي اكد انه يعرف بالأسماء والرتب العسكرية كل الذين قاموا بالمجزرة.
نشرت صحيفة “swissinfo” في يوم ١٣/ يونيو ٢٠١٩ خبر مثير للغاية جاء فيه: أقرّ المتحدّث باسم المجلس العسكري الحاكم في السودان مساء الخميس بأنّ المجلس هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية تسبّبت بمقتل العشرات، في الوقت الذي كثّف فيه الدبلوماسيون الأميركيون والأفارقة جهودهم للتوصل لحل سلمي للخلاف القائم بين المحتجين والجيش. وقال الفريق أول شمس الدين كباشي للصحافيين إنّ “المجلس العسكري هو من اتّخذ قرار فضّ الاعتصام ووضعت الخطة لذلك، ولكنّ بعض الأخطاء والانحرافات حدثت.
وقعت حادثة جديرة بالاشارة لها، فقد جاء خبر نشر في موقع “Facebook” بتاريخ ٢٠/ مايو ٢٠٢٠، وجاء فيه:- (ضلوع اللواء/ الصادق سيد في ارتكاب مجزرة القيادة العامة- الفريق ياسر العطا يستبق نتائج لجنة نبيل أديب ويؤكد ضلوع اللواء الصادق سيد في ارتكاب مجزرة القيادة العامة.. حسب إفادة الفريق ياسر العطا في قناة الشروق أن المجلس العسكري قرر الدخول إلى منطقة كولومبيا لمحاربة المخدرات والظواهر السالبة التي كانت تحدث ومعروفة لكل الناس. تم التنسيق مع النيابة في هذا الشأن، وتم إرسال قوة من الشرطة غير مسلحة بالرصاص ويحملون فقط العصى والهراوات، كانت قوات الشرطة مؤمنة بواسطة الجيش، لم تصدر للقوات المهاجمة اي تعليمات بإطلاق الرصاص او أحداث الاذى الجسيم المقبوضين، بل كانت التعليمات بأن تقوم القوات باعتقال الموجودين فقط.
فُوجئ أحد قادة قوات “الدعم السريع” (لم يسمها بالاسم) سوف اطلق عليه اسم (x) بوجود قوة يقودها اللواء الصادق سيد (لم يسمه أيضاً) عند منطقة الاعتصام بين بيت الرئيس ومبنى جهاز الأمن والمخابرات، تنتمي القوة لقوات “الدعم السريع” وقوامها من المجندين الجدد الذي كانوا يتدربون في معسكر صالحة (لم يسمه بالاسم) في أمدرمان، وقد فعل اللواء الصادق ذلك من تلقاء نفسه ومن دون التنسيق مع احد وذكر أنه جاء للمساعدة في فض الاعتصام، لكن الضابط الرفيع في الدعم السريع نرمز له ب (x) أيضاً اخبره بأنه ليست هناك نية بفض الاعتصام وطلب منه إرجاع هذه القوات معسكراتها في أمدرمان، فتعال اللواء الصادق سيد بأن العربات التي جلبت الجنود قد انصرفت، فطلب منه الضابط (x) سحب هذه القوة إلى الساحة الخضراء إلى حين توفير سيارات تقوم بنقلها لامدرمان. لكن اللواء الصادق سيد عاد مرة أخرى بالقوة خلسة وعن طريق التسلل عن طريق شارع المطار وباغت المعتصمون بهجوم مفاجئ من ناحية صينية برى، ثم تدخلت قوات (أخرى) لم يذكرها بالاسم وشاركت اللواء الصادق سيد في فض الاعتصام. واعترف الفريق ياسر العطا ان الضابط الذي نفذ العملية (اللواء الصادق سيد) قيد التحفظ الان.) -انتهي-
هناك معلومة هامة نقف عندها، فقد سبق ان ألقي البرهان خطاب متناقض حول فض اعتصام القيادة العامة، وقال أن قوات “الدعم السريع” هي من فضّت اعتصام القيادة العامة في يونيو/حزيران ٢٠١٩، ولكن هذا الادعاء يتناقض مع تصريحات سابقة لنائبه في قيادة الجيش الفريق أول شمس الدين كباشي، الذي قال للصحفيين في يوم ١٣/ يونيو ٢٠١٩- اي بعد عشر أيام من المجزرة- ، أنّ المجلس العسكري هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية شابتها “بعض الأخطاء والانحرافات” وتسبّبت بمقتل العشرات.
مرفقات:
١/-🇸🇩 الحصاد- أربعينية مجزرة فض اعتصام قيادة الجيش بالخرطوم:
٢/- أزمة السودان: اتهامات لضباط بارزين بجرائم ضد الإنسانية في فض اعتصام القيادة العامة:
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-49125799
٣/- المجد والخلود لشهدائنا الأبرار. التحية للشعب السوداني الصامد الصابر. لا للإفلات من العقاب. لا للحرب ونعم للسلام الشامل والعادل.



