مقالات وآراء

الأوبرمنش السياسي ورحمة تولستوي من أسر السودان القديم إلى أفق السودان الجديد

بقادي أحمد عبدالرحيم
قد يظن البعض إني مسني ضر الجنون بعد محاولتي هذه للجمع بين النقيضين الفكري الكبير لمحاولة تغيير التربية السياسية وثقافة التعاطي السياسي في بلادنا التي تمثل نموزجً للتيه والصراع الأزلي و عجز مفكريه وعلماؤُه من تقديم بارقة للخروج من هذا الجب السحيق ولو بمقدار ذرة من أمل.
لطالما اعتقدت النخب السودانية أن المشكلة تكمن في من يحكم السودان او كيف يحكم، بينما ظل السؤال الأهم غائباً.
كيف يفكر من يحكمون السودان
فالأنظمة تسقط وسقط بعضها، والحكومات تتغير وقد تغيرت كثيراً، لكن التربية السياسية التي أنتجت الأزمة تستمر في إعادة إنتاج نفسها بأسماء جديدة وشعارات مختلفة، ولهذا فإنني اعتقد ان معركة السودان الجديد اذا أردنا التغيير الفعلي يجب أن لا تتمحور فقط في السلطة بقدر ما يجب أن نركز على الوعي والثقافة السياسية والتربية.
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه تحدث عن “الأوبرمنش” أو الإنسان القادر على تجاوز قيود الماضي وصناعة قيم جديدة.
وإذا كان السودان يبحث اليوم عن تأسيس حقيقي، فإنه يحتاج إلى هذا النموذج في المجال السياسي؛ لا الإنسان الذي يسعى للهيمنة (المكذوبة بفعل شقيقته عليه وبسببها حوكم هذا العبقري تاريخيا لقرون بأعتباره الاب الروحي للفكر ال-نازي قبل أن تظهر برائته ويعلم العالم اجمع حقيقة فلسفته الاعجازية)، بل الإنسان الذي يتحرر من رواسب السودان القديم.
فالسودان القديم لم يكن (تنظيم الإخوان المسلمين) فقط بل مركز جغرافي احتكر السلطة، وعقلاً سياسياً كاملاً يقوم على الاحتكار والإقصاء والمحاصصة وصناعة النخب المغلقة.
ولهذا كنت قد حذرت في أكثر من مناسبة من أن المحاصصات التي صاحبت تكوين هياكل حكومة السلام الانتقالية تحمل في جوفها بذور أزمة جديدة، لان تحويل الثورة إلى عملية توزيع للمقاعد بين المكونات النافذة، لا يقودنا لتأسيس دولة جديدة، وإنما نعيد إنتاج ذات المنهج الذي قاد السودان إلى أزماته المتراكمة.
في مقالي عن استقالة الدكتور عبدالباقي شحتو، لم يكن القضية مرتبطة بمنصب أو شخص، لكنني كنت أرسل مؤشراً على أزمة أعمق تتمثل في تغول الشلليات والانفراد بالقرار واحتكار الترشيحات بعيداً عن المؤسسية والشفافية، وهي ذات الممارسات التي ظل السودان القديم يتغذى عليها لعقود طويلة.
كما أن ما وصفته سابقاً بالصراع الخفي داخل تحالف التأسيس (جناح المبعدين قسرا عن المشاركة في صناعة القرار والبناء وتقديم الأفكار والمهيمنين) لا ينبغي النظر إليه كخلافات أشخاص، بل صراع فكري بين من يريد بناء مؤسسات حقيقية، ومشروع آخر ما زال أسير عقلية الغرف المغلقة ومراكز النفوذ غير المرئية.
إن الأوبرمنش السياسي الذي نحتاجه اليوم هو ذلك (القائد والمفكر والناشط الذي يملك القدرة على الانتصار على هذه التربية السياسية الموروثة).
الذي ينتصر على عقلية القبيلة عندما تتعارض مع المواطنة.
وأن ينتصر على الولاء الشخصي عندما يتعارض مع المؤسسة.
وأن ينتصر على المحاباة عندما تتعارض مع الكفاءة.
وأن ينتصر على الشلة عندما تتعارض مع المشروع الوطني.
ولعل المثال الذي تناولته سابقاً عند الحديث عن ظاهرة الولاءات القبلية داخل المؤسسات العسكرية والسياسية يوضح حجم التحدي، فالدولة الجديدة لا يجب أن تقوم على روابط الدم والجهة، وإنما على رابطة المواطنة المتساوية.
لان كل انتصار للقبيلة على المؤسسة هو انتصار جديد للسودان القديم.
لكن نيتشه وحده لا يكفي.
(لذلك عمدت إلى اللجوء إلى تولستوي وإن تم ازدجاري بالمعنى الآخر البعيد).
فأهمية تولستوي هنا انه كان يرى أن الإصلاح السياسي لا ينفصل عن الإصلاح الأخلاقي، والقوانين قد تُكتب، والدساتير قد تُجاز، والهياكل قد تُنشأ، لكن الإنسان الذي يديرها يظل هو العامل الحاسم.
لهذا فإن مشروع السودان الجديد يحتاج إلى الجمع بين شجاعة نيتشه في تحطيم الأصنام السياسية القديمة، وحكمة تولستوي في بناء الضمير الأخلاقي القادر على حماية المؤسسات من الانحراف.
إن المطلوب الآن في مناطق سيطرة تحالف تأسيس إنشاء مدارس جديدة للتربية السياسية عصبه (أحزاب ومناهج تعليمية ومدارس فكرية)، تُعلّم الأجيال أن القيادة تكليف لا تشريف، وأن المؤسسات أكبر من الأشخاص، وأن الثورة مشروع تحرر لا مشروع غنائم.
فإذا فشل التأسيس في إنتاج هذا الإنسان الجديد، فإن السودان القديم سيعود مرة أخرى، ليس بوجوهه القديمة، وإنما بوجوه جديدة تحمل ذات العقلية، وذات الممارسات، وذات الأمراض التي ثار السودانيون ضدها كثيرا ومازالوا.
واذا ما فشل مشروع التأسيس وانهزم، فسيكون السبب عجزه عن هزيمة السودان القديم الكامن داخل نفوس أبنائه الذين يتصدرون المشهد الان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..