مقالات وآراء

السودان ثراء بلا إدارة

عبد المنعم على التوم

ليست كل الدول الفقيرة فقيرة الموارد، كما أن كثرة الثروات لا تعني بالضرورة رخاء الشعوب. ولعل السودان يمثل أحد أكثر النماذج إثارة للحيرة في العالم؛ فهو بلد حباه الله بالموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون ضمن الدول الأكثر ازدهاراً في إفريقيا والعالم العربي، ومع ذلك ظل لعقود طويلة يعاني أزمات اقتصادية متلاحقة وانحداراً مستمراً في مستويات المعيشة والخدمات العامة.
يحتل السودان مرتبة متقدمة عالمياً من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحته نحو 1.86 كيلومتر مربع مما يجعله من أكبر الدول الإفريقية والعربيةمساحة. كما يقدر عدد سكانه بنحو 53 مليون نسمة، وهو رقم يظل متواضعاً مقارنة بالموارد والإمكانات المتاحة للدولة.
ويمتلك السودان ما يقارب مائتي مليون فدان صالحة للزراعة، وهي من أخصب الأراضي في إفريقيا والعالم، وتمثل نسبة كبيرة من إجمالي مساحة البلاد. ومع ذلك فإن المساحات المستغلة فعلياً لا تتجاوز ربع أو ثلث هذه الأراضي في أفضل التقديرات، الأمر الذي يكشف حجم الفجوة بين الإمكانات المتاحة والواقع الفعلي للإنتاج.
ولا تقف ثروات السودان عند حدود الزراعة فحسب، بل تمتد إلى قطاع التعدين وعلى رأسه الذهب، إضافة إلى الثروة الحيوانية الضخمة، وموارد المياه العذبة من الأنهار والأمطار والمياه الجوفية. وهي موارد استراتيجية تجعل السودان مؤهلاً ليكون مركزاً اقتصادياً مؤثراً في محيطه الإقليمي..
ورغم ذلك، يذهب كثيرون إلى تفسير التدهور الاقتصادي المزمن بأنه ناتج عن ضعف الإنتاج أو محدوديته، بينما يرى آخرون أن المشكلة الأساسية تكمن في تصدير المواد الخام دون تصنيعها محلياً لتحقيق قيمة مضافة أكبر. وعلى الرغم من وجاهة هذه التفسيرات جزئياً، فإنها لا تبدو كافية لتفسير حجم الأزمة وتعقيداتها .

فالمشكلة الجوهرية، في تقديري، ليست في ندرة الموارد ولا في غياب الفرص الاقتصادية، وإنما في ضعف الإدارة العامة وغياب الحوكمة الرشيدة وسوء توظيف الإمكانات المتاحة. فالعديد من المنتجات السودانية، وعلى رأسها الذهب، تتمتع بقيم مرتفعة في الأسواق العالمية، ولو أُحسن تنظيم عمليات الإنتاج والتسويق والتصدير، وأُديرت الموارد بشفافية وكفاءة ومسؤولية، لأمكن تحقيق عائدات قادرة على تلبية جانب كبير من احتياجات البلاد التنموية والاقتصادية.
إن السودان لا يعاني من فقر في الموارد بقدر ما يعاني من فقر في الإدارة. فالدولة التي تمتلك هذه المساحات الزراعية الشاسعة قادرة، إذا ما توفرت الإدارة الكفؤة والتخطيط السليم، على استيعاب ملايين فرص العمل وتحقيق نهضة زراعية وصناعية واسعة النطاق. كما أن اتساع الرقعة الجغرافية ووفرة الموارد يفتحان الباب أمام مشروعات إنتاجية وتنموية ضخمة لم تُستغل بعد بالصورة المطلوبة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: لماذا لا ينتج السودان؟ بل: لماذا لا تُدار موارده وإمكاناته بالكفاءة التي تستحقها؟ ولماذا تستمر مظاهر الهدر والفساد وضعف التخطيط وسوء الإدارة في استنزاف مقدرات البلاد عاماً بعد عام؟
إن التجارب الاقتصادية الناجحة حول العالم أثبتت أن الثروة وحدها لا تصنع التنمية، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة والمؤسسات القوية والرقابة الفاعلة وسيادة القانون. ولذلك فإن طريق الخروج من الأزمة السودانية لا يبدأ فقط بزيادة الإنتاج، بل يبدأ قبل ذلك بإصلاح الإدارة العامة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة، والاستفادة من الكفاءات والخبرات الوطنية القادرة على تحويل الموارد الكامنة إلى ثروة حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لقد منح الله السودان من الخيرات ما يكفي ليكون من الدول الرائدة، لكن هذه الخيرات ظلت رهينة لخلل إداري مزمن عطّل طاقاتها وأضعف مردودها. ولذلك فإن معركة السودان الحقيقية ليست مع الأرض ولا مع الموارد، وإنما مع سوء الإدارة الذي ظل لعقود طويلة يقف حائلاً بين البلاد وبين مستقبل يليق بإمكاناتها الهائلة .

‫2 تعليقات

  1. استاذي الفاضل اشكرك على طرح هذا الموضوع الحيوي والهام والذي ينبغي ادراجه ضمن الأولويات الملحة في اي ترتيبات لإعادة بناء السودان.

    أولاً: إعادة تأطير الإشكالية

    غالباً ما تُشخّص أزمة السودان على أنها “ثراء بلا إدارة”؛ إذ تمتلك البلاد مقومات هائلة من أراضٍ زراعية شاسعة، ومياه جوفية وفيرة، وثروات معدنية كالذهب، وقطيع ضخم من الثروة الحيوانية، لكنها تظل عاجزة عن تحويل هذه الإمكانات إلى مستوى معيشي يليق بشعبها. غير أن تعاقب الأنظمة العسكرية والمدنية، وتنوّع الأيديولوجيات الحاكمة، مع استمرار ذات “الأزمة الإدارية” لعقود، يكشف عن حقيقة أعمق: سوء الإدارة ليس مجرد خلل تقني أو قصور كفاءات، بل هو نتيجة طبيعية لتوازن قوى تستفيد أطرافه النافذة من استدامة الفوضى. وبالتالي، فإن التعامل مع هذا الملف يقتضي تجاوز النصائح الإدارية التقليدية إلى إطار انتقالي ثلاثي الأبعاد: بُعد زمني يربط الإصلاح بمرحلة ما بعد الحرب، وبُعد تقني إجباري يفرض الشفافية بأدوات رقمية وحوكمة ملزمة، وبُعد شعبي تفاوضي يجعل الإصلاح شرطاً مسبقاً لحصول المواطن على حقوقه في التعويض والتنمية.

    ثانياً: تفكيك البنية الفعلية للأزمة (تجاوز التشخيص السطحي)

    1. من “دولة ضعيفة” إلى “اقتصاد حرب” معقّم

    تشير أدبيات جويل ميغدال (Joel Migdal) حول الدول الهشة في العالم الثالث إلى أن المركزية الحكومية في السودان لم تكن قادرة على فرض سيطرتها بسبب تنافس “الزعامات المحلية القوية” (قبلية، عسكرية، تجارية). لكن انزلاق البلاد إلى حرب أهلية شاملة بعد 2023 لم يعد مجرد تعطيل للإدارة، بل حوّل مناجم الذهب في دارفور وكردفان والمعابر الحدودية إلى عملة تمويل مباشرة للمجهود الحربي. في هذا السياق، أصبح قطاع التعدين سوقاً سياسياً بامتياز، حيث تُستخدم عائدات التهريب لشراء الولاءات وتسليح الأطراف المتقاتلة، مما يجعل أي حديث عن “رقابة مالية” أو “شفافية إدارية” قبل وقف النار اقتراحاً غير قابل للتطبيق عملياً. وعليه، فإن الركيزة الأولى لأي خارطة طريق إصلاحية هي وقف إطلاق النار، وفصل السلاسل التموينية للصراع عن مصادر الثروة عبر آلية دولية مؤقتة لتجميد الأصول الاستخراجية.

    2. لعنة الموارد النقطية واستثناء القطاع الزراعي

    تفسر أدبيات “لعنة الموارد” (من ساكس ووارنر إلى بول كولير) سبب انزلاق الدول الغنية بالنفط أو الماس نحو الاستبداد والفساد، إذ تغني الموارد “النقطية” القابلة للاستخراج بمعزل عن الجهد الشعبي الحاكم عن قاعدة ضريبية عريضة تستلزم تمثيلاً ومحاسبة. وينطبق هذا بوضوح على الذهب السوداني. لكن المفارقة أن السودان يمتلك ثروة زراعية موزعة جغرافياً (قطن، سمسم، ماشية) كان من المفترض أن تولد “عقداً اجتماعياً ضريبياً” يُلزم الدولة بالخدمات مقابل الضرائب. إلا أن تعطيل هذا العقد لم يكن بسبب الموارد بحد ذاتها، بل بسبب تسييس الإنتاج الزراعي؛ إذ تم احتكار التسويق عبر مجالس تصديرية خاضعة للنفوذ المركزي، مما حوّل المزارعين إلى منتجين بلا قوة مساومة، وأبقى الدولة في موقع المتلقي للريع دون تقديم مقابل حقيقي. لذا، يجب أن يشمل الإصلاح تفكيك هذه الاحتكارات التسويقية وإعادة هيكلة العلاقة مع المنتجين الزراعيين على أساس تنافسي وعادل.

    3. الامتداد الإقليمي للإخفاق (البعد الخارجي)

    لا يمكن قراءة تعطيل الإدارة السودانية بمعزل عن المصالح الإقليمية؛ إذ تستفيد دول الجوار (دول الخليج كمستقبل للذهب المهرب بأسعار متدنية، ومصر كلاعب مؤثر في ملف مياه النيل، ودول الساحل كساحة تنافس للنفوذ الأمني) من حالة “الفوضى المُدارة” التي تتيح لها تمرير أجنداتها دون رقيب. ومن هنا، فإن أي مشروع إصلاحي داخلي يظل مهدداً بالفشل لمالم يُقرن باتفاقيات إقليمية تُلزم الدول المستوردة للموارد السودانية بتطبيق معايير الشفافية في تتبع مناشئ المعدن، وبآليات ضغط دبلوماسية تكشف المتلاعبين بالسيادة السودانية عبر حدوده المثقوبة.

    ثالثاً: حزمة حلول متقدمة تتجاوز التوصيات التقليدية

    إن الحلول الإدارية البحتة (كالتدريب، تحديث الأنظمة، وإعادة الهيكلة) لن تجدي نفعاً إن بقيت موازين القوى التي تجعل الفساد مربحاً للأطراف النافذة. وإلى جانب المقترحات الأساسية (نزع عسكرة الاقتصاد الاستخراجي، الانضمام الفعلي لمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI، إنشاء صندوق سيادي شفاف على غرار نموذج بوتسوانا، لامركزية مالية حقيقية، وإصلاح الخدمة المدنية على أساس الجدارة)، تُطرح الآليات الطموحة التالية التي تتعامل مع خصوصية التعقيد السوداني:

    1. نظام التتبع الرقمي الإجباري (بلوكشين وجيوتاغينغ)
    بدلاً من الاعتماد على نوايا الأطراف السيادية في الإفصاح عن كميات الذهب المُنتجة والمُصدّرة، يمكن تطبيق نظام تتبع رقمي إجباري يعتمد على تقنية البلوكشين أو الطوابع الجغرافية المشفرة. يُسجّل هذا النظام مسار كل سبيكة من نقطة الاستخراج إلى الميناء، مما يجعل عمليات التهريب مكشوفة رقمياً وقابلة للتدقيق بواسطة منظمات دولية محايدة. هذه التقنية تحوّل معركة مكافحة الفساد من مواجهة نفوذ إلى معركة برمجيات لا يمكن التلاعب بها دون ترك أثر.

    2. تحويل اللامركزية إلى “حق الأولوية” (نموذج FPIC)
    بدلاً من مجرد تخصيص حصة مئوية من العائدات المركزية للأقاليم المنتجة، يُقترح منح مجالس دارفور وكردفان والنيل الأزرق حق الاعتراض المسبق (First-right of refusal) على أي عقد تعدين يُبرم في أراضيها، أسوة بمبدأ “الموافقة الحرة المسبقة والمستنيرة” المعمول به في تشريعات بعض دول أمريكا اللاتينية والمحيط الهادئ. هذه الآلية تعيد التوازن السياسي جذرياً، وتجبر المركز على التفاوض الحقيقي مع الأقاليم بدلاً من فرض عقود استغلالية باسم الوحدة الوطنية.

    3. هيئة وساطة وطنية مستقلة لحل نزاعات الاستثمار
    إنشاء هيئة قضائية مختصة ومستقلة تماماً عن وزارة العدل والمحاكم التقليدية، تُعنى حصراً بحل النزاعات الناشئة عن عقود التعدين والاستثمار الزراعي، على أن تكون قراراتها ملزمة وتخضع للرقابة المدنية. هذه الهيئة تسد الفراغ القانوني الذي يسمح حالياً بتمرير عقود مجحفة تحت غطاء إجرائي غامض وتحت ضغط النفوذ المركزي.

    رابعاً: آليات تحويل الإصلاح إلى أجندة تفاوضية ملزمة

    لكي لا تبقى المقترحات حبراً على ورق، يجب تحويلها إلى لغة مصالح قابلة للتفاوض، حيث يصبح تعطيلها مكلفاً لأطرافه، وذلك عبر الآليات التالية:

    1. ربط الإصلاح بآليات التعويض والعدالة الانتقالية
    يُمكن جعل تطبيق نظام الشفافية في قطاع الموارد شرطاً مسبقاً لتوزيع التعويضات على النازحين والمتضررين من الحرب. بمعنى أنه لا يُسمح لأي طرف بتلقي تمويل لإعادة الإعمار في منطقة يسيطر عليها دون تقديم إقرار مالي شفاف عن عائدات التعدين التي حصدها أثناء النزاع. هذا الربط يخلق ضغطاً شعبياً هائلاً، حيث يتحول المواطن العادي إلى الرقيب الأكثر إلحاحاً على الإصلاح ليستلم حقه المادي في التعويضات.

    2. مقترح “النافذة الواحدة” للمنافذ الحدودية (الإدارة المؤقتة المشتركة)
    بدلاً من التناحر على السيادة على المعابر الحدودية الرئيسية، يُقترح إنشاء إدارة مشتركة (مدنية-عسكرية-محلية) لهذه المنافذ، على أن تُعهد مهام التدقيق المالي والمحاسبي إلى شركة تدقيق دولية محايدة لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات (على غرار النموذج الذي طُبق في سيراليون لإدارة الماس). تُخصم رسوم هذه الشركة مباشرة من عائدات التصدير، مما يضمن عدم عبث أي طرف محلي بالأرقام، ويعزز ثقة المستثمرين الدوليين في البيئة التشغيلية السودانية.

    3. تسويق خارجي مشروط (ربط القروض والمساعدات بالمؤشرات الإدارية)
    يجب أن تتضمن أي مفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية (كصندوق النقد والبنك الدولي) أو الجهات المانحة الخليجية والأوروبية شرطاً صريحاً: ربط صرف أي قرض أو منحة مستقبلية بسلسلة من المؤشرات الإجرائية القابلة للقياس، مثل نشر جميع عقود التعدين الحالية والسابقة، وتسليم المناجم للإشراف المدني الكامل، وتفعيل الصندوق السيادي بمجلس أمناء مستقل، وتشغيل نظام التتبع الرقمي. هذا الشرط يحوّل الإصلاح من “طلب وطني” قابل للمساومة إلى “التزام تعاقدي” دولي يصعب التراجع عنه دون تكاليف دبلوماسية واقتصادية باهظة.

    خاتمة: الإدارة كإعادة توزيع للسلطة لا كتدبير تقني

    في المحصلة، تُعد قراءة الأزمة السودانية عبر عدالة “خلل إداري” قراءة قاصرة تخفي الاستخدام السياسي للفوضى كآلية لتوزيع الثروة والسلطة. إن استمرار تدهور الأوضاع رغم وفرة الموارد ليس دليلاً على غياب الحلول التقنية، بل هو دليل على وجود مستفيدين فعليين من غيابها. ومن ثم، فإن الإصلاح الجذري لا يمكن أن يختزل في دورات تدريبية أو تغيير وزارء، بل هو مشروع سياسي-تقني معقد يعيد تعريف علاقة المركز بالأقاليم، والجيش بالاقتصاد، والدولة بالمواطن. المقترحات المطروحة (من تتبع البلوكشين إلى حق الأولوية، ومن النافذة الواحدة إلى ربط المعونات بالمؤشرات) تُشكّل معاً خارطة طريق انتقالية تجعل إصلاح الإدارة مرهوناً بجدول زمني محدد، وقابلاً للقياس الكمي، ومحمياً بغطاء رقابي دولي ومجتمعي، بحيث يصبح تعطيله مكشوفاً ومكلفاً، بدلاً من أن يظل مجرد “خطأ إداري” يمر دون عقاب في زمن الحرب.

  2. اشكرك كثير د. على عبدالله الخليفة طة ، على اطلاعك على المقال ، والتعليق العلمى الرائع و اثراء النقاش فى هذا الموضوع الحيوي الهام ، حقيقة الأمر يحتاج بالدفع الفكري وبلورة الأفكار من أجل الخروج بفكر متجانس ،يخرج هذا الشعب الطيب من هذه الكوارث الاقتصادية المتلاحقة نحو ازدهار حقيقى وغد مشرق ووقف هذا الاستنزاف الذي يمارس من قوى دولية وإقليمية – ومحلية تساعدها فى وأد اى إصلاح عبر مراكز قوة طفيلية تتحكم فى هذا الفوضى العارمة.
    اكرر شكري وتقديرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..