مقالات وآراء

رشان أوشي وزيف الهوية

بقلم: زكريا عثمان بنقو

ليست الهوية لونَ بشرة، ولا ملامح وجه ولا بطاقة نسب تُرفع في وجه الآخرين، وإنما هي انتماءٌ صادق إلى أرضٍ واحدة وتاريخٍ صنعه الجميع وثقافةٍ تشكّلت بعرق الناس لا بادعاءات التفوق عليهم.
لكن حين تتحول الهوية إلى سلاح تفقد معناها وتصبح مجرد قناع رخيص في سوق السياسة والغرور.

لقد ولدت السودان كدولة تحت وطأة أزمة هوية ممنهجة صُنعت داخل دهاليز السلطة والنخب، وغُذّيت بخطابات طبقية وعنصرية مغلّفة بالدين والتاريخ والنسب.
وهكذا وُلدت “هويات متخيلة” لا علاقة لها بالواقع تُنسب زيفًا إلى سلالات وبيوتات دينية وكانت هذه الظاهرة منتشرة في مصر حيث أن الشخص يستطيع أن يحصل علي نسب (ترقيع) من الأزهر مقابل مبلغ مالي وانتقلت هذه الظاهرة إلى السودان بفعل الاستعمار وكأن الإنسان يُقاس بدمه لا بفعله وبقبيلته المتخيلة لا بوعيه.

هذه ليست أزمة ثقافية بريئة بل جريمة سياسية وأخلاقية متكاملة الأركان. فحين تُبنى الدولة على وهم التفوق تتحول المواطنة إلى امتياز ويُعاد ترتيب البشر داخل وطن واحد إلى درجات فوق وتحت أصل وفرع صفوة وهامش.
وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي للدولة لا عند حدود السياسة بل عند خراب الفكرة نفسها.

وقد فضح فرانتز فانون هذا الانكسار الإنساني في كتابه بشرة سوداء وأقنعة بيضاء، حين كشف كيف يمكن للهيمنة أن تدفع الإنسان إلى كراهية ذاته وإلى ارتداء قناع ثقافي لا يشبهه فقط ليحصل على اعتراف الآخرين.
إنها مأساة الإنسان حين يُقنع بأنه أقل فيحاول أن يصبح غير نفسه.

وفي هذا السياق لا يمكن قراءة الجدل الذي أُثير حول صورة الصحفية رشان أوشي قبل دخلوها السجن وبعد خروجها بوصفه تفصيلًا عابرًا أو قصة شخصية معزولة.
وجه المقارنة بين الصورتين تكشف خللًا عميقًا في بنية الخطاب العام حيث تتحول الهوية من مساحة انتماء إلى ساحة استعلاء ومن قيمة جامعة إلى أداة فرز وإقصاء.

المشكلة ليست في رشان التي كشفت صورتها الحقيقية من داخل السجن بل في منظومة كاملة تُنتج هذا النوع من التفكير، وتسمح بتسويق أوهام التفوق وكأنها حقائق تاريخية.
وعندما يصل الخطاب إلى هذه المرحلة فإنه لا يسيء إلى الآخرين فقط بل يدمّر صاحبه أيضًا لأنه يعيش داخل صورة مزيفة عن ذاته لا تصمد أمام أي اختبار للواقع.

إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الاختلاف بل تحويل الاختلاف إلى هرمية بشرية. وهنا يتحول الإعلام بدل أن يكون مساحة وعي إلى منصة لإعادة إنتاج الانقسام وتتحول الكلمة من أداة بناء إلى أداة هدم بطيء و هذه كانت الأدوار التي
قامت بها رشان أوشي دون وعي منها.
وقد تحدث هوبز عن ضرورة الدولة التي تكبح الفوضى وربط لوك السلطة بحماية الحقوق وجعل روسو الإرادة العامة أساس العقد الاجتماعي.
لكن كل هذه النظريات تنهار لحظة يُستبدل فيها مبدأ المواطنة بمبدأ الأصل ومتى ما صار الانتماء العرقي أو الاجتماعي معيارًا للقيمة فإن الدولة نفسها تتحول إلى كيان هشّ قابل للتفكك.

أما بورديو، فقد كشف الوجه الأخطر للمسألة حين تحدث عن “العنف الرمزي”، ذلك العنف الذي لا يُطلق رصاصة بل يُعيد تشكيل الوعي ليجعل الضحية تؤمن بأنها أقل قيمة.
وهنا تبدأ الكارثة حين يقتنع الإنسان أنه أقل من غيره داخل وطنه.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأساطير ولا إلى مزيد من الهويات المصنوعة على مقاس الوهم.
يحتاج إلى تفكيك هذا الخراب الفكري الذي جعل بعض الناس يعتقدون أن لهم حقًا طبيعيًا في التفوق وأن الآخرين مجرد درجات أدنى في سلم غير موجود أصلًا.

الحقيقة بسيطة وقاسية لا أحد يُولد أفضل من أحد ولا قبيلة تمنح شرفًا ولا نسب يصنع قيمة.
القيمة تُصنع بالفعل بالوعي بالعمل وبالاحترام.
هل كان السجن أكره آليها بسبب سقوط القناع؟

3 يوليو 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..