مقالات وآراء

من جنيف إلى الحكومة العالمية.. حين تتكلم الإنسانية ويسقط منطق البنادق

سرّني، وأنا أتابع الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف بشأن حصار مدينة الأبيض، أن أرى صورةً للعالم الذي نحلم به، لا العالم الذي يصنعه أمراء الحرب.
لقد كانت القاعة تعجّ بمندوبي الدول، وممثلي المنظمات الدولية، وبحضور نسائي لافت يعكس الوجه الإنساني للدبلوماسية الحديثة.
لم يكن أحد منهم منشغلاً بمن ينتصر عسكرياً، ولا بمن يرفع علماً فوق أنقاض مدينة، وإنما كان السؤال الوحيد الذي يتكرر، بصيغ مختلفة: كيف تتوقف الحرب؟ وكيف تُصان حياة المدنيين؟
هذه هي اللغة التي لم يفهمها تجار الحرب في السودان.
لقد أجمع المتحدثون، دون استثناء تقريباً، على حقائق أصبحت بديهية أمام العالم، وإن ظل بعض أهل السلطة في السودان ينكرونها: لا حل عسكرياً للصراع السوداني. ووقف إطلاق النار هو الأولوية القصوى. وحماية المدنيين واجب لا يحتمل التأجيل. وأن الشعب السوداني يستحق أكثر من هذه المأساة. وأن الحوار السوداني – السوداني هو الطريق الوحيد. والمستقبل يجب أن تقوده سلطة مدنية.
كان ذلك إجماعاً أخلاقياً وسياسياً يختصر خبرة الإنسانية بعد قرون طويلة من الحروب.
أما حكومة انقلاب البرهان، فقد جاءت إلى الجلسة وهي تحمل أوهاماً أخرى.
كانت تنتظر أن يتحول مجلس حقوق الإنسان إلى غرفة عمليات عسكرية، وأن تصدر منه أوامر للدعم السريع بالانسحاب من الأبيض، أو أن يسمع العالم مطلبها بتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية.
لكن السياسة الدولية لا تُدار بهذه السذاجة.
فالمجتمع الدولي لا يبحث اليوم عن توسيع دائرة الاتهامات، وإنما عن إيقاف البنادق أولاً.
والمفارقة الساخرة أن الذين يطالبون العالم اليوم بتصنيف الدعم السريع، هم أنفسهم الذين أنشأوا هذه القوات، وسلحوها، ومكنوها، وفرضوها على الشعب السوداني سنوات طويلة باعتبارها جزءاً من المنظومة الأمنية للدولة.
فهل المشكلة حقاً في الاسم الذي يمنحه المجتمع الدولي لهذا الطرف أو ذاك؟
أم أن المشكلة الحقيقية هي استمرار الحرب نفسها؟
وهل سيعيد تصنيفٌ سياسي طفلاً قُتل؟ أو يطعم مدينة محاصرة؟ أو يعيد ملايين النازحين إلى بيوتهم؟
إن القضية أكبر بكثير من معارك البيانات الدبلوماسية.
القضية هي امتلاك الشجاعة لإسكات صوت الرصاص.
ولهذا جاءت كلمات المجتمع الدولي أكثر نضجاً من خطابات السلطة في بورتسودان.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة هو أن بعض المسؤولين السودانيين ظلوا، لأشهر طويلة، ينكرون وجود حصار على مدينة الأبيض.
واليوم جاءت جلسة جنيف لتناقش هذا الحصار أمام العالم كله.
أي مفارقة هذه؟
لقد تحولت الحقيقة التي أُنكر وجودها داخلياً إلى قضية دولية تناقشها الأمم المتحدة.
وأصبح الإنكار نفسه مادةً للسخرية السياسية.
ولهذا فإن الرسالة كانت واضحة: العالم يرى ما تحاولون إخفاءه.
ويخيب ظن الفريق البرهان ووزير خارجيته مرة بعد أخرى، لأنهما ما زالا يقرآن العالم بعقلية الحرب الباردة، بينما العالم تجاوز منذ زمن فكرة الانتصار العسكري إلى فكرة الأمن الإنساني.
إن الدول الكبرى لم تأت إلى جنيف لتختار بين الجيش والدعم السريع.
بل جاءت لتقول للطرفين: كفى حرباً.
هذه الكلمة وحدها كانت عنوان الجلسة.
وأنا أتابع تلك الكلمات، تذكرت ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه قبل أكثر من سبعين عاماً.
إذ كتب عام ١٩٥٣ كلاماً يبدو اليوم وكأنه تعليق مباشر على جلسة جنيف، حين قال: “هذا الكوكب الصغير الذى تعيش فيه الإنسانية وحدة جغرافية… فينبغي، بل إنه ضربة لازب، أن تقوم فيه حكومة واحدة، تقيم علاقات الأمم على أساس القانون، كما تقيم الحكومات داخل الدول علاقات الأفراد على أساس القانون… ومسألة الوحدة العالمية هي نهاية المطاف المحتومة… وهي مسألة زمن فقط.”
ما كان الأستاذ محمود يدعو إليه لم يكن حكومة استعمارية تهيمن على الشعوب، وإنما نظاماً عالمياً يخضع فيه الجميع للقانون، كما يخضع المواطن داخل دولته للقانون.
وهذا بالضبط ما رأيناه في جنيف.
فحين تجتمع عشرات الدول لتناقش حصار مدينة سودانية، فإن ذلك ليس انتقاصاً من السيادة كما يردد دعاة الاستبداد، وإنما تعبير عن حقيقة جديدة: أن الإنسان أصبح مسؤولية الإنسانية كلها.
لقد أصبحت معاناة الأبيض قضية عالمية.
وأصبحت دموع الأطفال السودانيين جزءاً من الضمير الإنساني.
وهذا هو الطريق الذي يقود، خطوة بعد أخرى، نحو الوحدة العالمية التي تحدث عنها الأستاذ محمود.
لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الحكومات تفعل بشعوبها ما تشاء ثم تغلق الأبواب.
العالم اليوم أكثر ترابطاً.
والضمير الإنساني أصبح أكثر حضوراً.
والقانون الدولي، رغم كل عيوبه، يتقدم ببطء نحو جعل الإنسان هو القيمة العليا، لا الدولة ولا الجنرال ولا المليشيا.
من المؤكد أن سيخرج الكيزان من هذه الحرب كما خرجوا من كل تجاربهم السابقة: أكثر عزلة، لأن مشروعهم لا يعيش إلا في ظل البنادق.
أما السلام، فإنه يطردهم من التاريخ.
ولهذا يخشون وقف إطلاق النار أكثر مما يخشون الهزيمة العسكرية.
فالسلم يكشف خواء مشروعهم، ويعيد الكلمة إلى المدنيين، ويقذف بتجار الدين إلى مزبلة التاريخ.
إن الشعب السوداني، رغم الجراح، أكبر من الحرب، وأبقى من الانقلابات، وأعمق من مشاريع الإسلام السياسي التي أورثته الخراب.
وسوف ينتصر، لا بانتصار بندقية على أخرى، وإنما بانتصار فكرة الحرية، وسيادة القانون، والدولة المدنية، والسلام.
وعندها فقط، سيكون السودان شريكاً حقيقياً في ذلك المستقبل الذي بشّر به الأستاذ محمود محمد طه: مستقبل الإنسانية الواحدة، التي تحكمها العدالة، ويعلو فيها سلطان القانون على سلطان السلاح.
وإن غداً لناظره قريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..