مقالات وآراء

إلغاء رخصة العسجد.. إن صحّ، ليس نهاية الأمر 

لماذا يجب أن يتوقف بنك السودان عن استبدال EBS بقطاع خاص لا يحكمه قانون حماية بيانات

تنويه منهجي قبل البدء
تداولت بعض المواقع الإخبارية خبراً يفيد بأن محافظ بنك السودان المركزي قررت إلغاء الترخيص الممنوح لشركة «العسجد»، وتكليف لجنة طارئة بمراجعة أسس منح تراخيص مشغّلي أنظمة الدفع مستقبلاً. لم أتمكن من العثور على تأكيد مستقل لهذا الخبر من مصدر رسمي أو وكالة أنباء موثوقة حتى لحظة كتابة هذا المقال، فيما وجدت ما هو مؤكد فعلاً: أن بنك السودان المركزي أصدر، في الثالث من يوليو 2026، ضوابط تنظيمية جديدة تُلزم كل الجهات المرخصة، بما فيها مشغّلو محولات المعاملات المالية، بعدم الشروع في أي علاقة تعاقدية أو تشغيلية أو تبادل بيانات دون موافقته المسبقة. وتبيّن أيضاً أن الرخصة لم تكن حكراً على «العسجد» أصلاً، بل مُنحت لأربع شركات على الأقل: برايت تكنولوجيز، والعسجد، ونهضة للتقنية، وسودا بوست. لذلك يُكتب هذا المقال بصيغة مشروطة: سواء صحّ خبر إلغاء رخصة «العسجد» بعينها أم لم يصح، فإن جوهر القضية لا يتغير، بل يتضح أكثر.
لماذا لا يكفي إلغاء رخصة واحدة
لو صحّ فعلاً أن الرخصة أُلغيت، فهذا لا يعني أن الأزمة انتهت، بل يعني أن جزءاً صغيراً من مظهرها زال بينما جوهرها باقٍ. فالمعلومة الأهم التي كشفها هذا الجدل ليست مصير شركة واحدة، بل أن بنك السودان المركزي كان يسير فعلياً نحو تعميم نموذج «المحولات الخاصة المتعددة» على أربع شركات دفعة واحدة، لا شركة بعينها. وما دام هذا التوجه العام قائماً، فإن إلغاء ترخيص «العسجد» – إن حدث – سيكون تنازلاً تكتيكياً أمام ضغط الرأي العام، لا تراجعاً حقيقياً عن المنهج الذي أنتج الأزمة أصلاً. والمنهج هنا واضح: نقل مهام كانت، ولا تزال تقنياً، من اختصاص شركة يملك بنك السودان المركزي والمصارف السودانية حصصها الكبرى – وهي (EBS) – إلى شركات خاصة ناشئة لا تملك الدولة فيها سهماً واحداً، دون قانون يحكم علاقتها بالبيانات المصرفية لملايين المواطنين.
عودة إلى الأساس: من يملك ماذا؟
شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) ليست منافساً خارجياً لبنك السودان المركزي، بل ذراعه التقنية منذ عام 1999، بملكية موزعة بين البنك المركزي نفسه ومجموعة المصارف السودانية وشركة سوداتل. والأهم أن البنك المركزي نفسه عزّز هذه الملكية باستحواذ استراتيجي إضافي على (EBS) في منتصف يناير 2026، أي قبل شهور فقط من منح تراخيص المحولات الخاصة الأربعة. هذا التسلسل الزمني وحده يستحق وقفة: كيف يُعزَّز الاستثمار في مؤسسة وطنية، ثم يُفتح الباب بعد أشهر قليلة أمام منافسين خاصين لأداء المهام نفسها تقريباً؟ إن لم يكن هناك تفسير مؤسسي واضح ومعلن لهذا التناقض الظاهري، فإن الشك في أن القرار اتُّخذ دون دراسة متكاملة لتبعاته على استثمار الدولة القائم في (EBS) يبقى شكاً مشروعاً.
تجارب الدول: الاعتماد يكون على المؤسسات الحكومية أو الهجينة، لا الخاصة الصرفة
المقارنة بالصين، التي كثيراً ما تُستحضر كمثال على نجاح القطاع الخاص في هذا المجال، تحتاج إلى دقة أكبر مما يُتداول عادة. فمحفظتا «وي تشات باي» و«علي باي»، بالإضافة إلى شبكة «يونيون باي»، لا تُسوّي معاملاتها فيما بينها مباشرة، بل يُلزمها البنك المركزي الصيني بالمرور عبر منصة مقاصة موحدة اسمها «نتس يونيون» (NetsUnion)، أُنشئت عام 2017 بتكليف مباشر من البنك المركزي. والأهم: ملكية هذه المنصة نفسها هجينة لا خاصة صرفة؛ إذ يملك البنك المركزي الصيني، مع جمعية الدفع والمقاصة الصينية، نحو 37% من أسهمها، بينما تتوزع الحصة الباقية على عشرات شركات الدفع الخاصة، كل منها بحصة صغيرة لا تتجاوز بضع نقاط مئوية. أي أن الصين لم تمنح شركة خاصة واحدة حق امتلاك أو تشغيل محول المقاصة الوطني بمفردها، بل أنشأت كياناً هجيناً تحت سيطرة تنظيمية وملكية راجحة للدولة، وألزمت جميع شركات الدفع الخاصة، مهما بلغ حجمها، بالمرور عبره دون استثناء. هذا عكس ما يجري في السودان تماماً، حيث تُمنح شركات خاصة صرفة تراخيص مستقلة لتشغيل محولات كاملة، دون أي حصة ملكية للدولة أو لـ(EBS) فيها.
نماذج أخرى تؤكد القاعدة
المقارنة بالصين ليست الاستثناء الوحيد الذي يكشف زيف فكرة ترك محولات الدفع بالكامل للقطاع الخاص دون حصة حكومية. ففي السعودية، لا تكتفي «ساما» بالتنظيم بل تملك مباشرة شركة «مدفوعات السعودية» التي تدير مدى وسريع وسداد، أي أن البنية التحتية الحرجة نفسها التي يناقشها هذا المقال تقع بالكامل تحت الملكية والتشغيل الحكوميين في المملكة. والبرازيل، التي كثيراً ما تُستشهد بها كمثال نجاح رقمي حديث، اختارت المسار نفسه: نظام «بيكس» (Pix) الذي أحدث نقلة في الشمول المالي يملكه ويشغّله البنك المركزي البرازيلي مباشرة، لا أي تحالف خاص. وفي الهند، التي تُقارَن غالباً بالصين في حجم السوق وسرعة التحول الرقمي، لم تُترك محولات الدفع لشركات خاصة متعددة، بل أُنشئت منظمة NPCI بملكية جماعية لعشرات البنوك تحت إشراف مباشر من البنك المركزي الهندي، وهو نموذج أقرب لما تقترحه هذه الورقة من توسيع دور (EBS) بدل تفتيت المهمة على شركات ناشئة. حتى في حالات كباكستان وتنزانيا، حيث الموارد المؤسسية أقرب لواقع السودان من موارد الصين أو أمريكا، اختار البنكان المركزيان تطوير أنظمة Raast وTIPS وتشغيلها حكومياً بالكامل، لا طرحها كتراخيص خاصة متعددة. الاستثناء الوحيد الذي يشبه ما يجري في السودان جزئياً هو النموذج الأمريكي والأوروبي، حيث تتنافس شبكات خاصة دون محوّل وطني موحّد؛ لكن هذا النموذج نشأ في بيئة تملك أصلاً أطر تنظيمية وقانونية صارمة لحماية بيانات المدفوعات تراكمت عبر عقود، وهي بالضبط الحلقة المفقودة في الحالة السودانية الراهنة. فالمشترك بين كل النماذج الناجحة – سواء كانت ملكية حكومية مباشرة كالسعودية والبرازيل، أو جماعية بإشراف مركزي كالصين والهند – أن الدولة تحتفظ بحصة تحكم فعلية في البنية التحتية السيادية للمدفوعات، وهو بالضبط ما تفتقده تجربة التراخيص الخاصة الأربع في السودان.
المخاطر التي يتعرض لها المودعون في غياب القانون
استمرار هذا النهج، مع تعدد الشركات الخاصة المرخَّصة، يضاعف – لا يقلل – من المخاطر التالية على أموال وبيانات المودعين:
توزّع بيانات المعاملات المصرفية الحساسة على عدة جهات خاصة متفرقة بدل جهة وطنية واحدة خاضعة لرقابة مباشرة، بما يصعّب تتبع المسؤولية عند وقوع أي تسريب.
غياب قانون وطني لحماية البيانات يعني أن كل شركة من هذه الشركات الأربع تحدد بنفسها، عملياً، معايير حماية بياناتها الداخلية، دون معيار وطني موحد يمكن قياس الجميع عليه أو مساءلتهم بموجبه.
تعدد المشغلين الخاصين دون إطار تشغيل بيني واضح بينهم وبين (EBS) يرفع احتمالات التعارض التقني والتشغيلي، بما قد يهدد استقرار التسوية بين البنوك في لحظة حرجة.
كل شركة خاصة جديدة تُمنح ترخيصاً مماثلاً هي نقطة ضعف إضافية محتملة أمام الاختراق السيبراني، بينما كان يمكن تركيز الاستثمار الأمني والتقني في مؤسسة وطنية واحدة قوية بدل تشتيته على عدة كيانات ناشئة.
وضوابط 3 يوليو 2026، رغم أهميتها كخطوة رقابية، تعالج فقط مسألة التنسيق الإجرائي (ألا تبدأ أي شركة عملها دون موافقة مسبقة)، ولا تجيب عن السؤال الأعمق: لماذا يُسمح أصلاً بهذا العدد من المشغلين الخاصين للبنية التحتية الحرجة نفسها، بدل تعزيز وتوسيع دور (EBS) المملوكة وطنياً؟
سؤال إلى بنك السودان: ما مصير التراخيص الأربعة، لا رخصة واحدة؟
إذا كان الحديث المتداول عن إلغاء رخصة واحدة يخص شركة «العسجد» تحديداً، فإن السؤال الأهم يبقى معلقاً بلا إجابة: ما مصير تراخيص الشركات الثلاث الأخرى – برايت تكنولوجيز، ونهضة للتقنية، وسودا بوست – التي مُنحت في التوقيت نفسه تقريباً وبنفس الصيغة؟ فإن كانت مبررات إلغاء رخصة «العسجد» – إن صحّ الخبر – متعلقة بغياب قانون حماية البيانات وغياب حصة الدولة في الملكية، فإن هذه المبررات تنطبق حرفياً على الشركات الثلاث المتبقية دون استثناء، إذ لا يوجد ما يميّزها عن «العسجد» من الناحية القانونية أو التنظيمية. فبنك السودان مطالَب بالإجابة صراحة: هل ستخضع تراخيص برايت تكنولوجيز ونهضة للتقنية وسودا بوست لمراجعة مماثلة لما جرى مع «العسجد»؟ وما معايير هذه المراجعة إن وُجدت؟ وهل ستُعلَّق أنشطة الشركات الثلاث إلى حين استكمال الإطار القانوني الناقص، أم سيُكتفى بمعالجة حالة واحدة تحت ضغط الرأي العام بينما تستمر الثلاث الأخرى بالنهج نفسه دون أي مراجعة؟
المطلوب الآن، لا مجرد إلغاء ترخيص
تجميد أي ترخيص إضافي لمحولات خاصة جديدة إلى حين استكمال الإطار القانوني والرقابي الناقص، لا الاكتفاء بمراجعة حالة واحدة.
مراجعة شاملة لتراخيص الشركات الأربع الحالية (برايت تكنولوجيز، العسجد، نهضة للتقنية، سودا بوست) وفق معايير موحّدة ومعلنة، لا كل حالة على حدة وبمعزل عن الأخرى.
سنّ قانون وطني ملزم لحماية بيانات المدفوعات، يحدد المسؤوليات والعقوبات بصرف النظر عن هوية المشغل، قبل السماح لأي شركة إضافية بالدخول إلى هذا المجال.
توضيح رسمي لدور (EBS) المستقبلي: هل ستبقى المشغّل الوطني الرئيسي المدعوم بملكية الدولة والمصارف، أم سيُعاد تعريف دورها لتصبح مجرد جهة تنسيق شكلية بين مشغلين خاصين متعددين؟ فالتناقض بين تعزيز ملكية (EBS) في يناير ومنح تراخيص منافسة لها في الأشهر التالية يحتاج تفسيراً مؤسسياً واحداً واضحاً، لا سياسة مزدوجة غامضة.
الحفاظ على السيادة المالية والرقمية لا يتحقق بإلغاء ترخيص شركة واحدة تحت ضغط الرأي العام، بل بإعادة النظر في المنهج نفسه الذي أنتج أربع رخص خاصة متزامنة لبنية تحتية سيادية، في بلد يخوض حرباً، وبلا قانون يحمي بيانات ملايين مودعيه. وطالما بقي هذا المنهج قائماً، فإن أي إلغاء جزئي، مهما بدا انتصاراً للرأي العام، سيظل معالجة للعرض لا للمرض.
والله من وراء القصد وعليه السبيل

Email:[email protected]
يوليو 2026

تعليق واحد

  1. واب علينا يا استاذ عمر عسجد دي طلعت كانت مديره اعمال حميدتي يعني هي تبع المليشه واب وكرررا يعني الحكومه دي لسع جواها دعامه ومليشات تحت تحت كيف يعني نطلع المليشه بي الباب يجوا راجعين بي الشباك كيف يبدوا انو السودان هايظل كدا خونه في خونه عملاء في عملاء لو ما كدا المثل عسجد دي مفروض تمنع من دخول السودان مش يفتح ليه شركه واكيد باقي الشركات ايضا هي تبع المليشه جايين يهدموا لينا الاقتصاد ومفروض مديره البنك تقدم الاستقاله فورا وتروح في ستين داهيه شوفوا مقال عزامي عبدالرزاق (((عزمي عبدالرازق يكتب ..خطير.. أسرار التمكين الرقمي الجديد وعلاقته بأطلال شركة سوميكس المنهارة !!
    في مقالي المنصرم، ألقيتُ حجراً في بركة ساكنة وسألت: مَن هي عسجد؟ للأمانة كنتُ أعرف الإجابة سلفاً، غير أنني، وهذا دأبي في التقصي، أردتُ أن أصطحب القارئ معي في رحلة تنقيبٍ شاقة عما وراء القصة الكاملة المحجوبة، لننفذ معاً إلى جوهر (بنت الجدل) أياً كانت، فالحقيقة دائماً، كما تعلمون في أدبيات الصراعات، هي الضحية الأولى للحرب، ونحن هنا نحاول ركوب موجة عاتية، مع علمي أنه “لم يسلمْ من ركب” ولكن “هلكَ من ركبَ ولم يخاطر”، كما قال الإمام النفري.
    ولأنني أدرك جيداً خطورة آليات اختراق الدول عبر “الشبكات الشبحية” غير المرئية، أو محاولات تأسيس كيانات تجارية تتلفع بعباءة القانون للاستحواذ على عقود حيوية أو بنية تحتية حساسة، فقد ألزمتُ نفسي بالتشبث برأس أي خيط يمكن أن يقودنا إلى الحقيقة التي ننشدها جميعاً. وهنا تحديداً، لا أفترض سوء النية مطلقاً في مدير شركة “العسجد”، فلربما كانت هي نفسها مجرد ضحية أو واجهة في مسرح العرائس، لكن واجبي التنبيه، الصراخ، حتى ولو على طريقة حميد وود المقبول ” يا عبد الرحيم قدامك قطر”.
    ثمة معلومات عاصفة ومزلزلة توصلتُ إليها، ولكن قبل أن أستطرد في نثرها، من المهم الإشارة إلى صدور بيانين متزامنين بالأمس؛ الأول من البنك المركزي، والآخر من شركة “العسجد للحلول الرقمية والذكية”، في هارموني مثير للعجب، إذ دبجوا عريضة طويلة، أشبه بـ (البيان غير المُبين)، وتهربوا بجلاء من الإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا مُنحت “العسجد” تحديداً الرخصة الأولى وهي حديثة عهدٍ بهذا المجال المعقد؟ وماهى المشاريع المماثلة التي نفذتها الشركة لتجعلها مؤهلة للحصول على رخصة المحول؟وقبيل الإجابة من المهم التذكير، لو تنفع الذكرى، بأننا في حالة حرب اقتصادية تشنها علينا دولة تجيد الاختراق السيبراني، تريد الإضرار بنا، وإذا كانت هنالك شركات أخرى مؤهلة، فما الداعي لتمييز “العسجد” بحفل باذخ، حشدت له الدولة شخصيات رفيعة ورموزاً سيادية؟
    المثير في الأمر، أن “العسجد للحلول الذكية والرقمية” تملك فرعاً في دبي، وما أدراك ما دبي! المعلومات الشحيحة المتاحة تقول إن فرع الإمارات تم إنشاؤه ليكون “نافذة إقليمية ومقراً لتطوير الشراكات والاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، للاستفادة من البنية التحتية هناك لإدارة الهوية الرقمية والخدمات السحابية”. وبناءً على هذه السردية، فإن جذورهم البرمجية بدأت من السودان أولاً، ثم تمددت صوب الخليج لاحقاً، أو ربما العكس، فهذا يحتاج إلى بيان جديد “يجلي النظر يا صاحي”.
    هنا يثور سؤال بليغ: متى تم افتتاح فرع دبي؟ ولماذا لم يقيموا له حفلاً صاخباً هناك، كما حدث في بورتسودان حيث غطت فلاشات الكاميرات على ملامح المدينة الساحلية؟ أما صفحتهم على منصة “فيسبوك” فقد تأسست فجأة في مارس 2025، ما يعني أنها دُشنت لتتولى الدعاية والترويج لنشاط ضخم يلوح في الأفق بعد الحصول على رخصة البنك المركزي. والملاحظة الأخرى الجديرة بالالتقاط والتحليل، هي أن الشركة، وفي وقت قياسي يثير الريبة، وقعت اتفاقيات شراكة مع بنك العمال الوطني، مصرف السلام، ومذكرة تفاهم مع مصرف البلد، وشراكة رقمية مع بنك التضامن الإسلامي، بالإضافة إلى بنك “أن بوكس” في الجارة الشمالية، لتطوير منظومة المدفوعات الرقمية في السودان!
    كل هذا الصعود الصاروخي، ولا توجد حتى الآن معلومات وافية حول “العسجد”. مَن هو رئيس مجلس الإدارة الحقيقي؟ وبأي مال نهضت؟ فلا يعقل عقلاً ولا منطقاً أن تكون السيدة عسجد يحيى الكاظم، هي الرئيس التنفيذي، والمدير العام، والمالك الأوحد لشركة (ASD). مَن هم بقية الشركاء المتوارين خلف الستار؟ ولماذا لم يظهروا في الصورة؟ والأهم من ذلك كله: أين سيتم استضافة بيانات المعاملات المالية الحساسة للسودانيين؟ هل ستبقى داخل حدود الوطن وحصونه الأمنية، أم ستُرفع على حسابات وسيرفرات رقمية خارجية؟ خصوصاً وأن فرع دبي أُسس خصيصاً لإدارة “الهوية الرقمية والخدمات السحابية”، كما ورد في تعريفه على الشبكة العنكبوتية، ما يضع الأمن القومي للبلاد على المحك.
    لنحبس الأنفاس يا سادة.. فأثناء نبشي في أطلال إمبراطورية “آل دقلو” المنهارة، عثرتُ على اسم شركة للمباني الجاهزة تُدعى (سوميكس)، كان مقرها قبيل الحرب في شارع الستين الخرطومي، تلك الشركة كانت مملوكة سابقاً لمواطن تركي يُدعى (بولنتي) تقريباً، لكنها آلت لاحقاً إلى شركاء جدد عبر عقود وتنازلات سريّة لم تُسجل في دفاتر المسجل التجاري، حيث استحوذ “حميدتي” على 70% من أسهمها، بينما ذهبت الـ 30% المتبقية لشخص يُدعى (أيمن).
    المفاجأة الصاعقة هنا، هي أن المدير العام لشركة (سوميكس) لم تكن سوى امرأة تُدعى “عسجد يحيى”! لنفترض أنها إمرأة أخرى، حتى يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وقد كان أول عمل تولته هذه الشركة هو “تسكين” قوات آل دقلو في قطعة أرض تقع شمال برج الدعم السريع، شيدوا فيها مباني جاهزة. لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما طلب “حميدتي” شخصياً من الشركة تجهيز “كرفانات” وتشييد مبانٍ وعنابر وتوريد سراير ومراتب لتسكين 300 ألف عسكري في معسكرات (قري، جبل سركاب، ومعسكر شريان الشمال الكيلو 40). ليس هذا فحسب، طموح الجنرال تمدد لطلب تشييد 5000 بيت جاهز يتم استيرادها من تركيا لتوطين أهله وعشيرته في منطقة (الزرق) بشمال دارفور، والتي أصبحت قاعدة انطلقت منها الحرب ضد الخرطوم والجزيرة.. ولتمويل المرحلة الأولى 500 بيت، قام حميدتي بتغذية حساب “مصنع رهف للمواد الغذائية” ببنك الخليج – المملوك للشريك الثاني (أيمن) – بمبلغ 13 مليون دولار، وكانت تعادل وقتها نحو 7.5 تريليون جنيه سوداني تقريباً.
    السيدة عسجد، التي عُينت مديراً لشركة “سوميكس” مطلع عام 2023، كانت قبلها موظفة بسيطة بالبنك السعودي، وفجأة، سافرت إلى الخارج لتتعاقد على الـ 500 بيت التركي، وتتولى الإشراف المباشر على العمل داخل معسكرات قوات حميدتي حتى اندلاع حرب 15 أبريل. فيما تم دفع مبلغ 6 ملايين دولار كمقدم للمصانع في تركيا، وتأسست شركة نقل بري باسم الشريك الثاني لحميدتي (صاحب الـ 30%).
    في خط متوازٍ يربط المال بالسياسة ومحاور الإقليم، تشير المعلومات إلى أن مديرة الشركة أهدت طقم ذهب فاخر ومرصع لصديق نجل الجنرال الليبي، المتحالف مع المليشيا، ليقدمه لزوجته كعربون مودة وشراكة تحت الطاولة.
    لكن خطباً ما حدث خلف الكواليس، قلب الموازين، وأربك حسابات “بنت الجدل” ومن يقفون خلفها.. تفاصيل خطيرة ومثيرة، تكشف عن تطورات القضية يشيب لها ليل الخرطوم الطويل المُعتم بلا كهرباء، سوف نتطرق إليها بشيء من التفصيل في الحلقة القادمة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..