مقالات وآراء

الجيش القومي، القوات الموازية، ومستقبل الدولة المدنية في السودان

ورقة سياسات (Policy Paper) موجهة لصنّاع القرار

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة إحدى أخطر الإشكاليات البنيوية التي واجهت الدولة السودانية منذ الاستقلال، والمتمثلة في اختلال العلاقة بين المؤسسة العسكرية القومية والقوى المسلحة الموازية، وما ترتب على ذلك من تقويض لمفهوم الدولة، وتعطيل لمسار الانتقال المدني، وتهديد لوحدة البلاد وأمنها القومي.
تقدم الورقة تشخيصًا تحليليًا لجذور الأزمة، وتوضح الفروق الجوهرية بين الجيش القومي والقوات الموازية، وتكشف آليات التمكين والتمويل، ثم تطرح خيارات سياسات عملية وتوصيات قابلة للتنفيذ، موجهة لصنّاع القرار الوطنيين والداعمين الإقليميين والدوليين.
أولاً: خلفية المشكلة
فشلت الدولة السودانية، على مدى عقود، في ترسيخ أحد أهم أسس الدولة الحديثة، وهو احتكار الاستخدام المشروع للقوة.
فقد تداخلت السياسة بالعسكر، وأُضعفت المهنية العسكرية، وتم اللجوء إلى إنشاء قوى مسلحة خارج الإطار الدستوري لموازنة الجيش أو حماية النظام السياسي.
وقد بلغ هذا الخلل ذروته بظهور قوات الدعم السريع، التي تحولت من أداة أمنية مؤقتة إلى فاعل سياسي واقتصادي مستقل، ينازع الدولة سلطتها السيادية، ويقوض مشروع الدولة المدنية.
ثانياً: الفرق الجوهري بين الجيش القومي والقوات الموازية
1. من حيث الشرعية والطبيعة
الجيش القومي مؤسسة وطنية دستورية، تستمد شرعيتها من الدولة والدستور، وولاءها المفترض للوطن والشعب.
أما القوات الموازية، وعلى رأسها الدعم السريع، فقد نشأت بقرار سياسي ظرفي، وشرعيتها مستمدة من القوة والأمر الواقع لا من العقد الدستوري.
2. من حيث العقيدة والوظيفة
تقوم العقيدة العسكرية للجيش القومي على حماية السيادة ووحدة التراب الوطني، وعدم التدخل في العمل السياسي.
بينما تشكلت عقيدة القوات الموازية حول مهام داخلية، وحروب غير نظامية، وحماية السلطة والنفوذ، مما جعلها أقرب إلى مشروع سلطة منها إلى مؤسسة دولة.
3. من حيث القيادة والتنظيم
يخضع الجيش لسلسلة قيادة مؤسسية وقوانين انضباط راسخة، في حين تخضع القوات الموازية لقيادة شخصية وشبه عائلية، تتقدم فيها الولاءات الخاصة على الانضباط المؤسسي.
النتيجة:
الجيش القومي مشروع دولة، والقوات الموازية نقيض بنيوي للدولة.
ثالثاً: جذور التمكين (السياسي – الأمني – الاجتماعي)
1. التمكين السياسي
لجأ النظام السابق إلى إنشاء قوى موازية بسبب عدم ثقته في جيش وطني مهني، فسعى إلى تفتيت القوة العسكرية ومنع تمركزها في مؤسسة واحدة.
2. التمكين الأمني
مُنحت القوات الموازية صلاحيات واسعة، وحصانات قانونية، وحرية استخدام القوة دون رقابة مدنية أو قضائية فعالة، مما أدى إلى نشوء دولة أمنية داخل الدولة.
3. التمكين الاجتماعي.
تم تسليح جماعات على أسس محلية وقبلية، وتحويل السلاح إلى أداة صعود اقتصادي واجتماعي، وهو ما قوض مبدأ المواطنة المتساوية.
رابعاً: جذور التمويل والاقتصاد الموازي
اعتمدت القوات الموازية على:
السيطرة على مناجم الذهب والموارد الطبيعية
بناء اقتصاد خارج الموازنة العامة
شبكات تجارة عابرة للحدود
دعم إقليمي وخارجي مباشر وغير مباشر
هذا التمويل المستقل حرر القوة المسلحة من الدولة، ومكّنها من شراء السلاح والولاءات، واستقطاب عناصر من الجيش النظامي عبر الإغراء المالي، مما فاقم أزمة الانضباط والولاء الوطني.
خامساً: الآثار الاستراتيجية على مسار الدولة السودانية
انهيار مبدأ سيادة الدولة واحتكارها للقوة
تعطيل الانتقال المدني والديمقراطي
تفكك النسيج الاجتماعي وعسكرة الهويات
تدويل الصراع وتحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة
تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة
سادساً: خيارات السياسات المتاحة
الخيار الأول:
الإبقاء على الوضع القائم
خيار عالي التكلفة، يقود إلى الانهيار الشامل واستمرار الحرب.
الخيار الثاني:
حلول جزئية
دمج شكلي أو تسويات مؤقتة تؤجل الأزمة ولا تعالج جذورها.
الخيار الثالث:
الإصلاح الشامل للقطاع الأمني والعسكري
وهو الخيار الوحيد القابل للاستدامة وبناء الدولة.
سابعاً: التوصيات العملية لصنّاع القرار
الإقرار الدستوري بمبدأ الجيش الواحد والميزانية الواحدة
إطلاق عملية إصلاح أمني وعسكري (SSR) شامل
دمج القوات الموازية وفق معايير مهنية صارمة وجدول زمني ملزم
تفكيك الاقتصاد العسكري الموازي وإخضاعه للدوله
تجريم إنشاء أو تمويل أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة
ربط الدعم الإقليمي والدولي بوحدة المؤسسة العسكرية
الاستثمار في التعليم العسكري المهني وبناء عقيدة وطنية جامعة
الخاتمة
إن مستقبل الدولة المدنية في السودان مرهون باستعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، وبناء جيش قومي مهني خاضع للدستور، وتفكيك منظومات التمكين والسلاح الموازي.
تمثل هذه الورقة دعوة مباشرة لصنّاع القرار إلى اتخاذ خيارات تاريخية شجاعة، تضع مصلحة الوطن فوق اعتبارات السلطة واللحظة السياسية، وتعيد للسودان دولته، ولشعبه كرامته، ولمؤسساته هيبتها.
د. ابراهيم الامين
مركز 6 أبريل للدراسات الإستراتيجيه والثقافيه

‫3 تعليقات

  1. والله يا دكتور إبراهيم الأمين أنا واحد من شباب حزب الأمة وكنت أعتقد فيك أنك أعقل شخص في قادة حزب الأمة ولكن للأسف بعد أن وضعت يدك مع الكيزان والبرهان في بورتسودان والله اصبحت عندنا لاتسوى شيء وفعلا الكاش بقلل النقاش وأمام بريق الدراهم لايصمد الا القابض علي جمر القضية، أتمنى إنك تقرأ تعليقى هذا وتورينى وجهة نظرك،

  2. قراءة نقدية في ورقة سياسات:
    «الجيش القومي، القوات الموازية، ومستقبل الدولة المدنية في السودان»
    تعقيب في ضوء إطار «ميثاق النجاة وبناء الدولة»
    رداً على ورقة السيد إبراهيم الأمين، 6 يوليو 2026

    د. على عبدالله الخليفة طه

    تقدير أولي
    تمثل ورقة الأستاذ إبراهيم الأمين محاولة جادة لتأطير إشكالية العلاقة بين الجيش القومي والقوات الموازية بوصفها إشكالية بنيوية في تكوين الدولة السودانية، لا مجرد أزمة عابرة نجمت عن الحرب الراهنة. وتحسب للورقة دقتها في التمييز بين الجيش كمؤسسة دستورية والقوات الموازية كأداة سلطة نشأت بقرار سياسي ظرفي، وكذلك تتبعها لجذور التمكين السياسي والأمني والاجتماعي، ورصدها لآليات التمويل الموازي القائم على الذهب والاقتصاد غير الخاضع للموازنة العامة. هذا التشخيص، في مجمله، متسق مع ما استقر عليه التحليل النقدي لمسار الانهيار المؤسسي في السودان.
    غير أن الورقة، رغم قوتها التشخيصية، تقف عند حدود المعالجة الأمنية-المؤسسية للأزمة، وتُبقي معالجتها السياسية عرضية وناقصة الأركان، وهو ما يستدعي استكمالاً من داخل الإطار الذي طورناه في «ميثاق النجاة وبناء الدولة».
    أولاً: اختزال الأزمة في بُعدها الأمني
    تنتهي الورقة، بعد تشخيص سياسي واجتماعي متعدد الأبعاد، إلى حصر الحل في مسار إصلاح القطاع الأمني والعسكري (SSR) وحده، باعتباره «الخيار الوحيد القابل للاستدامة». وهذا اختزال منهجي خطير: فإصلاح مؤسسة القوة، مهما بلغت دقته التقنية، لا يبني شرعية سياسية من فراغ. الأزمة السودانية ليست أزمة تنظيم قوة مسلحة بقدر ما هي أزمة شرعية وظيفية غائبة، تبدأ من المحيط لا من المركز. فحين تُبنى الدولة تاريخياً من مركز يفرض تسويات أمنية على أطراف مهمّشة اقتصادياً واجتماعياً وهي نفس الأطراف التي أنتجت لاحقاً القوى المسلحة الموازية فإن أي إصلاح أمني لا يقترن ببناء شرعية تصاعدية من القواعد المحلية إلى المركز سيكرر البنية ذاتها التي أنتجت الانفجار، وإن بأدوات مختلفة.
    بعبارة أخرى: توصية «الإقرار الدستوري بمبدأ الجيش الواحد» ضرورية، لكنها غير كافية ما لم تُسبق أو تُصاحَب بعملية بناء شرعية من القاعدة، تُعيد تعريف علاقة الهامش بالدولة قبل الحديث عن هيكلة قوتها المسلحة.
    ثانياً: غياب العمارة الانتقالية الثلاثية للعدالة
    لا تتضمن الورقة أي إشارة إلى مسار العدالة الانتقالية بوصفه شرطاً مصاحباً لأي إصلاح أمني، وهي ثغرة جوهرية. فتفكيك القوات الموازية ودمجها «وفق معايير مهنية صارمة» كما تقترح الورقة سؤال تقني في ظاهره، لكنه سؤال عدالة في جوهره: من يُساءل عن الانتهاكات؟ وأي مسار يُتيح للضحايا في الأطراف استرداد الثقة بالدولة العائدة؟ بدون العمارة الثلاثية مجالس المصالحة المحلية، ولجنة الحقيقة والتعويضات، وغرفة الجرائم الكبرى فإن أي دمج مؤسسي، مهما كانت صرامته الفنية، سيُقرأ في الأطراف كتعويم للجناة لا كإصلاح للدولة، وسيعيد إنتاج أزمة الثقة التي شكّلت أصلاً حاضنة اجتماعية للقوى الموازية.
    ثالثاً: من يقرر «المعايير المهنية»؟ إشكالية النخبوية المتكررة
    تكتفي الورقة بالدعوة إلى «دمج القوات الموازية وفق معايير مهنية صارمة وجدول زمني ملزم»، دون أن تحدد الجهة التي تضع هذه المعايير أو تُشرف على تنفيذها. وهذا فراغ ليس تفصيلياً بل بنيوياً: فكل التسويات الأمنية السابقة في السودان من اتفاقيات السلام المتعاقبة إلى الترتيبات الأمنية في الاتفاق الإطاري استندت إلى نفس المنطق: نخبة مركزية (عسكرية أو مدنية) تقرر شكل الدمج نيابة عن الأطراف، ثم تُفرض النتيجة على الهامش. وقد كانت هذه بالضبط الآلية التي أنتجت الأزمة الراهنة. الإصلاح الأمني الذي لا تُبنى شرعيته عبر تمثيل إقليمي متوازن وآليات توافق موزون وهو ما نطرحه في الركيزة الرابعة من الميثاق سيكرر عيب التصميم نفسه: حل تقني تصممه نخبة مركزية بمعزل عن الأطراف التي ستتحمل تبعاته.
    رابعاً: التمويل الموازي عرض لا جذر — غياب بُعد السيادة المالية
    تصيب الورقة حين ترصد اعتماد القوات الموازية على الذهب والاقتصاد غير الخاضع للموازنة، لكنها تعامل هذا التمويل كأداة تمكين تقنية يمكن «إخضاعها للدولة»، دون أن تُعالجه كمظهر لأزمة أعمق في بنية الاقتصاد السياسي السوداني: غياب سيادة مالية حقيقية للدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن ضبط مواردها السيادية الذهب، الجمارك، التحويلات غير الرسمية لصالح موازنتها العامة، لن تملك أصلاً الأداة التي تُخضع بها أي جهة أخرى، عسكرية كانت أو مدنية. من هنا فإن «تفكيك الاقتصاد الموازي» يجب أن يُطرح كركيزة مستقلة من ركائز بناء الدولة، لا كإجراء تابع لإصلاح القطاع الأمني، لأن غياب السيادة المالية هو الذي يجعل أي جهة مسلحة بما فيها الجيش القومي ذاته في بعض تجلياته قابلة للاستقلال الاقتصادي عن الدولة من الأساس.
    خامساً: التغييب الكامل لمعضلة الدولة المدنية والعلمانية
    عنوان الورقة يستدعي «الدولة المدنية»، لكن متنها لا يناقشها البتة كمعضلة سياسية-هوياتية قائمة بذاتها. فأزمة التمكين الاجتماعي التي ترصدها الورقة تسليح جماعات على أسس قبلية وتحويل السلاح إلى أداة صعود اجتماعي لا تُفهم بمعزل عن فشل الدولة السودانية التاريخي في حسم علاقتها بالهوية الدينية والقبلية والجهوية. فالإصلاح الأمني وحده، دون معالجة صريحة لإشكالية العلمانية مقابل الدولة المدنية ذات المرجعية الجامعة، سيُبقي الباب مفتوحاً لإعادة إنتاج التعبئة الهوياتية التي غذّت مشروعية القوى الموازية اجتماعياً في المقام الأول.
    خلاصة: نحو معالجة مكتملة الأركان
    ورقة الأستاذ إبراهيم الأمين تقدّم تشخيصاً دقيقاً ومفيداً لبنية الخلل بين الجيش القومي والقوى الموازية، وتستحق أن تُقرأ بجدية من صنّاع القرار. غير أن توصياتها، إذ تنحصر في مسار إصلاح أمني-مؤسسي تقني، تخاطر بإعادة إنتاج نفس المركزية التي أنتجت الأزمة، ما لم تُدمج ضمن عمارة أشمل تجمع بين: شرعية وظيفية تصاعدية من المحيط إلى المركز، وعدالة انتقالية ثلاثية المسارات، وتمثيلاً إقليمياً متوازناً في صياغة أي تسوية أمنية، وسيادة مالية مستقلة بوصفها ركيزة لا إجراءً تابعاً، ومعالجة صريحة لمعضلة الهوية والدولة المدنية. الإصلاح الأمني شرط ضروري لبناء الدولة، لكنه ليس كافياً بذاته، وربطه وحده بمصير الانتقال المدني هو بالضبط الاختزال الذي يجب أن نتجاوزه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..