مقالات وآراء

جدِّد معارفك… تواكب عصرك!

د. محمد آدم عثمان

ما أسرع ما يتغيّر عالم اليوم! ففي كل يوم تظهر معارف جديدة، وتتطور التقنيات، وتتبدل متطلبات سوق العمل، حتى أصبح الثابت الوحيد هو التغيير. وفي خضم هذا التسارع، لم يعد النجاح مرهونًا بما تعلمناه في الماضي، بل بقدرتنا على التعلّم المستمر، ومواكبة مستجدات العصر، والاستعداد لما يحمله المستقبل.

ولم تعد الشهادة الجامعية نهاية رحلة العلم، بل أصبحت بدايتها. فالتخصص الجامعي، مهما بلغت أهميته، هو أساس يُبنى عليه، ومن الخطأ أن يظل المرء أسيرًا لما درسه قبل سنوات، بينما تفتح أمامه الحياة أبوابًا واسعة لاكتساب معارف جديدة، وتطوير مهاراته، وتوسيع آفاقه.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة أي تخصص، وإنما الدعوة إلى استكماله بما يعزز أثره وقيمته. فقد أصبحت معارف مثل الحوكمة، والجودة، والامتثال، وإدارة المخاطر، وإدارة المشاريع، والتحول الرقمي، وعلوم التقانة، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، واللغات، إلى جانب الدبلومات والشهادات المهنية، من أهم أدوات التميز في مختلف القطاعات، ولم تعد حكرًا على تخصص بعينه.

ولنا في ذلك تجربة عرفناها عن قرب؛ فقد أدركنا بعد سنوات من العمل أن كثيرًا من الأدوات التي صنعت الفرق في مسيرتنا المهنية لم تكن مما تلقيناه على مقاعد الدراسة، بل مما تعلمناه لاحقًا بالممارسة، والقراءة، والدورات المتخصصة، والدبلومات، والشهادات المهنية، والاحتكاك بأصحاب الخبرة. وهنا تتجلى حقيقة يغفل عنها البعض، وهي أن الجامعة تؤسس، أما الحياة فهي المدرسة التي لا تتوقف، وأن النجاح ليس لمن اكتفى بما تعلمه، بل لمن واصل التعلم، وطوّر مهاراته، وأحسن استثمار خبراته.

ومن هذا المنطلق، يصبح من الحكمة أن يعيد الإنسان تقييم مساره العلمي بين حين وآخر قبل أن يمضي سنوات أخرى في دراسة الماجستير والدكتوراه لمجرد أنها امتداد لتخصصه الأول. فإذا كان ذلك المسار لا ينسجم مع طموحه، أو لا يواكب احتياجات سوق العمل، فقد يكون الأولى أن يستثمر تلك السنوات في اكتساب علوم حديثة، أو مهارات نوعية، أو مؤهلات مهنية تفتح له آفاقًا أرحب. فالقيمة ليست في كثرة الشهادات، وإنما في جودة المعرفة، وحسن توظيفها.

ولو قرأنا السير الذاتية لعدد من الإعلاميين البارزين الذين يطلون علينا عبر القنوات الفضائية، لوجدنا أن كثيرًا منهم لم تكن دراستهم الجامعية في الإعلام، بل في تخصصات أخرى، ثم اكتسبوا علوم الإعلام ومهاراته بالتعلّم والتدريب والممارسة حتى تميزوا فيه. والأمر نفسه نراه في عدد من الشخصيات المؤثرة والمشاهير الذين تصدروا منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحوا واجهات للحملات الإعلانية والعلامات التجارية؛ فلم يكن تميزهم ثمرة تخصصاتهم الجامعية بقدر ما كان نتيجة تطوير مستمر لمهاراتهم، وقدرتهم على التعلم، والتكيف مع المتغيرات، واستيعاب أدوات العصر.

إن العالم لا ينتظر المتوقفين، وسوق العمل لا يكافئ الجامدين، وإنما يفتح أبوابه لمن يجدد معارفه، ويطور مهاراته، ويستثمر في نفسه باستمرار. فالإنسان الذي لا يتوقف عن التعلم يظل قادرًا على المنافسة، والتكيف مع المتغيرات، وصناعة الفرص.

والحكمة تقول:
من لا يتقدم يتقادم، ومن لا يتطور يتدهور، ومن لا يتعلم يتألم.

تحياتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..