هل مصر هى المستفيد الاكبر من حرب السودان؟

د. عوض النقر بابكر محمد
عندما اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، رأى كثيرون في مصر جارةً جنوبية تعاني ويلات صراع مدمر، ورأى آخرون فرصةً اقتصاديةً تتطلب استغلالاً سريعاً. ولكن الحقيقة الأعمق أن مصر لم تكن مجرد متفرج على مأساة جارتها، ولا مجرد مستغلٍّ عابر للفرص؛ بل كانت – وما تزال – طرفاً ينظر بعينين مختلفتين: عين ترى المكاسب العاجلة، وأخرى تتطلع إلى آفاق المستقبل البعيد. فبينما قد يبدو للوهلة الأولى أن مصر هي المستفيد الأكبر اقتصادياً من حرب السودان، فإن السؤال الجوهري ليس “هل تستفيد مصر؟”، بل “كيف تستفيد، وعلى أي أفق زمني؟” ذلك أن الفرق بين النظر إلى الأفق القريب والنظر إلى آفاق المستقبل هو الفرق بين الربح العابر والاستثمار الدائم، بين المكسب السريع والبناء المستدام.
المكاسب قصيرة المدى: قراءة في الأفق القريب
على المستوى الاقتصادي المباشر، لا يمكن إنكار أن الحرب السودانية أوجدت لمصر مكاسب آنية ملموسة. فالميزان التجاري بين البلدين انقلب انقلاباً حاداً لصالح القاهرة. ففي الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان 985.2 مليون دولار، منها 760.2 مليون دولار صادرات مصرية، مقابل 225 مليون دولار فقط واردات من السودان، محققاً فائضاً تجارياً لمصر بلغ 535.2 مليون دولار. وقبل الحرب، كان الميزان التجاري يميل لمصر بنسبة 55% مقابل 45% للسودان، لكنه بعد الحرب أصبح 70% لمصر مقابل 30% فقط للسودان. بل إن الصادرات السودانية إلى مصر تراجعت بنحو 50%، من 505 ملايين دولار قبل الحرب إلى 277 مليون دولار في 2025، مما وسّع عجز السودان التجاري مع مصر من 275 مليوناً إلى 705 ملايين دولار.
هذا التحول الدراماتيكي يعكس واقعاً بسيطاً: السودان الذي دمرت حربه قطاعات الإنتاج كافة – من زراعة إلى صناعة إلى تصدير – أصبح أكثر اعتماداً على الواردات المصرية، في وقت تمتلك فيه مصر قاعدة صناعية مستقرة نسبياً وسلاسل إمداد جاهزة. ومع توقف نحو 11 ألف شركة مصرية كانت تعمل في السودان، تحولت العلاقة الاقتصادية من شراكة إنتاجية إلى علاقة استيرادية أحادية الاتجاه.
لكن المكسب الأكثر إثارة للجدل يتمثل في الذهب. فمصر باتت الممر البري الرئيسي لنحو 60% من إنتاج الذهب في شمال السودان. ومنذ مايو 2023، ألغت مصر كل الرسوم الجمركية على واردات الذهب، وكانت النتيجة فورية وضخمة: قفزة هائلة في صادرات الذهب المصرية بلغت 2746% في مطلع 2025 مقارنة بالعام السابق. وهذا التدفق الذهبي وفّر لمصر سيولة من العملات الصعبة كانت في أمس الحاجة إليها في ظل أزمتها الاقتصادية الخانقة. كما ساهم في زيادة احتياطيات مصر من الذهب، وإن كانت الأرقام الرسمية تظهر إضافة 1.25 طن فقط في 2023 و2024، مقارنة بـ45 طناً أضيفت في 2022. وتشير تقديرات إلى أن مصر استفادت بشكل كبير من تهريب الذهب السوداني، ما جعلها تحتل مرتبة متقدمة في إنتاج وتجارة الذهب في أفريقيا.
مكاسب إضافية في الأفق القريب
إلى جانب الذهب والتجارة، هناك مكاسب أخرى أقل وضوحاً لكنها لا تقل أهمية. فالحرب تسببت في فقدان السودان ما لا يقل عن **7 مليارات دولار** من تحويلات المغتربين، وهو مبلغ كان يمكن أن يعود بالنفع على الاقتصاد السوداني لكنه تبخر نتيجة انهيار النظام المصرفي وتوقف التحويلات. في المقابل، شهدت مصر تدفقاً نقدياً من السودانيين الفارين من الحرب، سواء عبر الإنفاق الاستهلاكي أو عبر تحويلات الأموال التي اتخذت القاهرة ملاذاً لها.
كما أن السودان كان يشكل **بوابة لنفاذ الصادرات المصرية إلى أسواق دول حوض النيل وشرق إفريقيا**. ومع انهيار هذا الممر بسبب الحرب، قد تبدو هذه خسارة وليست مكسباً. لكن في الأفق القريب، تحولت مصر نفسها إلى مركز عبور للبضائع والخدمات المتجهة إلى المنطقة، مع تراجع دور الخرطوم كمركز لوجستي إقليمي.
آفاق المستقبل: الرهان على إعادة الإعمار
غير أن قراءة المشهد من أفق قريب فقط تغفل البعد الاستراتيجي الأعمق. فمصر لا تنظر إلى السودان كسوق مستهلكة مؤقتة، بل كشريك إقليمي في مرحلة ما بعد الحرب، وحجر زاوية في مشروعها للاندماج الاقتصادي الإفريقي. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين النظرة القصيرة والطويلة.
فقد قدّرت خسائر الحرب الاقتصادية في السودان بنحو 127 مليار دولار، وتتراوح تقديرات تكلفة إعادة الإعمار بين 200 و250 مليار دولار. وفي هذا السياق، حرصت مصر على تأمين موقعها كشريك إعادة الإعمار الأول. ففي ديسمبر 2025، اتفقت مصر والسودان على **منح الأولوية للشركات المصرية** في مشروعات إعادة الإعمار، في قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم. وأعدت القاهرة قائمة بـ52 شركة مصرية للمشاركة في هذه المشاريع، وفي فبراير 2025، تم الإعلان رسمياً عن تكليف شركة مصرية بتنفيذ أول مشروع لإعادة الإعمار.
لكن الأهم من ذلك أن الرؤية المصرية تتجاوز مجرد المقاولات إلى شراكة تنموية شاملة. فقد تعهدت مصر بتقديم الدعم الفني لإعادة تشغيل المصانع السودانية المتضررة، وتدريب كوادر الجمارك السودانية، وإقامة مشاريع صناعية مشتركة في مجالات الدواء والأسمدة والجلود والثروة الحيوانية. كما طلب الجانب السوداني الاستفادة من الخبرات المصرية في إنشاء عاصمة إدارية جديدة على غرار التجربة المصرية.
وهنا تتجلى الرؤية بعيدة المدى: مصر لا تريد سوداناً مدمراً يعتمد على وارداتها، بل تريد سوداناً معاد بناؤه يعتمد على استثماراتها وخبراتها وشراكاتها. إنها تنتقل من منطق “تصدير السلع” إلى منطق “تصدير النموذج التنموي”.
البعد المائي: مياه النيل بين الأفقين
ربما يكون ملف مياه النيل هو الأكثر تعقيداً والأكثر دلالة على الفرق بين النظرة القصيرة والطويلة. فمصر تعتمد على نهر النيل في توفير نحو **55.5 مليار متر مكعب** سنوياً من إجمالي حصتها البالغة 55.5 ملياراً، بينما تبلغ حصة السودان **18.5 مليار متر مكعب**، بموجب اتفاقية 1959.
في الأفق القريب، قد تبدو الحرب السودانية وكأنها تخدم المصالح المائية المصرية. فالسودان المنشغل بحربه الداخلية أصبح أقل قدرة على المطالبة بحصته من المياه أو على تنفيذ مشاريع ري كبرى تستهلك كميات كبيرة من النيل. كما أن انشغال الخرطوم بالصراع المسلح أضعف موقفها التفاوضي في ملف سد النهضة الإثيوبي، مما ترك مصر في موقع أقوى نسبياً في المفاوضات الثلاثية. بل إن بعض المراقبين يرون أن ضعف الدولة السودانية يجعلها أقل قدرة على الضغط من أجل إعادة توزيع حصص المياه، وهو ما يخدم المصالح المصرية في الحفاظ على الوضع القائم.
لكن النظرة إلى آفاق المستقبل ترسم صورة مختلفة تماماً. ففي أكتوبر 2024، دخلت **اتفاقية عنتيبي** (الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل) حيز التنفيذ، وهي اتفاقية **لا تعترف بالحصص التاريخية لمصر والسودان** وتنهي فكرة الحصص الثابتة التي كانت تحمي حقوق مصر. وقد صادقت عليها حتى الآن إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي وجنوب السودان، بينما رفضتها مصر والسودان واعتبرتاها “غير ملزمة”.
هنا يكمن التناقض الاستراتيجي: في الأفق القريب، قد تستفيد مصر من ضعف السودان لتأمين حصتها المائية. لكن في الأفق البعيد، تحتاج مصر إلى السودان كحليف في مواجهة اتفاقية عنتيبي وسد النهضة. فالسودان هو الشريك الطبيعي لمصر في الدفاع عن نظام حصص المياه التاريخي، وهو الضفة الجنوبية لأمن مصر المائي. فالسودان الضعيف قد لا يطالب بحصته اليوم، لكن السودان المنهار قد ينضم إلى معسكر دول المنبع، كما فعلت جنوب السودان عندما صادقت على اتفاقية عنتيبي في أغسطس 2024، مما يغير موازين القوى في حوض النيل بشكل جذري ويُضعف الموقف المصري.
ولهذا فإن المصلحة المائية المصرية طويلة المدى تتطلب **سوداناً قوياً ومستقراً**، قادراً على الوقوف مع مصر في مواجهة التحديات المائية المشتركة. فالحفاظ على حصة مصر من مياه النيل لا يتحقق بعزل السودان أو بإضعافه، بل بتعزيز الشراكة معه في مواجهة الأطماع المائية لدول المنبع.
بين الأفقين: رهانات ومخاطر
غير أن هذه النظرة المزدوجة تحمل في طياتها تناقضاً جوهرياً. ففي الأفق القريب، تستفيد مصر من الفوضى السودانية: من تهريب الذهب، ومن تدفق اللاجئين الذين يشكّلون سوقاً استهلاكية، ومن تراجع القدرة الإنتاجية السودانية، ومن ضعف الموقف التفاوضي السوداني في ملف المياه. لكن في الأفق البعيد، تدرك مصر تماماً أن استمرار الحرب وانهيار الدولة السودانية يشكلان تهديداً وجودياً لأمنها القومي. وكما لاحظ المحللون، فإن التهديد طويل المدى المتمثل في “دولة ميليشيات” على الحدود الجنوبية لمصر يفوق بكثير الأرباح قصيرة المدى الناتجة عن الذهب المهرب.
ولهذا فإن مصر راهنت، منذ اليوم الأول للحرب، على دعم الجيش السوداني والحفاظ على وحدة الدولة السودانية، وأعلنت “خطوطاً حمراء” واضحة ترفض تقسيم السودان أو قيام كيانات موازية. وهذا الموقف ليس تناقضاً مع المصالح الاقتصادية، بل هو إدراك أن الاستقرار السوداني هو الضامن الوحيد لأي مشروع تنموي طويل الأمد، ولأمن مصر المائي الذي لا يمكن فصله عن أمن السودان.
خاتمة: مصر بين الربح العابر والاستثمار الدائم
إن القول بأن مصر هي المستفيد الأكبر من حرب السودان اقتصادياً هو قول صحيح لكنه ناقص. فالصحيح أنه في الأفق القريب، حققت مصر مكاسب تجارية ونقدية ملموسة، واستفادت من الذهب المهرب وتحويلات المغتربين، بل وربما استفادت مؤقتاً من ضعف الموقف السوداني في ملف المياه. والناقص أن هذه المكاسب ليست غاية في حد ذاتها، بل هي جزء من معادلة أكبر تضع الاستقرار الإقليمي والشراكة التنموية والأمن المائي في مقدمة الأولويات.
مصر التي تنظر إلى الأفق القريب ترى ذهباً يهرّب عبر حدودها، وفائضاً تجارياً يتضخم، وأسواقاً تفتح أمام منتجاتها، وحصة مياه محفوظة بفعل ضعف الجار. لكن مصر التي تنظر إلى آفاق المستقبل ترى سوداناً معاد بناؤه بيد شركاتها، واقتصاداً متكاملاً تقوده خبراتها، وشريكاً استراتيجياً في مواجهة اتفاقية عنتيبي وسد النهضة، وحليفاً مائياً يحمي معها نظام حصص النيل من التآكل.
الفرق بين النظرتين ليس فرقاً في المصالح، بل فرقاً في الزمن. فمن يرى الأفق القريب فقط قد يظن أن مصر رابحة من الحرب ذاتها؛ ومن يرى الآفاق البعيدة يدرك أن مصر تراهن على السلام لا على الحرب، وعلى البناء لا على الدمار، وعلى الشراكة لا على العزلة، وعلى المستقبل لا على اللحظة العابرة. وكما يقول المثل: “من نظر إلى القريب ربح درهماً، ومن نظر إلى البعيد ربح دولة”.




أختلف معك دكتورنا العزيز في هذه الرؤية التي تميل الى المجاملة أكثر منها الى الحقائق على أرض الواقع..
مصر لم تنظر الى السودان كشريك استراتيجي وند وجار مستقل يوماً ما سابقاً وحالياً ومستقبلاً بل تنظر الى السودان كمصدر مواد خام ورخيصة ويسهل الحصول عليها بالطرق الرسمية او بالتهريب نتيجة الفوضى او الحدود الواسعة وتنظر الى السودان كأرض غنية بالموارد ويمكن الاستيلاء عليها بالقوة او بالفوضى او استغلال تلك الأرض يتفريغ جزء من السكان لتنفيس الإكتظاظ الساكني وفتح سوق لشركاتها وتشغيل موطنيها … مصر تستفيد من الفوضى وعدم استقرار السودان ولو بطريقة غير مباشرة لان الاستقرار يعني استغلال حصة المياه في الزراعة والنشاط الإقتصادي المرتبط بالمياه ومع استمرار الحرب يذهب جزء كبير من الحصة الى مصر والاستقرار يعني بدء عجلة الصناعة والخدمات التعليمية والصحية … عندما تجد مصر سوق لتصدير لمنتاجاتها كما ذكرت في مقالك ٧٠% لماذا تسعى للتوازن في الميزان التجاري ؟؟؟ ولم تذكر الفوائد الآنية التي جنتها مصر من الحرب مثل شراء الشقق السكنية وزيادة القوة الشرائية والخدمية التي تنعش أسواق الاستهلاك واسواق تقديم الخدمات التعليمية والصحية والمواصلات … الخ… اذاً ما الذي يدعو مصر الى دعم الإستقرار في السودان ؟؟؟
نحن السودانيون فقط من يهمنا الأمر و من بيدنا مفاتيح التوازن للتعامل مع كافة الدول بعد نهاية الحرب وذلك بالانفتاح دون مجاملة على كل الدول التي يمكن التعامل معها تجارياً واهمها دول الخليج والدول الأروبية والافريقية المتقدمة التي لديها شركات كبيرة موثوقة ومصنفة تسهم في اعادة الاعمار وفتح الاستثمارات التنموية الاستراتيجية التي تعظم الانتاج وقيمته وتشغل الإيدي العاملة السودانية وفتح اسواق متنوعة للصادرات السودانية..
اعتقد مقالك مجاملة لمصر وهي تستحق المجاملة والشكر لانها كانت الملاذ الاول للسودنيين بعد رحمة الله تعالى ولكن هذه المجاملة يجب ان لا تكون على حساب أمن واستقرار الوطن ومستقبله الاقتصادي الاستراتيجي المستدام والمتجدد.
ختاماً يجب علينا بعد انتهاء الحرب النظر بزوايا واضحة لعلاقتنا مع الدول باحترام دون عداء ودون مجاملة وإعلاء المصالح والمنافع المتبادلة بكل شفافية مع الابقاء على سياسة حسن الجوار …
اتفق معك العلاقات تبنى على المصالح والسودان حر فى اختياراته. المقال يعرض هنا بالنسبة لمصر الفرق بين المصالح الآنية والنظر الى الى المستقبل .الحاضر ان شاء الله الى زوال مهما طال امده والمستقبل هو المصالح الدائمة- السودان بعد الحرب بحاجة الى اعادة النظر فى تشكيل الجوار الاقليمى. نقطة اخيرة انظر الى الصادرات السودانية الى مصر والواردات منها اى عاقل هو الذى يدير مثل هذه التجارة بالتاكيد ليس هو الطرف المصرى لك الشكر ايها المواطن الواعى والعزة للسودان.