مقالات وآراء

بالعديل والدوغري… الكلام الجد جد في قضية جبال النوبة.

الفاضل سعيد سنهوري

● مشاريع تأسيس “دولة الجلابة” و “دولة العطاواة” هو إعادة لتدوير النخب الإنتهازية وأزمة قيادة قضية جبال النوبة.

دلف الي بالمكتبة الإكترونية بجامعة مكرري صديق وزميل دراسة من “الجلابة المندكورو” شيوعي يحمل درجة الدكتوارة في العلوم السياسية ودس في يدي حزمة من الأوراق بها رؤية لقوي مبادى السودان التاسيسي، والحزب الشيوعي، والليبرالي، وبيانات ختامية لصمود وعدد من الرؤي السياسية لتيارات سياسية من السودان الشمالي الشيوعية والليبرالية والعلمانية.

وطلب مني قراءتها، ومطارحة أو نقاش سياسي مع مجموعة من السياسة الجلابة لمناقشة تقرير مصير جبال النوبة للمجموعة التي تحشد الطاقات حاليا لضمان ممارسة تقرير المصير بناءا علي تلك المستندات التي يحملها في يده، فقلت له لماذا فقط في هذة الوثائق وحدها؟، علما بانني قد طالعتها وقراءتها من قبل واحتفظ بنسخ منها، وباغت صديقي بسؤال مباشر “لماذا لم تطرح هذا السؤال أو الطلب للنقاش من قبل، علي الرغم من معرفتك لطرحي هذا الاتجاه منذ العام 2013 بصورة علانية في ذات مقر مركز الخاتم عدلان الذي كنت موجودا في الندوة في ذلك الوقت؟.

تعلثم صديقي المندكورو قليلا قبل أن يقول لي أن ذلك جاء بطلب من عدد محدوظ من رفاقه بتلك القوي صاحبة المستندات لان هذا الطرح ” تقرير مصير جبال النوبة أصبح له رواج وقبول ويكاد أن يصبح خيار مطروح”. وأنه كجلابة لن يشاركوا طبعا في الفعاليات والورش والمؤائد المستديرة والمؤتمرات القادمة لوضع تقرير المصير موضع التنفيذ لكنهم ليسو من جبال النوبة جغرافيا وإثنيا.

هذة الواقعة قادتني أيضا للسؤال الذي طرح علي من بعض الأشخاص وورد في بعض الرسائل بشكل مختلف لكنه يحمل مضمون لسؤال يمكن صياغته علي النحو الأتي: هل للنوبة خيارات أخري غير ممارسة تقرير المصير في ظل بقاءهم حتي بعد انفصال جنوب السودان في العام 2010 ضمن أرث “دولة الجلابة” ومؤخرا “ودولة العطاواة”، وماهو دور النخب السياسية في قيادة شعب جبال النوبة الي هذة الخيارات أن وجدت ؟.

وللاجابة عليه أقول نعم، طرحت العديد من الخيارات والمعالجات ولكن للمعالجة الحالية “لايجوز تجريب المجرب”، وهناك خيار واحد فقط متاح الأن ضمن خيارات أخري كثيرة طرحت من قبل وفشلت في معالجة قضية جبال النوبة لعدة عوامل -ساتناولها لاحقا بالتفصيل – ، لذا فإن تقرير المصير أصبح الأن هو الخيار السياسي الوحيد المتبقي لمعالجة والذي يمكن أن يوضع علي طاولة النقاشات الفكرية والسياسية والذي بدونه لن يتحقق الأنتصار لقضية جبال النوبة.

نعم كانت هناك عدة محاولات وبدائل جربت معظمها تقريبا منذ الاستقلال في العام 1965، ولكل منها مزايا وتحديات، ووفشل معظمها نتيجة لتغير يتوقف موازين القوى، وإرادة النوبة انفسهم، والظروف السياسية في السودان، فضلا الي ور النخب السياسية السودانية من النوبة والنخب المركزية في الدولة السودانية ومؤخرا نشوء طبقة جديدة من النخبة السودانية في دولة الجلابة المندكورات ودولة العطاواة وكلاهما يستندان علي الاسلام والعروبة بالإضافة الي وجود طبقة من النخبة السياسية الانتهازية من أبناء النوبة بكلتا الدولتين “دولة الجلابة”، و”دولة العطاواة”.

لكن قبل الحديث عن تلك النخب الإنتهازية السياسية بجبال النوبة علينا أن نتعرض لتلك الخيارات التي كانت مطروحة للمعالجة للسياسية لقضية جبال النوبة، والتي من من أبرز الخيارات التي يمكن ان تُناقش هي:

1. الفيدرالية الحقيقية: منح الإقليم سلطات واسعة في التشريع والإدارة والموارد والأمن المحلي، مع البقاء ضمن دولة سودانية موحدة.
2. الحكم الذاتي: وهو أوسع من الفيدرالية، بحيث تدير مؤسسات الإقليم معظم شؤونه الداخلية مع احتفاظ الحكومة المركزية باختصاصات محددة مثل السياسة الخارجية والدفاع.
3. إعادة تأسيس الدولة السودانية: وهو طرح يدعو إلى بناء دولة مدنية تقوم على المواطنة المتساوية، بحيث تُعالج جذور التهميش الذي تعاني منه مناطق عديدة، بما فيها جبال النوبة، بدلاً من معالجة القضية على مستوى إقليم واحد فقط.
4. الكونفدرالية: وهو خيار أقل تداولًا، يقوم على اتحاد بين كيانات تتمتع بسيادة واسعة وتتشارك في مؤسسات محدودة.
5. تقرير المصير: ويشمل خيارات متعددة، منها البقاء ضمن السودان بعد ترتيبات جديدة أو اختيار الاستقلال إذا توفرت الشروط السياسية والقانونية لذلك.

وهذة الخيارات ظلت مطروحة جميعها وظلت النخب المركزية تختار منها ما تشاء بالتدريج للحفاظ علي دولة سودانية مركزية قادرين علي ابتحكم فيها وساعدتها في ذلك حتي النخب السياسية من جبال النوبة. وقد نجحت تلك النخب جزئيا وفشلت في الجزء الأكبر من لعب دور النخب في تحقيق نهاية جيدة ومشرفة لقضية جبال النوبة.

ويفترض علي النخب الجديدة أن تلعب دور مليار جدا لتلك النخب القديمة والقيادة السابق التي تعاني من “فقر القيادة”، و”إفتقار للرؤية”، لذا فإذا كانت هناك نخب سياسية وثقافية جديدة، فيمكن أن يكون دورها في قيادة المجتمع نحو أي خيار من خلال:

1- بناء رؤية سياسية واضحة تستند إلى مصالح السكان واحتياجاتهم تكفل حق تقرير المصير..
2- توسيع قاعدة المشاركة الشعبية بحيث تُتخذ القرارات عبر حوار واسع، وليس من خلال النخب وحدها.
3- توثيق الانتهاكات والمطالب، وتقديمها في الأطر السياسية والقانونية المناسبة بما يتماشي مع تحقيق تقرير المصير.
4- بناء تحالفات مع القوى الأخرى التي تتقاطع في أهداف العدالة والمواطنة المتساوية والداعمة لممارسة شعب جبال النوبة لحق تقرير المصير.
5- إعداد كوادر قادرة على إدارة المؤسسات إذا تحقق أي شكل من أشكال الحكم الذاتي أو إعادة هيكلة الدولة.
6- تجنب الخطاب الذي يعمق الانقسامات، والتركيز على الحقوق والضمانات الدستورية لممارسة حق تقرير المصير في أقرب وقت وآليات تنفيذها.

وقد عمدت النخب السياسية المركزية والاحزاب السياسية التقليدية علي عدم ممارسة ما أشرنا اليه من أدوار بالشكل الذي عطل وأخر نصرة قضية جبال بشكل أو أخر وكان الحديث والمجاهرة بقضية جبال النوبة وحق تقرير المصير يوضع في محل الخيانة والردة السياسية وغيرها.

وعندما نتناول بالنقد النخب المركزية الانتهازية التي هيمنت على الدولة السودانية وأسهمت في إنتاج أزماتها البنيوية، فإن العدالة الفكرية والأخلاقية تقتضي ألا يتوقف النقد عند حدود المركز وحده. فكما أنتجت الدولة السودانية نخبًا احتكرت السلطة والثروة وأعادت إنتاج التهميش، فقد أفرزت قضية جبال النوبة بدورها نخبًا سياسية واجتماعية لم تكن، في كثير من الأحيان، على مستوى التضحيات التي قدمها شعبها ولا على مستوى الأهداف التي رفعتها.

لقد كان لهذه النخب دورٌ مؤثر في إيصال قضية جبال النوبة إلى حالة من التشتت والضياع، ليس فقط داخل الدولة السودانية التي يصفها البعض بدولة الجلابة أو دولة العطاوة، وإنما حتى في المناطق المحررة، حيث كان يُفترض أن تُبنى نماذج جديدة للحكم والإدارة والعدالة. غير أن الواقع كشف عن إعادة إنتاج كثير من الممارسات التي طالما انتُقدت في المركز، من احتكار القرار، وإقصاء المخالفين، وتقديم الولاءات الشخصية على الكفاءة والمؤسسية.

إن نشوء هذه الطبقة من النخب السياسية لم يكن نتيجة التعليم أو الهجرة من قرى ومدن جبال النوبة إلى الوسط والشمال وبقية الأقاليم فحسب، ولا بسبب الالتحاق بالمؤسسات العسكرية والمدنية وحدها، بل يعود إلى المراحل الأولى لانتشار الوعي السياسي والمطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية. ففي تلك المرحلة انخرط أبناء النوبة في الأحزاب السياسية التقليدية، والمؤسسات الحكومية، والتنظيمات الجماهيرية، بل وحتى المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، على أمل أن تكون تلك المنابر أدوات لتحقيق العدالة والمساواة.

لكن كثيرًا من هذه القيادات تعرض للاستيعاب داخل البنى السياسية المهيمنة “بيئة الجلابة النيلية”، وتبنى ثقافتها وأساليبها في إدارة الصراع والسلطة، فتحول من ممثل لقضايا مجتمعه إلى جزء من منظومة إنتاج الأزمة. ومع مرور الزمن، نشأت نخبة سياسية مرتبطة بالمواقع والمصالح أكثر من ارتباطها بالمشروع الوطني “المدعاة” أو بقضية جبال النوبة نفسها، فأصبحت المحافظة على النفوذ الشخصي والتنظيمي تتقدم على مصالح المجتمع وحقوقه.

إن الأزمة التي يعيشها شعب جبال النوبة اليوم ليست نتاج سياسات المركز وحدها “نخب المندكورات”، على الرغم من مسؤوليته التاريخية الكبرى -بمن فيها الحكومات والانظمة السياسية، وإنما هي أيضاً نتيجة إخفاقات داخلية تراكمت عبر سنوات طويلة من غياب النقد والمحاسبة، وهيمنة الفرد على المؤسسة، واستبدال المشروع الجماعي بصراعات النفوذ والمكاسب. ولذلك فإن أي مراجعة جادة لمسار القضية لن تكون مكتملة ما لم تمتلك الشجاعة الكافية لتوجيه النقد إلى الذات، ومساءلة النخب التي احتكرت الحديث باسم الشعب دون أن تحقق تطلعاته في الحرية والكرامة والتنمية.

إن مستقبل قضية جبال النوبة لن يُبنى بإعادة تدوير الوجوه ذاتها أو بتبادل الاتهامات بين المركز والهامش، بل ببناء قيادة جديدة تستمد شرعيتها من النزاهة والكفاءة والشفافية، وتؤمن بأن القضية أكبر من الأشخاص والتنظيمات، وأن الشعب الذي قدّم التضحيات يستحق مشروعًا سياسيًا يعبر عن مصالحه الحقيقية، لا عن مصالح نخبه، وهذا المشروع الجديد هو ضمان ممارسة شعب جبال النوبة حقه في تقرير مصيره بعيدا عن مصالح نخب “دولة الجلابة” او “دولة العطاواة”.

والكلام ليك يالمنطط عينيك..

تحياتي ونواصل..

#تقرير_مصير_جبال_النوبة.
#دولة_جبال_النوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..