مقالات وآراء

مستقبل الحرب في السودان

السر العجمى

في ظل التطورات الراهنة المتعلقة بالحرب في السودان وطبيعة التفاعلات السياسية الإقليمية والدولية بشأنها، شيوع حالة من الغموض الذي يكتنف الطريقة التي ستنتهى بها الحرب. والتي لاتنحصر بين خيار النصر او الهزيمة لاى من طرفى الحرب المباشرين(الجيش والدعم السريع) وداعميهما . حيث أصبحت الحرب في السودان في حالة اللا حسم سواء عبر الخيارات العسكرية او الدبلوماسية. ولكن وفق سيناريوهات وسيطة قد تقضى في نهاية المطاف الى ترتيبات تحقق مكاسب مرضيه لهذه الأطراف وداعيمها.
على الصعيد الداخلى اصبح السودان الان في حالة اللا دولة بسبب عدم قدرة الدولة على أداء وظائفها، فضلا عن ذلك ان السودان اصبح الدولة الساحة للصراعات الإقليمية والدولية، ومن خلال خطابات اطراف الصراع الأخيرة فخطاب حميدتى امام قواته خطاب تعبوي داعيا الى رفض التفاوض ومواصلة الحرب،ونسف كل الجهود الدبلوماسية سواء الإقليمية اوالدولية الداعية لايقاف الحرب وفى ذات السياق خطاب البرهان يشير الى الحسم العسكري ايضا ورافضا لاي تفاوض لايقاف الحرب. وقد اخذت الحرب في السودان منعطفات غير متوقعه حيث تم اتهام الجيش باستخدام الأسلحة الكيمائيةمن قبل الولايات المتحدة الامريكية وذلك في خطابها امام منظمة حظر الأسلحة الكيمائية وان لديها ادلة دامغة باستخدام الجيش لغاز الكلور، كما أعلنت وزارة الخارجة الامريكية في الخامس والعشرون من مايو 2025 أن الولاات المتحدة الامريكية ستفرض عقوبات على السودان بعد ثبوت استخدامة للأسلحة الكيمائية في العام2024. وطالبت بابتعاث فريق تحقيق وتفتيش . وباختصار رفض البعثة الدولية للتفتيش من قبل حكومة الامر الواقع ليس في مصلحتها. وفى ظل هذه التطورات سوف تعقد لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ جلسة اليوم الأول من أغسطس بشأن الحرب في السودان،وبالرغم من عدم الالمام باجندة جلسة لجنة العلاقات الخارجية مجلس الشيوخ الا انه من المتوقع ان لجنة العلاقات الخارجية ربما تمهد لمشروع قوانين وعقوبات جديدة لاطراف الصراع خاصة في ظل التطورات الأخيرة . بالإضافة الى العقوبات التي سبق ان أصدرتها الإدارة الامريكية تجاه الأطراف. ونجد ان حكومة الامر الواقع تتعامل بصورة متناقضة حيث انه قبل انعقاد جلسة لجنة العلاقات الخارجية تراجعت حكومة الامر الواقع وقبلت بلجنة التفتيش الدولية من خلال تصريح وزير خارجيتها امس في تركيا وتصريح البرهان بقبول لجنة التفتيش الدولية. وفى ذات السياق قبل البرهان دعوة جوبا بشأن الوساطة لانهاء الحرب.
وعلى الصعيد الاقليمى أصبحت بعض القوي الاقليمة تتنافس داخل السودان وتدعم اطراف الصراع من اجل مصالحها الاقتصادية والحصول على موارد وثروات السودان. واصبح تدخل بعض القوي الإقليمية معلن وبشكل رسمى ،وان التدخلات الإقليمية هذه أدت الى إطالة امد الحرب. حيث ان هذه القوي تدعم اطراف الصراع لاحداث تغيرات على الأرض من اجل تغيير الوقائع لتحقيق مزيد من المكاسب لمصالحها بخلاف ماتدعيه انها تعمل على انهاء الحرب من خلال عضويتها مشاركتها في المؤتمرات الاقليمة والدولية التي تبذل الجهود لايقاف الحرب. ولكن يبدو في ظل التطورات الراهنه في بعض الأقاليم وتداعيات الحرب الإيرانية الامريكية وعدم الوصول الى اتفاق بين أمريكا وايران وخروق الاتفاقيات السابقة بينهم بالإضافة الى التصعيد الأخير في مضيق هرمز،كل ذلك سوف يؤثر على الحرب في السودان. وربما تحد او تقلل هذه التطورات من التدخل.
اما على الصعيد الدولى فأن السلوك الدولى يشير الى استمرار الحرب واتضح ذلك من خلال التصرح السابق لانطونو غوتريش في العام 2024م بعدم امكانية التدخل الانسانى لحماية المدنيين ،فضلا عن ذلك ان مجلس الامن الدولى لم يحرك ساكنا بشأن الازمة السودانة والانتهاكات الممنهجة والمخالفة للقانون الدولى الانسانى والقانون الجنائى الدولى ، وان كل الجلسات التي عقدها مجلس الامن بشأن الحرب في السودان لم تكن هناك ا ى مطالبة من المجلس بوقف الحرب ، بل كانت كل لجلسات تركز على الجانب الانسانى وحماية المدنيين.وبالرغم من ذلك فشل المجلس في حماة المدنيين ، حتى أن القرار الذى أصدره المجلس بشان وقف العدائيات وهو القرار رقم 2724 ، فهو قرار غير ملزم وذلك لان مرجعته القانونية هي البروتكول الأول الملحق باتفاقة جنف 1949م . وربما فشل مجلس الامن يعود الى الفيتو الذ ي يعيق اعماله ومهامه. بالإضافة الى فشل مجلس الامن هناك اضا فشل كل الجهود الدولية ومؤتمراتها التي انحصرت أيضا في الجانب الانسانى وحماية المدنيين ولم تكن هناك دعوة لوقف الحرب. ، كما ان تراجع دور الولايات المتحدة كقوة مهيمنه، قادرة على فرض تسويات سياسة او بناء توافقات دولية واسعة كما كان عليه الحال في مراحل سابقة. حيث أصبحت تقتصر سياسة الولايات لمتحدة بشان الحرب في السودان بإصدار العقوبات فقط على اطراف الصراع، دون ان تحقق هذه العقوبات أي نتيجة خاصة ان نظام الكيزان أصبحت لده الخبرة في التحايل على العقوبات الامريكية.
ويلاحظ أن خطاب النصر او الهزيمة غائب في خطابات اطراف الصراع، كما ان خطاب إيقاف الحرب أيضا غائب في خطابات الأطراف الإقليمية والدولية التي تبذل الجهود بشان الازمة السودانية حيث معظم خطاباتها عن الجانب الانسانى وحماية المدنين ، فالسيناريوهات المتوقعه يمكن أن تتمثل في الاتى:
1- الصفقة الجزئية: تم من خلال هذه السناريو تجمد الاعمال العسكرة من خلال اتفاق لوقف اطلاق النار مع الاحتفاظ على خط السيطرة الفعلى دون اى اعتراف رسمي بالمناطق التي تسطر عليها حكومة تاسيس.ومع اقتراب الانتخابات النصفية لرئيس الولايات المتحدة الامريكية دولاند ترامب، والذى جاء في خطاب تنصيبة كرئيس في يناير 2025، “نجاحنا لن يكون في المعارك التي ننتصر فيها فقط ولكن أيضا في الحروب التي ننهيها” وترامب في خطابة يريد ان يكون صانع سلام، ويسعيي الى إحلال السلام وإيقاف الحروب بكل الوسائل. لذك من المتوقع ان يواصل ضغطة على الأطراف وداعميهم للوصول الى صفقة جزئية لايقاف الحرب وذلك عن طريق فرض هدنه مؤقته لوقف اطلاق النار عبر مستشارة للشؤون الافريقية مسعد بولس وذلك من خلال مسار الرباعية. وهذا هو السيناريو الأقرب ، وسوف يؤدى الى استقرار نسبى.
2- التقسيم: يمثل هذا السيناريو الغير مرغوب فيه لمعظم السودانيين استدعاء تاريخى للعام 2011 انفصال جنوب السودان، حيث يصف هذا السيناريو تنازلا جزئيا لحكومة الامر الواقع بالتنازل عن إقليم دارفور الذى يسيطر عليه الدعم السريع، وبالتالي تطبيق وتنفيذ مشروع برينادر لويس للعام 1983(مشروع التقسيم) والاعتراف بحكومة تأسيس.
3- الصوملة: أن إصرار الأطراف على استمرار القتال وغياب خطاب النصر او الهزيمة ، ومع فشل المجتمع الدولى والاقليمى في إيقاف الحرب يجعل الحرب مستمرة وحرب منسية كحرب الصومال سابقا،
4- التدخل الدولى: ويكون التدخل الدولى تدخلا إنسانيا عبر تفويض من مجلس الامن الدولى وذلك بموجب قرار صادر من مجلس الامن كالقرار ات التي أصدرها مجلس الامن بشأن التدخل الانسانى في الصومال وهايتى وهم القار رقم 794 بشأن الصراعان الداخلية والمجاعة في الصومال والقرار 940 الذى تبناه مجلس الامن الدولى لخلق افضل الظروف لتامين المساعدات الإنسانية. واذا لم ينجح مجلس الامن الدولى في اصدار قرار بالتدخل الانسانى في السودان نسبة للفيتو الذى يعرقل اعماله، سوف يكون هناك التدخل الدولى خارج نطاق المجلس بحجة استعمال الأسلحة الكيمائية في الحرب ووجودها في السودان كما حصل في العراق سابقا.
تشير المعطات والشواهد الحالية الى استبعاد انهاء الحرب في السودان في المدى القرب خاصة ان حروب السودان معروفه بانها حروب طولة الأمد. وسيصبح المجتمع الدولى مجبرا على التدخل باي طريقة ، طالما ان هذه الحرب تهدد السلم والامن الدوليين، كما ان أمريكيا مجبره للتدخل لحماية مصالحها في البحر الأحمر.و ان تحقيق نتيجة مستقرة لهذه الحرب تمكن حكومة تاسس من تحقيق حلمها بالقضاء على دولة 56 وسوف يكون ذلك بمنزلة كابوس للبرهان،وتعنى هذه النتيجة في جوهرها ان البرهان واعوانه وداعميه خسروا الحرب كما خسر الدعم السريع الامر الذى يؤدى الى تاجيج الصراع في دارفور من نوع اخر بسبب التكوينات الاجتماعية الموجوده في الإقليم حيث تتحول الحرب الى الحرب الهجين من خلال تدفقات المهاجرين.
أخيرا تظهر هذه التطورات التي تم استعراضها بشأن الحرب في السودان ، ان الحرب في السودان تتجاوز بكثير ساحات المعارك لتصبح صراعا متعدد الأوجه يؤثر ويتاثر بالتحالفات الإقليمية والدولية والقرارات السياسية للدول . وحتى الدينامكيات الداخلية لاطراف الحرب والجهود الدبلوماسية التي تبرز التباين الجذري في المواقف كلها عوامل تلقى بظلالها على المشهد وتؤكد ان مسار الحرب لن يتحدد بالعمليات العسكرية وحدها وانما سيصاغ أيضا من خلال التفاعلات المعقدة على الساحة الإقليمية والدولية والتحديات التي تواجه الأطراف على المستويين السياسي والاقتصادي. كما تظهر ايضا على الرغم من اشتداد المعارك في الفترة الأخيرة فانه لايزال هناك بارقة امل لامكانية التوصل لوقف اطلاق النار، فالاهداف الاستراتيجية المتضاربة والمواقف المتناقضة لا تمنع من الوصول الى حل وسط تفاهمات لانهاء الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..