مقالات وآراء
من يدين الجريمة… ومن يصنعها؟

(خطرفات ذاتية)
بقلم: سايمون دينق
أرسل إليّ عدد من الأصدقاء في السودان مقطع فيديو قصيرا تظهر فيه سيدة جنوبية وهي تتعرض للإهانة والجلد بالسياط على يد طفلين صغيرين، بينما يتولى، على ما يبدو، ولي أمرهما تصوير المشهد بهاتفه.
وبحسب ما يظهر في المقطع، فمن المرجح أن الواقعة حدثت في منطقة خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، أو ما يُعرف بحكومة “تأسيس”، إذ توحي لهجة الطفلين وملامحهما بأنهما ينتميان إلى عرب البقارة في إقليم كردفان (معقل الجنجويد).
وأقول لكل صديق أرسل إليّ هذا الفيديو، لقد شاهدته قبلكم وهو يتداول على منصات ااتواصل الاجتماعي ومجموعات “واتساب”. وأدرك أيضا أن كثيرين منكم ينتظرون معرفة موقفي، خاصة أن الضحية امرأة من بنات جنوب السودان، وربما يعتقد بعضكم أنني أتغاضى عن جرائم الجنجويد وحكومتهم، بينما أركز على توثيق وإدانة جرائم الجيش السوداني والكتائب التابعة للحركة الإسلامية.
لذلك أقولها بوضوح: كل الجرائم الوحشية التي ارتُكبت بحق المدنيين الأبرياء في حرب الجنرالين، البرهان وحميدتي، هي جرائم أدينها دون تردد، بغض النظر عن هوية الجاني أو الضحية. فهذا بالنسبة إليّ موقف أخلاقي وإنساني قبل أن يكون موقفا سياسيا. فالضحية، في النهاية، ضحية حرب لا يد لها فيها ولا ذنب.
والموقف نفسه أتخذه تجاه الجرائم التي ترتكبها أجنحة حزب الحركة الشعبية المتصارعة حول كرسي السلطة هنا في جنوب السودان، لأنني، من حيث المبدأ، ضد الحرب أينما كانت، وضد تحويل المدنيين إلى وقود لصراعات السياسيين والعسكريين.
صحيح أنني أكتب بصورة خاصة عن حرب السودان عندما يكون الضحية مواطنا جنوبيا، لأن هذا الملف يلامس واقعا أعرفه جيدا وأشعر بمسؤوليتي تجاهه.
لكن السؤال الذي يطرحه بعضكمم هو: لماذا تصمت عن جرائم الجنجويد بحق الجنوبيين؟
وأنا بدوري أطرح سؤالا آخر: لماذا لم يرسل لي أحدكم مقاطع المجازر السابقة التي ارتُكبت بحق الجنوبيين في الكنابي وقرى ولاية الجزيرة على يد المليشيات الموالية للجيش السوداني؟
الحقيقة أن وحشية الجنجويد ليست موضع خلاف، ولا تحتاج إلى برهان جديد. فنحن في جنوب السودان نعرف هذه المليشيات منذ عقود قبلكم، عندما كانت حليفا استراتيجيا للحكومات السودانية المتعاقبة لمحاربة الجنوبيين. ولذلك، فإن وقوع مثل هذه الجريمة، على وحشيتها لا يثير الدهشة بقدر ما يثير الغضب.
ولست بصدد إعادة طرح السؤال التقليدي… من صنع الجنجويد؟، فهذا سؤال استُهلك كثيرا. لكنني أقول إن المقطع الذي أرسلتموه يدين المصنع الذي أنتج الجنجويد بقدر ما يدين الجنجويد أنفسهم… وهو لا يزال ينتج المزيد حتى الآن.
أما إذا كان المطلوب مني إدانة هذه الحادثة، فأنا أدينها بلا تردد أو تحفظ. لكنني لا أكتفي بالإدانة، لأن الإدانة وحدها لا توقف نزيف الدم.
ما أطالب به هو وقف هذه الحرب العبثية، وإغلاق المصنع الذي ينتج المليشيات جيلا بعد جيل، حتى لا تتكرر مثل هذه المشاهد المروعة، مهما تبدلت أسماء الجيوش أو الحكومات أو المليشيات.
أحبتي.. كونوا دعاة سلام لا دعاة حرب، فبالسلام وحده يحيا الجميع.
والقاكم.




عفارم عليك يا سايمون وعلى أمثالك ممن يكتبون وممن يكتبن دعاة السلام والمنادين بوقف الحرب أينما كانوا