مقالات وآراء

عادل عبد الرحمن… هذا ما تقوله النصوص (1) ​الإنسان الذي يخرج من الرماد

«كنت أجلس وحيداً
أمامي بقايا الحرب
نساء، شيوخ وأطفال
يحملون رؤوسهم بأيديهم
ويركضون نحوي دون أن يروني…»
​هناك نصوص لا تبدأ من اللغة، بل من لحظة يصبح فيها الكلام نفسه عاجزاً. لحظة لا يعود فيها الشعر ترفاً جمالياً، ولا محاولة لتزيين العالم، بل ضرورة لفهم ما تبقى منه. من هذه العتبة ندخل إلى النص، لا لنشهد الحرب وهي تقع، بل لنتأمل الإنسان بعد أن تغادر الحرب ساحتها، وتستقر في ذاكرته.
​لذلك لا يبدأ النص بالرصاص، ولا بالدخان، ولا بأسماء المدن. يبدأ بإنسان يجلس وحيداً. هذا الهدوء ليس استراحة بعد العاصفة، وإنما هو الصمت الذي يعقب انهيار المعنى. ومن هذا الصمت يفتح النص نافذة صغيرة، لكنها تطل على خراب واسع.
​لا يقول: رأيت القتلى. ولا يقول: رأيت الخراب. بل يقول:
​«أمامي بقايا الحرب.»
​هذه الكلمة وحدها تكاد تكون مفتاح القراءة كلها. فالحرب ليست الحدث، وإنما ما تتركه وراءها. ليست لحظة الانفجار، بل ما يبقى بعد انطفاء النار. هنا لا يعود الخراب جدراناً مهدمة، وإنما يتحول إلى بشر يسيرون حاملين أثقالاً لا تُرى.
​ثم تأتي الصورة التي تستوقف القارئ طويلاً:
​«يحملون رؤوسهم بأيديهم.»
​من السهل أن تُقرأ هذه العبارة باعتبارها استعارة صادمة، لكن النص يطلب منا قراءة أكثر هدوءاً. فالرأس هنا ليس عضواً من الجسد، بل رمز للوعي والذاكرة والهوية. وكأن الإنسان، بعد أن مزقته الحرب، لم يعد يعيش رأسه من الداخل، بل صار يحمله من الخارج، كما يحمل شيئاً يخشى أن يفقده.
​إنها صورة لا تصرخ، لكنها تترك جرحاً مفتوحاً، وتظل تنزف في ذاكرة القارئ.
​ثم تأتي الجملة التي تبدو عابرة، لكنها ربما تكون أكثر أسطر النص قسوة:
​«ويركضون نحوي دون أن يروني.»
​ليست المأساة أنهم يركضون، بل أنهم لم يعودوا يرون. ليس لأن أبصارهم فقدت قدرتها، وإنما لأن الكارثة استولت على أعينهم من الداخل. لقد أصبح كل واحد مشغولاً بنجاته الخاصة، حتى تراجعت القدرة على رؤية الآخر.
​كتب إيمانويل ليفيناس أن الإنسان يبدأ حين يعترف بوجه الإنسان الآخر. أما في هذا النص، فإن الحرب لا تقتل الإنسان وحده، بل تصيب ذلك الاعتراف في مقتل. وحين يفقد الإنسان القدرة على رؤية الآخر، فإن الخراب يكون قد تجاوز البيوت، واستقر في أعماق الكائن نفسه.
​ومن هنا تبتعد النصوص عن أن تكون شهادة على حرب بعينها، لتصبح شهادة على هشاشة الإنسان أينما كانت الحرب.
​ولعل هذه هي المنطقة التي لم تنل ما تستحقه في الكتابة عن الحروب السودانية. فقد انشغل كثير من الكتّاب بوصف المدن التي تهدمت، والقرى التي أحرقت، والبيوت التي نُهبت، وهي كتابة ضرورية بلا شك. لكن الخراب الأكبر ظل أقل ظهوراً؛ ذلك الذي لا تصوره الكاميرات، ولا تحصيه التقارير، ولا تلتقطه البيانات السياسية: الإنسان حين يصبح غريباً عن نفسه.
​ولعل ما يمنح هذه النصوص فرادتها أنها لا ترتبط بزمن واحد. فهي لا تتنبأ بحرب، ولا تؤرخ لها، وإنما تكشف هشاشة الإنسان التي تجعل كل حرب ممكنة. ولهذا يجد القارئ السوداني، بعد سنوات الحرب، نفسه قريباً منها، لا لأنها تسرد ما حدث، بل لأنها تمنحه لغة يرى بها ما عجزت اللغة اليومية عن تسميته.
​وفي موضع آخر يكتب:
​«لستُ بفرح
لستُ بغاضب
متكئاً على بقايا الإنسان.»
​هذه ليست منطقة الحياد، وإنما منطقة الإنهاك. فالنص لا يقف خارج التجربة، ولا يطلق أحكاماً عليها، بل يقف وسط الركام، باحثاً عما بقي من الإنسان.
​ويلفت النظر أنه لا يقول: بقايا الوطن، ولا بقايا المدينة، بل بقايا الإنسان.
​ولعل تكرار مفردة «البقايا» في أكثر من نص ليس مصادفة لغوية، بل اختيار جمالي. فهذه النصوص لا تكتب اكتمال الأشياء، وإنما تكتب ما يبقى منها بعد أن ينسحب الخراب. ولذلك تبدو كلمة «البقايا» كأنها الخيط الخفي الذي يجمع عوالمها كلها.
​ويزداد هذا المعنى عمقاً حين يقول:
​«عندما كنا جماعات
نأكل من ورق الشجر وظهر الأرض
عندما كان الطريق قصيراً
من الأرض إلى الفم
لم تكن الأرض قد تعرت بعد.»
​هنا لا يستدعي النص الماضي بوصفه فردوساً مفقوداً، وإنما بوصفه سؤالاً أخلاقياً. كان الطريق بين الأرض والفم قصيراً؛ أي أن العلاقة بين الإنسان والعالم كانت مباشرة وبسيطة، قبل أن تتراكم عليها طبقات العنف والجشع والاقتلاع.
​ثم تأتي الجملة التي تختزل رؤية النص:
​«لم تكن الأرض قد تعرت بعد.»
​أي استعارة هذه؟
​الأرض ليست هي التي تتعرى عادة. ومع ذلك يصر النص على قلب العلاقة، كأن الخراب لم يعد يمس الإنسان وحده، بل أصاب العالم نفسه. كأن الأرض فقدت سترها الأخلاقي، لا غطاءها الترابي.
​وهنا تكمن قوة نصوص عادل عبد الرحمن.
​إنها لا تكتب الكارثة وهي تقع، بل تكتب ما تفعله الكارثة باللغة، والذاكرة، والإنسان. ولذلك تبدو هادئة، لكنها ليست مطمئنة. صامتة، لكنها ليست فارغة. إنها تشبه جمرة تحت الرماد؛ لا ترفع صوتها، لكنها تبقى مشتعلة في الداخل.
​ولعل هذا ما يجعل هذه النصوص تتجاوز زمانها ومكانها. فهي لا تطلب من القارئ أن يعرف تاريخ الحرب، ولا أسماء أطرافها، ولا خرائطها. إنها تطلب منه شيئاً أصعب: أن ينظر إلى الإنسان حين يفقد العالم معناه، ثم يسأل نفسه: ما الذي بقي؟
​هذا هو السؤال الذي تتركه لنا النصوص، لا لتجيب عنه، بل لتجعله يسكننا بعد أن نغلق الديوان.
​وقد تنتهي الحروب بتوقيع اتفاق، وقد تُعاد إعمار المدن، وتُفتح الطرق من جديد، لكن ما يتهشم في داخل الإنسان يحتاج إلى زمن آخر، وربما إلى لغة أخرى. ولعل الشعر، حين يعجز عن إيقاف الحروب، يملك على الأقل أن يمنعنا من نسيان ما فعلته بالإنسان.
​ومن هذه المنطقة بالذات تبدأ نصوص عادل عبد الرحمن حديثها. ومن هناك أيضاً، ستقودنا إلى عالم آخر، حيث لا يعود الإنسان وحده شاهداً على الخراب، بل تبدأ الأشياء نفسها بالكلام.
​( يتبع ).
​عبدالعزيز ابوعاقلة
لندن اغسطس 2026
​Sent from صحيفة الراكوبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..