السودان ومتلازمة اليأس الدبلوماسي

(1)
عادت بي الذاكرة، وأنا أشاهد ما حلّ ببلدي السودان، إلى دروس التاريخ التي تلقّيناها في المدارس، فضلاً عمّا تلقيناه من أدبيات عامّة عن أحوال البلدان التي سادت ثمّ بادت: آلاف مؤلّفة من المخطوطات القديمة وكتب التاريخ، من “مقدّمة ابن خلدون” (1332–1406)، مروراً بما كَتَبَ ويل ديورانت (1885–1981)، وهـ. جـ. ويلز، وغوستاف لوبون (1841–1931)، وسواهم. ليس ثمّة شبيهٌ في التاريخ بما وقع في السودان الحالي، إلّا (ربّما) ما وقع في بغداد عام 1258 على يد التتار.
ولو أنّ مليونَي روحٍ قد أُزهقا في ذلك الزمان في بغداد، فإنّ عدد الذين أُزهقت أرواحهم في السودان بين عامي 2023 و2026، بالرشاشات والمسيّرات، يقارب عددَ ضحايا بغداد الذين قُتلوا قبل نحو ثمانمائة بالسيوف وتحت سنابك الخيل. لقد آن للمؤرّخين، في تقديري، أن يضعوا الخرطوم في موقع متقدّم في قائمة المدن المدمّرة تدميراً شاملاً، مثلما حدث في روما التي أحرقها نيرون أو في بغداد التي دمّرها هولاكو.
أوصل الإرهاقُ السياسي المجتمع الدولي، جرّاء عدم الاستجابة لمختلف المبادرات الرامية إلى إيقاف الحرب تمهيداً لحلّ مشكلات السودان المعقدة، إلى حالة “الياس الدبلوماسي”
(2)
أكثر ما يثير عجب المراقبين هو حال السودان الحالي الملتبِس. إنّ من حسبوا أنفسهم أولي أمر السودان اليوم هم قوّات نظامية وأخرى غير نظامية، تواطأوا جميعهم على إجهاض الثورة الشعبية التي أسقطت حكم الإسلامويين في ديسمبر/ كانون الأوّل 2018.
الحرب التي دارت رَحاها (ولا تزال الرحى تدور)، ودخلت عامها الرابع، في حقيقتها حرب اثنين اختلفا حول اقتسام الغنيمة التي استوليا عليها من دون وجه حقّ. وما فتئ الجنرالان يتقاتلان، حتّى الساعة، فيدمّران البلاد دماراً شاملاً، تتداعى معه أركانها ومقوّماتها، ويموت شعب السودان سحقاً تحت تراشق الرشّاشات والمسيّرات، مثلما تسحق الأفيال الحشائش، وتدوسها دوساً بلا رحمة.
وينفرد فريق من الفريقَين بالتراشق الإعلامي، وإنشاد أناشيد التحشيد العسكري، وحثّ سكّان البلاد الهاربين من القتال على العودة إلى البلاد، لا لإعمار بلد أصابه ما أصاب قومَي عاد وثمود، وإنّما للاصطفاف للقتال في حرب سمّوها “حرب الكرامة”، لدحر المليشيا المتمرّدة وإبادة أفرادها حتّى آخر مسلّح منهم.
(3)
يدور ذلك القتال كلّه. وعوضاً عن الاستجابة لمبادرات الوسطاء من أجل هدنة تراعي الأوضاع الإنسانية المتردّية، لا نرى من المتقاتلين مَن يأبه لصوت العقل، حفاظاً على أناس تُزهق أرواحهم مجّاناً، ومقوّمات دولة يدمّرها الطرفان.
وليست تلك الاستهانة التي يتابعها المجتمع الدولي آخر فصول المأساة السودانية، بل نرى قيادة القوّات المسلّحة الرسمية تسارع إلى تأسيس حكم عسكري جديد يستنسخ تجربةَ الإسلامويين البائدة، ليضيف إلى فراعنة التاريخ فرعوناً جديداً.
طَبْعُ الفراعنة هو المناورة والتذاكي لكسب خلود حسبوا أنّه سيبقيهم في كراسي الحكم إلى يوم الدين. ولا ينظر فراعنة العصر إلّا إلى ما تحت أقدامهم، أمّا أبعد من ذلك فلا يرون بشراً ولا حجراً. فمَن يهلك فكأنّه اختار هلاكَه بنفسه.
وليست الأولوية عند الطغاة هذه الساعة إلّا سلامتهم وحماية أنفسهم، حتّى لا تطاولهم محاسبة محلّية أو دولية. أمّا السودانيون ومن والاهم، فإنّ حمايتهم وسلامتهم تقعان في أدنى درجات سلّم أولويّات المتقاتلين.
وهكذا، فإنّ من يعوّل على المجتمع الدولي وأجهزته وآلياته ومجالسه ولجانه حالم ينتظر نموراً من ورق لا تخيف أحداً. أمّا جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، فلولا أنّهما قابعان في مقرّيهما لقلنا إنّهما كيانان شبحيّان.
ولو نظرت إلى أمّ المؤسّسات الأممية، الأمم المتحدة، لرأيتها هي الأخرى تنازع للبقاء، فيما يعبث متغطرس شعبوي، هو الأميركي ترامب، لا بحاضرها فحسب، بل بماضيها ومستقبلها، ويمزّق إرثها كلّه إرباً إرباً.
(4)
على كثرة ما شهد المجتمع الدولي في التاريخ القريب من صراعات وحروب دمّرت بلداناً ومدناً، وأهلكت بشراً وحجراً، فإنّ ما جرى في السودان شيء لم يخطر في بال عاقل، ولا خطر في خيال شيطان رجيم. غير أنّك ترى الممسكين بإدارة أحوال السودان، من حكّام ووزراء وقضاة وإداريين وسفراء، وفيهم عسكريون ومدنيون، لا تُعرف لهم مشروعية ولا صدقية، ويفعلون ما يحلو لهم بما يشبه الفوضى العارمة.
فلا تعجب إن سمعت وزيراً للطاقة عندهم يُسهب في السياسة الخارجية أكثر ممّا يتحدّث فيه وزير الخارجية المكلّف. ولك أن تعلم، مثلاً، أنّ وزيراً للمياه يمكن أن يُفتي في قضايا الثروة الحيوانية، فلا ينبّهه مسؤول مثل دولة رئيس الوزراء، المشغول بافتتاح محوّل للكهرباء في حيّ طَرَفي من العاصمة.
من يعوّل من السودانيين على المجتمع الدولي وأجهزته وآلياته ولجانه حالم ينتظر نموراً من ورق
وحملت الأنباء أخيراً أنّ وزير المالية السوداني ذهب إلى مؤتمر دولي في أصقاع عالمية، ليعود إلى البلاد مبشِّراً السودانيين بإعفاء السودان من دَيْن قدره مليون دولار أميركي. أجل، مليون دولار أميركي فقط، لا أكثر. ولربّما كلّفت رحلة ذلك الوزير ومرافقيه مبلغاً يقارب المليون دولار أميركي. فهل ثمّة سخرية موجعة أكثر من ذلك؟
(5)
إذا كانت أطراف عديدة في المجتمعَين الدولي والإقليمي لا ترى مشروعيةً للنظام العسكري القائم في السودان الآن، فإنّ الأنكى والأمرّ هو موقف الداخل السوداني نفسه، الذي لا يرى في حكومته القائمة مشروعيةً تُحترم أو مصداقيةً يُعتدّ بها في إدارة الدولة.
بلغ التداخل بين السلطات السيادية والتنفيذية والقضائية درجة تثير السخرية. أمّا السلطة التشريعية، فهي “عنقاء مُغرب” في ظلّ تلك السلطة الاعتباطية القائمة، إذ لا يتحدّث عنها أحد.
خلاصة ما أراه أنّ المجتمع الدولي، بأطرافه كلّها، قد أوصله الإرهاق الدبلوماسي، من جرّاء عدم الاستجابة لمختلف المبادرات الرامية إلى إيقاف الحرب تمهيداً لحلّ مشكلات السودان المعقدة، إلى حالة يجوز لنا أن نسمّيها *”متلازمة اليأس الدبلوماسي”* ، مثل تلك التي تركت الصومال دولةً أهملها المجتمع الدولي عقوداً طويلة. تُرى، هل يغرق السودان في دوّامة اليأس الدبلوماسي، وتلك متلازمة أشدّ سوءاً من التشظّي نفسه؟
*اليأس الدبلوماسي* هو حالة استعصاء علاج المريض السياسي؛ تُنزع عنه أجهزة التنفّس الاصطناعي، فيكون الموت أرحم.




من متلازمة اليأس الدبلوماسي إلى الشرعية الصاعدة
قراءة استكمالية في مرثية السفير جمال محمد إبراهيم
سلسلة الاستجابات النقدية — استكمال لا مصادمة
د. على عبدالله الخليفة طه
كتب السفير جمال محمد إبراهيم، بقلمٍ يجمع بين مرارة الشاهد ودقّة المؤرّخ، مرثيةً للسودان لا تُقرأ إلّا وقد اعتصر القلب ما فيها من صدق. شبّه ما حلّ بالخرطوم بما حلّ ببغداد على يد التتار، ووصف حكّام اليوم بفراعنة لا يرون إلّا ما تحت أقدامهم، وخلص إلى أنّ العالم بلغ به الإرهاق حدّ اليأس الدبلوماسي — تلك الحالة التي تُشبه نزع أجهزة التنفّس الاصطناعي عن مريضٍ استعصى علاجه. هذا المقال لا يجادل السفير في تشخيصه؛ فتشخيصه صحيح في جوهره وموجع في تفصيله. لكنّه يقف عند حدّ المرثية، بينما يحتاج السودان، إلى جانب من يرثيه بصدق، من يصف له طريق الخروج من غرفة الإنعاش. وهذا ما يحاول ميثاق النجاة وبناء الدولة أن يقدّمه: ليس ردّاً على السفير، بل استكمالاً لما تركه مفتوحاً.
أولاً: في دقّة التشخيص
يصيب السفير جمال حين يصف الحرب بأنّها، في جوهرها، خلافٌ بين طرفَين تواطآ على إجهاض ثورة ديسمبر، ثمّ اختلفا على اقتسام غنيمةٍ استوليا عليها من دون وجه حقّ. ويصيب حين يرصد الفوضى الإدارية التي تجعل وزير الطاقة يتحدّث في السياسة الخارجية، ووزير المياه يُفتي في الثروة الحيوانية، بينما تغيب السلطة التشريعية غياب “العنقاء المُغرب”. هذه ليست ملاحظات عابرة، بل هي ، بلغة الميثاق ، وصفٌ ميداني دقيق لانهيار الجدار الفاصل بين طبقة الحركة السياسية-العسكرية وطبقة التنفيذ المدني، وهو ما يسمّيه الميثاق “الفجوة الثالثة” من فجواته البنيوية الستّ.
ثانياً: من اليأس الدبلوماسي إلى الشرعية الوظيفية الصاعدة
يصف السفير حال من يعوّل على المجتمع الدولي بأنّه “حالمٌ ينتظر نموراً من ورق”، ويسرد كيف تكالبت أطراف الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة على العجز أو الانشغال أو التمزّق. هذا وصفٌ لا يُدحض؛ فالمجتمع الدولي، في أزمات كثيرة سبقت السودان، أظهر أنّ حدود صبره الدبلوماسي محدودة، وأنّ أولوياته تتبدّل بتبدّل عناوين الصحف.
لكنّ “اليأس الدبلوماسي” الذي يصفه السفير، وإن كان تشخيصاً صادقاً لحال الخارج، لا ينبغي أن يتحوّل إلى يأسٍ من الداخل. هنا يقترح الميثاق مفهوم “الشرعية الوظيفية الصاعدة”: شرعيةٌ لا تُستجدى من مجلس أمن مُنهَك ولا من منظّمة إقليمية شبحيّة، بل تُبنى من القاعدة إلى القمّة ، من المجالس المحلّية في الأطراف المهمَّشة التي وصفها السفير نفسه بأنّها ضحايا مضاعفة للحرب، صعوداً نحو مركزٍ يستمدّ شرعيته من وظيفته لا من قوّة سلاحه. فإذا كان العالم قد نزع يده عن السودان، فإنّ هذا سببٌ إضافي لئلّا ينتظر السودانيون يداً لن تُمَدّ، لا سبباً لليأس من أنفسهم.
ثالثاً: من فوضى تداخل السلطات إلى الجدار المؤسسي
المشهد الذي يرسمه السفير ، وزيرٌ للمياه يتحدّث في الثروة الحيوانية، ورئيس وزراء منشغلٌ بافتتاح محوّل كهرباء بينما تحترق البلاد ، ليس طرفةً إدارية، بل عرَضٌ حادّ لغياب الجدار المؤسسي الذي ينصّ عليه الميثاق: الفصل الصارم بين الحركة السياسية بوصفها فاعلاً تفاوضياً، وبين الجهاز التنفيذي المدني بوصفه جهازاً وظيفياً محايداً. حين يغيب هذا الجدار، تتحوّل الوزارات إلى غنائم توزَّع بمنطق الولاء لا الكفاءة، ويصبح الحديث في غير الاختصاص هو القاعدة لا الاستثناء، تماماً كما رصد السفير.
رابعاً: من حرب الغنيمة إلى العدالة الانتقالية الثلاثية بلا عفو
حين يصف السفير الحرب بأنّها اقتسامٌ لغنيمةٍ “استوليا عليها من دون وجه حقّ”، فإنّه يضع إصبعه على السؤال الذي لا تجيب عنه المرثية وحدها: من يحاسب؟ يقترح الميثاق آليةً ثلاثية الطبقات: مجالس مصالحة محلّية تلتئم بها الجراح الصغرى أوّلاً، فلجنة حقيقة وتعويض تُوثّق ما جرى، فغرفة جرائم كبرى لا تعرف عفواً عن الانتهاكات الجسيمة. فالحرب التي وصفها السفير بأنّها بلا وجه حقّ لا يمكن أن تُطوى بمصالحة تُعيد تدوير الفاعلين أنفسهم في المشهد، بل تحتاج مساءلة تتصاعد من القرية إلى المحكمة.
خامساً: من متلازمة الصومال إلى النفير الوطني وسقف السيادة المالية
يختم السفير بمقارنة موجعة بين السودان والصومال، التي أهملها المجتمع الدولي عقوداً طويلة حتّى استوطن فيها اليأس. هذه المقارنة، في تقدير الميثاق، ليست نبوءة قدَرية بل تحذير ينبغي أن يُستثمر: إن كان الإهمال الدولي قدراً محتملاً، فالسيادة المالية والتعبئة الشعبية ليستا ترفاً بل ضرورة وجودية. من هنا يضع الميثاق سقفاً لا يتجاوز 30% من التمويل الخارجي لأيّ مشروع محلّي، ويقترح “النفير الوطني الكبير” بوصفه آلية تعبئة شعبية من الداخل، لا تنتظر مؤتمراً دولياً يعيد السودان مليون دولار من دَينٍ بينما تكلّف رحلة الوزير مثله، كما سخر السفير بحقّ.
خاتمة: من نزع الجهاز إلى ميثاق الافتقار المتبادل
يصف السفير جمال “اليأس الدبلوماسي” بأنّه حالة نزعٍ لأجهزة التنفّس الاصطناعي عن مريضٍ استعصى علاجه. هذه استعارة بليغة تستحقّ أن تُقلَب لا أن تُنقَض: فالمريض لا يحتاج إلى نزع الجهاز، بل إلى تشخيصٍ مؤسسي يُخرجه من غرفة الإنعاش إلى دولةٍ قائمة، لا على انتظار مُنقذٍ خارجي، بل على الافتقار المتبادل، تلك الحقيقة الوجودية التي يعرفها كلّ إنسانٍ يعيش في أرضٍ مشتركة مع غيره: أنّ بقاءه مرهونٌ ببقاء الآخر، وأنّ خلاص الفرد لا يكتمل إلّا بخلاص الجماعة. هذا هو المعنى الذي يحاول الميثاق أن يبنيه: لا نموراً من ورق ينتظرها السودانيون من الخارج، بل جداراً من مؤسسات، وسلّماً من عدالة، ونفيراً من الداخل، يبدأ حيث انتهت مرثية السفير — لا مصادمةً لها، بل استكمالاً لما تركته بصدقٍ مفتوحاً.
“اليأس الدبلوماسي هو حالة استعصاء علاج المريض السياسي؛ تُنزع عنه أجهزة التنفّس الاصطناعي، فيكون الموت أرحم.” السفير جمال محمد إبراهيم
وهذا بالضبط ما يرفضه الميثاق: أن يكون الموت أرحم. فالبديل ليس القبول بالموت، بل بناء الحياة على أساسٍ جديد.