العودة( الاستناد ) إلى الأساس الدستوري لعام 1956م لإنهاء دوامة الانقلابات واستعادة سيادة القانون في السودان.. ورقة علمية

المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحرياتSUDANESE GROUP FOR THE DEFENSE OF RIGHTS AND FREEDOM
العودة ( الاستناد ) إلى الأساس الدستوري لعام 1956م
لإنهاء دوامة الانقلابات واستعادة سيادة القانون في السودان
ورقة علمية دستورية
رؤيةالباحث: يوسف ادم بشر المحامي
عضو هيئة محامي دارفور
قراءة الأستاذ: أحمد بطران
أغسطس 2026م
الخرطوم – السودان
تمهيد: فخ “دستور جديد بعد كل انقلاب”
ظلت النخبة السياسية في السودان منذ انقلاب 17 نوفمبر 1958م الذي عطل العمل بالدستور تقع في ذات الفخ التاريخي: انقلاب عسكري يعطل الدستور القائم، ثم ثورة شعبية تسقط الانقلاب، ثم اتفاق سياسي يلد “دستوراً جديداً” أو “وثيقة انتقالية”.
والنتيجة الحتمية لسبعين عاماً من هذا المسار: لا محاسبة، ولا استمرارية قانونية، ولا دولة.
إننا بكل بساطة وافقنا الانقلابيين على جريمتهم. في تعطيل الدستور بالقوة، ونحن بعد إسقاطه عطلناه أيضاً بإرادتنا وكتبنا غيره. فانعدم بذلك “الأصل القانوني” الذي نحاسبهم به.
هذه الورقة تدعو للخروج من هذه الحلقة الجهنمية عبر العودة الصارمة للأساس الدستوري لعام 1956م كفعل تأسيسي مضاد للانقلاب واستعادة لشرعية الدولة.
المحور الأول: الأساس الدستوري 1956م – آخر شرعية تأسيسية غير ملوثة
الطبيعة القانونية: صدر “قانون استقلال السودان” في 1 يناير 1956م بموجب قرار الجمعية التأسيسية المنتخبة. وهو بذلك يمثل “العقد الاجتماعي الأصلي” الذي ارتضاه الشعب السوداني بإرادة حرة لتنظيم سلطات دولته. لم يصدر عن محاصصة أو تسوية ثنائية. ولكنه صدر عن إرادة شعبية توحدت خلفها كل القوي السياسية والمهنية الوطنية في استشراف مستقبل البلاد عقب التحرر وانجاز الاستقلال كاملاً ونيل الإعتراف الدولي بميلاد الدولة السودانية الحرة المستقلة
المبادئ الجوهرية: وقد قام الدستور على ثلاث ركائز أساسيةوجوهرية :-
سيادة الشعب: السلطة مصدرها الشعب وهي حق أصيل ويمارسها عبر برلمانه المنتخب.
الفصل بين السلطات: سلطة تنفيذية مدنية، وسلطة تشريعية منتخبة، وسلطة قضائية مستقلة وهو الأساس السليم الذي تقوم بموجبه الدولة الحديثة
الطابع المدني للدولة: القوات المسلحة مؤسسة قومية مهنية “إدارية” تنشأ بقانون من البرلمان وتخضع لسلطة الحكومة المدنية.
القيمة الرمزية: هو آخر دستور حكم به السودان قبل أن تتلوث الحياة السياسية بفيروس الانقلابات. العودة إليه تعني قطعاً قانونياً وأخلاقياً مع كل ما بعده من شرعيات مزورة.
المحور الثاني: نقد منطق “دستور جديد” – مكافأة الانقلابي على جريمته
إن كتابة دستور جديد أو وثيقة جديدة بعد كل ثورة هي في جوهرها مكافأة للانقلاب على جريمته للأسباب التالية:
إسقاط جريمة الانقلاب: عندما نلغي دستور ما قبل الانقلاب ونكتب دستوراً جديداً، فإننا قانونياً نسقط “محل الجريمة”. فبأي قانون سنحاسب الانقلابي؟ لقد وافقناه ضمناً على أن الدستور يمكن تعطيله والاستغناء عنه متى شاء. وهذا شكل عبء تشريعي علي قوي التغيير ومكن الانقلابيين للإفلات من العقاب
تشريع الإفلات من العقاب: كل دساتير ووثائق ما بعد الانقلابات في السودان جاءت محملة ببنود “حصانة” و”عفو” و”شرعنة للأمر الواقع”. من دستور 1998م إلى الوثيقة الدستورية 2019م. هذا هو التعريف العملي للإفلات من العقاب. وبذلك ضاعت فرص تحقيق العدالة الانتقالية ومكافحة الفساد وكأننا نقول عمليا عفى الله عما سلف
تفكيك الدولة: تعطيل الدستور يعني تعطيل القوانين، وتعطيل القوانين يعني نهب المال العام، وتدمير المؤسسات، ونشر الفساد والاستبداد. ثم نأتي لنبدأ من الصفر بدستور جديد، فنكرر الدورة من جديد. وهنا تتهلل اسارير الانقلابيين وينتظرون موجة فشل تجهض مشروع التغيير
المحور الثالث: شواهد عالمية – كيف أنهت الدول الصراع بالاحتكام للدستور؟
التجربة المقارنة تؤكد أن العودة لدستور التأسيس هي أنجع وسيلة لإنهاء الصراع واستعادة الدولة وهيبة القانون كما موضح في النماذج التالية :
إسبانيا 1978م: بعد 40 عاماً من ديكتاتورية فرانكو، لم تكتب النخبة دستوراً جديداً من فراغ. بل عادت لروح دستور 1931م الجمهوري مع تعديلات توافقية، وأسست “ميثاق النسيان” لكنها لم تمنح حصانة للمجرمين. النتيجة: انتقال ديمقراطي مستقر.
البرتغال 1976م: بعد ثورة القرنفل 1974م التي أسقطت 48 عاماً من الديكتاتورية، عادت البلاد للعمل بدستور 1933م كمرجعية مؤقتة لحين انتخاب جمعية تأسيسية. لم يقم الثوار بكتابة “وثيقة توافق” مع الديكتاتور.
تشيلي 1989م – 2005م: رغم دستور بينوشيه، فإن المعارضة أصرت على تعديله من داخله عبر استفتاء، ولم تقبل كتابة دستور جديد إلا بعد محاكمة رموز النظام. المبدأ: لا شرعية لما بعد الانقلاب.
الخلاصة المقارنة: الدول التي عادت لدستورها التأسيسي نجحت في الانتقال. والدول التي قبلت بمنطق “نبدأ من جديد” دخلت في دوامة انتقالات فاشلة. السودان ظل لسبعين عاماً من الحالة الثانية. وحتي الآن لم نتعظ ولم نستفيد من تجارب الماضي أو تجارب الدول الأخرى التي عاشت أوضاع مماثلة
المحور الرابع: تشخيص أزمة المساءلة – انحراف مزدوج عن 1956م
الانحراف عن الأساس الدستوري أنتج “أزمة مساءلة مزدوجة” هي سبب مباشر للحرب والانهيار الحالي:
الجيش: من “مؤسسة إدارية” تخضع للمساءلة الإدارية أمام الحكومة، إلى “سلطة سياسية” ترفض المساءلة وتفرض الوصاية على الدولة. وهذا اختلال يصعب معه اي مشروع وطني للإصلاح والتغيير
الحكومة المدنية: من “سلطة دستورية” تخضع للمساءلة السياسية أمام البرلمان والشعب، إلى “سلطة اتفاقات” تتهرب من البرلمان وتستمد شرعيتها من ضغوط الخارج مما يمهد الطريق الي عزلها شعبيا ثم اسقاطها باستمرار الدورة الشريرة التي حكمت تجربتنا وكانت خلف تعميق الأزمة.
المحور الخامس: دور المجتمع المدني – حارس العودة للتأسيس
لا تكفي العودة القانونية وحدها. لا بد من حارس شعبي مستقل لذلك تقوية منظمات المجتمع المدني والنقابات والنساء والشباب من الجنسين وأفراد دور وطني ومساحة عمل رقابي واضحة هو طريق السلامة والتعافي :
حراسة الشرعية: رفض أي شراكة أو تسوية سياسية مع من تلطخت يده بانتهاك الدستور والعمل الجاد علي تحقيق العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية ولابد من الوصول الي نموذج سوداني خالص للعدالة الانتقالية باستحداث رؤية سودانية خالصة.
التعبئة الدستورية: كذلك نرى من الضروري بمكان قيادة حملة قومية تبصر الناس بضرورة العودة لدستور التأسيس”ارجع لدستورك” لشرح أن دستور 1956م هو ملك الشعب وحقه التاريخي الذي اكتسبت به الدولة السودانية استقلالها ووجودها .
الرقابة الموازية: تشكيل مراصد مهنية مستقلة من الشباب والقوي الحية لمراقبة التزام الحكومة والجيش بحدود دستور 56.
التوثيق: أرشفة جرائم الانقلابات وما ترتب عليها منذ 1958م تمهيداً لمساءلة قانونية وسياسية تاريخية كبري تتملكها الأجيال القادمة لتعرف خطورة تعطيل الدستور و حكم العسكر الذي يكرس للاستبداد والفساد وهضم الحقوق والحريات ويدفع البعض الي حمل السلاح و إشعال الحروب الأهلية وتعميق الأزمات بهتك النسيج الاجتماعي وإثارة الفتن والنعرات العنصرية والجهوية وما الي ذلك من قبح نشاهده اليوم ونعيشه في واقعنا الذي يوشك أن يفنينا من خارطة الوجود
الخاتمة والتوصيات: ميثاق العودة للتأسيس
إن إنفاذ مشروع الحفاظ علي الدولة السودانية يبدأ بقرار سياسي وأخلاقي شجاع واحد وهو: إعلان بطلان كل ما ترتب على الانقلابات، والعودة الفورية للعمل بالأساس الدستوري لعام 1956م لمدة انتقالية لا تزيد عن سنتين.
التوصيات:
إعلان دستوري انتقالي يقر العمل بأحكام دستور 1956م مع تعديلات فنية واجرائية لتواكب مستجدات الحكم الفدرالي و مطلوبات الايفاء بحقوق الإنسان كما نصت عليه القوانين الدولية والاتفاقيات التي صادقة ووقعت عليه الدولة السودانية.
مبدأ عدم شرعية المكتسبات: كل تعيين أو عقد أو قانون صدر في ظل الانقلاب يعتبر لاغياً ويخضع للمراجعة.
إخضاع الجيش: حل جميع المليشيات وإخضاع القوات المسلحة بالكامل لسلطة الحكومة المدنية و تحت إشراف وزير الدفاع المدني والبرلمان.
جمعية تأسيسية منتخبة لابد من إجراء انتخابات شاملة نزيهة ومراقبة دوليا خلال 24 شهراً من بداية الفترة الانتقالية لصياغة دستور دائم، على أن تكون مبادئ 1956م هي المرجعية العليا لها والاتفاقيات الدولية وقوانين حقوق الإنسان.
دور دستوري للمجتمع المدني لابد أن يكون المجتمع المدني شريك مراقب لتنفيذ الانتقال وضمان عدم الانحراف علي المسار المدني الديمقراطي.
ختاما
السودان لا يحتاج إلى “دستور جديد”. السودان يحتاج إلى “احترام الدستور القديم”.
من يكسر الدستور يجب أن يحاكم بالدستور الذي كسره، لا أن نكتب دستوراً جديداً يستطيع بموجبه الإفلات من العقاب والهروب من المحاسبة.
العودة إلى دستور 1956م هي إعلان انتهاء حقبة الانقلاب العسكرية كخيار سياسي في السودان والخلاص من الأنظمة الشمولية المستبدة
والله ولي التوفيق
الاستاذ / يوسف آدم بشر المحامي
هيئة محامي دارفور
الأستاذ / أحمد بطران عبد القادر
المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات
١١ اغسطس٢٠٢٦م



