
انتهى الجزء الأول إلى نتيجة مفادها أن أزمة السودان قد تكون أزمة شرعية قبل أن تكون أزمة هياكل. فإذا صح هذا التشخيص، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف تُبنى الشرعية؟ وهل تُولد من الدساتير، أم أن الدساتير نفسها ليست سوى التعبير القانوني عن شرعية سابقة عليها؟
هذا السؤال ليس جديداً في الفكر السياسي، لكنه يكتسب في الحالة السودانية أهمية استثنائية، لأن معظم المبادرات الوطنية انصرفت إلى إعادة توزيع السلطة، بينما ظل سؤال تأسيسها مؤجلاً. ولعل ذلك هو ما يفسر أن السودان عرف دساتير متعددة، واتفاقيات سلام عديدة، وصيغاً مختلفة للحكم، دون أن ينجح أي منها في إنهاء الأزمة بصورة نهائية.
لقد أدرك Jean-Jacques Rousseau أن الدولة لا تقوم بمجرد اجتماع الناس داخل حدود جغرافية، ولا بمجرد وجود حكومة تمارس السلطة، وإنما تقوم حين ينعقد بينهم عقد اجتماعي يجعل الجميع شركاء في الدولة، لا رعايا لها. فمصدر الشرعية، في هذا التصور، ليس القوة ولا التاريخ، وإنما الرضا العام الذي يجعل المواطن يرى في الدولة تعبيراً عن إرادته المشتركة، لا سلطة مفروضة عليه.
وهنا تكمن، في تقديري، العقدة التي لازمت التجربة السودانية منذ الاستقلال. فقد انشغلت النخب السياسية بتداول السلطة أكثر من انشغالها بإعادة تعريف الدولة نفسها. وتعاملت مع الدولة بوصفها حقيقة مكتملة، بينما ظل جزء معتبر من السودانيين ينظر إليها بوصفها مشروعاً لم يكتمل بعد.
ولذلك لم تكن الحروب التي عرفها السودان مجرد تمردات على السلطة، بل كانت، في جانب كبير منها، احتجاجاً على طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها. ولم يكن النزاع دائماً حول من يحكم، بل حول معنى الدولة نفسها، ومن تشمل، ولصالح من تعمل.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الشرعية عند Max Weber. فالدولة، في نظره، لا تستقر لأنها تحتكر وسائل القوة، وإنما لأن المجتمع يعترف بحقها في ممارسة تلك القوة. فالسلطة قد تُفرض بالقانون، لكن الشرعية لا تُفرض؛ إنها تُبنى بالتوافق والثقة والإحساس المشترك بالانتماء.
ولهذا فإن احتكار أدوات الدولة لا يكفي لبناء دولة، كما أن إعادة توزيع تلك الأدوات لا تكفي وحدها لإعادة بنائها. فالشرعية لا تُولد من المؤسسات، بل المؤسسات هي التي تستمد قيمتها من شرعية الدولة التي تنتمي إليها.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مشروع السودان الجديد الذي طرحه الراحل John Garang قراءةً مختلفة. فبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحاته، فإن قيمته الفكرية تكمن في أنه لم يبدأ بالسؤال عن توزيع السلطة، بل بالسؤال عن إعادة تعريف الدولة السودانية نفسها. ولذلك كان مشروعه، في جوهره، مشروعاً تأسيسياً أكثر منه مشروعاً إصلاحياً.
وهنا، في تقديري، يكمن الفرق بين إعادة الهيكلة وإعادة التأسيس. فالأولى تعيد ترتيب مؤسسات الدولة، أما الثانية فتعيد تعريف الأساس الذي تقوم عليه تلك المؤسسات. وقد تنجح الأولى في تحسين الأداء، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعالج أزمة شرعية إذا كانت تلك الأزمة كامنة في أصل العقد الذي قامت عليه الدولة.
غير أن هذا الطرح، إذا أُخذ بجدية، يفرض علينا سؤالاً لا يقل صعوبة: إذا كنا ندعو إلى عقد اجتماعي جديد، فمن يملك حق صياغته؟ ومن يمثل السودانيين في ظل الحرب، وتعدد مراكز القوة، والانقسام السياسي العميق؟ وهل يمكن الانتقال إلى دولة جديدة دون الوقوع في فراغ أخطر من الأزمة التي نحاول الخروج منها؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من فكرة إعادة التأسيس، لكنها تذكرنا بأن الشرعية لا تُعلن بقرار، وإنما تُبنى عبر عملية سياسية واسعة، يشارك فيها السودانيون جميعاً، ويشعر كل طرف بأنه كان جزءاً من كتابة العقد، لا مجرد طرف طُلب منه التوقيع عليه.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى إعادة التأسيس لا ينبغي أن تتحول إلى شعار سياسي يُرفع كلما تعثرت الدولة، لأن إسقاط الشرعية عن الدولة القائمة لا يعني تلقائياً قيام دولة أكثر شرعية. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغ أخطر من الدولة الناقصة، وأن انهيار المؤسسات قد يفتح الباب أمام سلطات متنازعة، لا أمام عقد اجتماعي جديد.
ولهذا فإن إعادة التأسيس، إذا كانت هي الخيار، لا يمكن أن تكون عملاً تقوم به نخبة سياسية، أو حركة مسلحة، أو حكومة انتقالية بمفردها، وإنما هي عملية وطنية شاملة، يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين المركز والأقاليم، وبين الحقوق والواجبات، على قاعدة أن جميع السودانيين شركاء في تأسيس الدولة، لا مجرد شركاء في اقتسام السلطة.
وهنا أعود، بكل التقدير، إلى سعادة السفير نورالدين.
لقد حسبتُ مشروعكم من أكثر المبادرات الوطنية جديةً في محاولة التفكير في مستقبل السودان، وأقدّر الجهد الفكري والوطني الكبير الذي بُذل في إعداده. وما كتبته هنا ليس اعتراضاً على النوايا، ولا انتقاصاً من قيمة العمل، وإنما محاولة لنقل النقاش من مستوى الهياكل إلى مستوى الفلسفة السياسية التي تقوم عليها تلك الهياكل.
فالخلاف بيننا، في تقديري، ليس حول الفيدرالية، ولا حول عدد الأقاليم، ولا حول توزيع الاختصاصات، بل حول السؤال الذي يسبق ذلك كله: ما هي الدولة التي نريد إعادة هيكلتها؟
إذا كانت دولة 1956 تمثل، في نظرنا، دولةً اكتمل عقدها الاجتماعي ثم أصابها الخلل، فإن الإصلاح المؤسسي يصبح الطريق الطبيعي، وتكون الفيدرالية واحدة من أدواته.
أما إذا كانت تلك الدولة قد نشأت بعقد اجتماعي لم يشمل جميع السودانيين على قدم المساواة، فإن إعادة الهيكلة، مهما بلغت من الدقة، ستظل تعالج أعراض الأزمة أكثر مما تعالج أسبابها.
إنني لا أدعو إلى محاكمة التاريخ، ولا إلى إلغاء تجربة الاستقلال، فذلك سيكون ظلماً لتضحيات جيل كامل صنع لحظة وطنية عظيمة. لكن احترام ذلك الجيل لا يمنعنا من مراجعة ما أعقب الاستقلال من خيارات سياسية، تماماً كما أن احترام الآباء لا يمنع الأبناء من مراجعة بعض قراراتهم.
ولعل أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نختزل أزمة السودان في شكل الدولة، بينما تكمن الأزمة، في جانب كبير منها، في طبيعة العلاقة التي نشأت بين الدولة ومجتمعها. فالدساتير لا تصنع الثقة، وإنما تعكسها. والمؤسسات لا تُنتج الشرعية، وإنما تستمد شرعيتها من اتفاق المجتمع على الغاية التي أنشئت من أجلها.
ولهذا فإن الفيدرالية ليست هدفاً، كما أن المركزية ليست مشكلة في ذاتها. كلاهما مجرد وسيلة، والوسائل لا تُقاس بجمال تصميمها، وإنما بقدرتها على تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها.
وتلك الغاية، في تقديري، ليست إعادة توزيع السلطة، وإنما إعادة بناء الثقة؛ ليست إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما إقامة علاقة جديدة بين الدولة ومواطنيها؛ ليست الوصول إلى تسوية سياسية عابرة، وإنما الوصول إلى عقد اجتماعي يشعر في ظله كل سوداني أن الدولة تمثله بالقدر نفسه الذي تمثل به غيره.
لذلك فإن السؤال الذي حاولت هذه السلسلة أن تطرحه لا يتعلق بوثيقة بعينها، ولا بشخص بعينه، بل بمستقبل السودان نفسه:
هل تصلح التسوية مع دولة 1956؟
أخشى أن تكون الإجابة: لا، إذا كان المقصود هو الاكتفاء بإعادة توزيع السلطات داخل البنية القديمة.
أما إذا كانت التسوية تعني مراجعة الفرضيات التي قامت عليها الدولة، والاتفاق على عقد اجتماعي جديد يسبق الدستور، ويمنح الشرعية للمؤسسات قبل أن يمنحها الاختصاصات، فحينها لا تكون التسوية مع دولة 1956، بل مع تاريخها السياسي، ومع الأسئلة التي ظلت مؤجلة منذ الاستقلال.
وربما كان هذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر السودانيين: ليس كيف يعيدون بناء دولتهم، بل كيف يؤسسونها، للمرة الأولى، على أساسٍ يشعر معه الجميع أن الدولة أصبحت وطناً مشتركاً، لا غنيمةً يتنازعون عليها.




لوحة فكرية متناسقه الرؤى ومتسقة البنيان وماتعة المعنى والمتن في آن…. وإذا سلمنا جدلا أن شرعية البناء سابقة لهيكلته وإعادة ترميم مؤسساته فنحن بحاجة إلى تحريك الصور النمطية المختزنة في عقلنا الجمعي عن بعضنا البعض وإلي تجريم التصنيف القبلي والإثني والعقائدي والفكري والقبول بواقع الإختلاف كمدخل لفهم حدود وخصوصية كل مكون…. فنمط الإدارة الأهلية هو ماحاول المستعمر البناء عليه لإدماج مكونات المجتمع ومن ثم تسهيل إدارتها مركزيا… وكلما حاولت النخب المتعاقبة علي الحكم تفكيك هذا الإرث إرتد أشد تماسكا وأصلب عودا لا لصلاحيته بل لانه أصبح الملاذ الآمن للمجتمعات الباحثة عن الأمن والخائفة من الجوع…. إذا ماهو البديل لفهم ديناميكية مكونات المجتمع المختلفة والمتباينة في حدودها وخصوصياتها ومن ثم بناء شرعية مجتمعية متماسكة يمكن من خلالها قياس مبدأ الشرعية؟.
السؤال الصحيح هل تصلح التسوية مع جنجويد حزام البقارة؟؟؟..
الاجابة كلا ثم كلا ..
يقول الحديث النبوي الشريف ( لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)…
لم يعمل حكامنا بهذا الحديث ولدغت بلادنا من جحر دارفور ثلاث مرات :
1) غزوة جهادية حزام البقارة التي استباحت البلاد والعباد ،وارتكبت فظائع وموبقات تفوق حد الخيال..
2) غزوة ذراع خليل ابراهيم الطويل والتي كانت اخف وطأة من سابقتها.
3) غزوة جنجويد حزام البقارة الذين تفوقوا علي اسلافهم الجهادية في الغل والحقد، واحالوا بلادنا وديارنا الي ركام من الحطام والرماد، عملوا في اهلنا نهبا واغتصابا وقتلا وازلالا لم يسلم الصغير او الكبير من بطشهم.
هل يعقل بعد هذه المسبغة التي احاقت باهلنا وبلادنا ان ننسي ونتسامح، مع هولاء القتلة اللصوص؟،ونكرر جريمة جيل الاستقلال،الذي احتفي بجرائم الدجال المتمهدي وخليفته الفكي القاتل التعايشي،اليس فيكم رجل رشيد يا قوم؟..
التعايش السلمي بين بلاد النيلين ودارفور اصبح ضربا من المستحيل، بعد فظائع حرب طي الخرطوم في 5 دقائق، امتلأت النفوس غبنا،وحسرة،واسي، ورغبة جامحة للانتقام من ،من تسبب في كل ذلك ،
،الكل يتجرع مرارت الحرب التي فقدوا فيها الاحبة،والممتلكات وتحويشة العمر ،
في رأيي التسوية بين بلاد النيلين ودارفور،يجب أن تتم في اروقة الامم المتحدة، وبها يتم اعلان:
1) وفق اطلاق التار .
2) مفاوضات مستقبل السودان بين الطرفين تتم في أرض محايدة.
3) سيكون البند الاساسي في هذه المفاوضات ،هو تقسيم السودان، وكيفية تنفيذ ذلك علي أرض الواقع ،بالطرق السلميه.
4) حدود سلطنة دارفور ستكون المستند الاساسي الذي به يتم رسم الحدود بين الدولتين.
5) عملية التهجير المنظمة للدارفوريين الذين يقيمون في بلاد النيلين، يتم ترحليهم بممتلكاتهم معززين،مكرمين الي بلدهم دارفور.
خاصة وان دارفور خالية تماما من شعوب بلاد النيلين.
6) بما ان جزء من غرب كردفان تمثل الامتداد القبلي لدارفور،يتم اضافة ذلك لدولة دارفور.
7) إجراء استفتاء في جنوب كردفان لكي يختاروا مستقبل بلدهم، الاستقلال التام، او الانضمام لدولة جنوب السودان او دارفور، ربما يفضلون البقاء مع بلاد النيلين.
.في نظري هذا هو الحل الذي به يعم السلام بلادنا، ونتفرغ للبناء والتعمير، والتعليم ،والتنمية،
دول شرق اسيا، خاصة اليابان والصين، تخطت الثورة الصناعية الاولي، وهم اليوم في مرحلة الثورة الصناعية الثانية،قمة التكنلوجيا،
وما زلنا نحن قابعين في جغم وبل، والتخلف الحضاري الذي وضعنا فيه الكيزان الملاعين واشباه الرجال من قادة الجيش المؤدلج .
.الله لا كسب الكيزان.
عملا بحرية الرأي الذي تمارسه الراكوبة،اتمني نشر تعليقي هذا واي تعليق مخالف له..
الشكر لصحيفة الراكوبة التي تتحفنا بنشر مقالات الدكتور الوليد مادبو،فهو عراب الجنجويد،الذي اسس لمشروعهم التوسعي التدميري في بلادنا.
نعم هو لا يحمل رتبة عسكرية، ولكنه هو من رسم الخرطة التوسعية لدولة الجنجويد،ومن تبعهم من الغاويين،
افصح دكتور مادبو عن ذلك المخطط في عدة مقالات له نشرتها الراكوبة،واطلق عليها مسمي ( (دولة غرب النيل)،نعم النيل العشق التاريخي للدارفوريين،
تشمل دولة غرب النيل التي يدعو لها دكتور مادبو :
1) كل ولايات كردفان
2) امدرمان ،
3) النيل الابيض،،
4) وجزء من الولاية الشمالية،
ولا يساورني شك في ان قادة الجنجويد ،يضعون هذه الخارطه نصب اعينهم، فهي هدف عملياتهم العسكرية وغاية مبتغاهم.
حتي وان تمت تسوية بين الجنجويد والجيش ،ستكون هدنة محارب للجنجويد،لجمع انفاسهم وعتادهم ،ليعاودوا الكرة مرة اخري لتحقيق مشروعهم التوسعي لاقامة (دولة غرب النيل).
…….. ……… ………
ختاما أتساءل مع نفسي دوما ،لماذا تترك الساحة خالية لدكتور مادبو لينفث احقاده التاريخية، ولا يتصدي له اي من كتاب الاعمدة في صحيفة الراكوبة،وغيرها ؟؟.
هل الصمت هو نوع من التجاهل لما يكتبه الدكتور،؟؟.
ام هو نوع من اللامبالاة, الداء العضال الذي نعاني منه في السودان؟؟؟.
الذول مافي اي احد شغال بيهو/ده زي ما قال نمر الورق حقهم حميرتي (فسوه مدنقر في خلاء دارفور)