مقالات وآراء

من التعارف إلى المتاجرة بالانتماء… القبيلة في سوق السياسة السودانية

زكريا علي عبدالرسول

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[الحجرات: 13] كما عودناكم دائماً، نتناول القضايا السودانية بجرأة لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تبحث عن الحقيقة الكامنة خلف الظواهر، ونقترب من المساحات التي أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية حتى اعتدناها ولم نعد نتوقف عند خطورتها. ومن هذه المساحات تأتي القبيلة؛ ذلك المكوّن الاجتماعي الذي كان يمكن أن يكون أحد مصادر قوة المجتمع السوداني، لكنه خرج تدريجياً من وظيفته الطبيعية، وانتقل من وسيلة للتعارف والتكافل إلى أداة للتصنيف والاستقطاب، ثم وجد طريقه إلى سوق السياسة، حيث أصبح الانتماء في بعض الممارسات سلعة قابلة للتوظيف والمساومة والتكسب.
القبيلة في أصلها ليست مشكلة، والانتماء إليها ليس عيباً، بل هو جزء أصيل من البناء الاجتماعي السوداني، يحمل التاريخ والثقافة والذاكرة وروابط التكافل. والآية الكريمة لم تجعل تعدد القبائل عيباً ينبغي التخلص منه، وإنما وضعت له غاية واضحة: التعارف. غير أن الخلل يبدأ عندما نخرج بالقبيلة من سياقها الاجتماعي إلى مجال التنافس على السلطة والمكانة والموارد، وعندما يتحول الانتماء من حقيقة اجتماعية إلى معيار للحكم على الإنسان وموقعه وفرصه وعلاقاته.
وهنا تظهر القبلنة بوصفها المرحلة التي يتجاوز فيها الانتماء حدود التعريف الاجتماعي ليصبح أداة للفرز السياسي والاجتماعي. فالقبيلة رابطة، أما القبلنة فهي تحويل الرابطة إلى معيار؛ القبيلة انتماء، أما القبلنة فهي استخدام الانتماء لتحقيق مكاسب أو فرض نفوذ أو صناعة اصطفاف. ومن هذه اللحظة يبدأ الإنسان في الظهور أمام المجتمع لا بصفته الفردية، وإنما بصفته ممثلاً لجماعة، فيُقبل أحياناً لأنه منها، ويُرفض لأنه من غيرها، ويُمنح الثقة أو تُسحب منه بناءً على صورة مسبقة عن قبيلته لا على سلوكه الشخصي.
وحين تدخل هذه الثقافة إلى السياسة تصبح المسألة أكثر خطورة؛ لأن السياسة بطبيعتها تقوم على إدارة المصالح المتعارضة داخل إطار وطني واحد، بينما القبلنة تعيد تعريف المصالح على أساس الجماعة. وهنا تتحول القبيلة إلى قاعدة للحشد، وإلى وزن سياسي، وإلى ورقة تفاوض، وربما إلى وسيلة للمطالبة بنصيب من السلطة. ومع الوقت يصبح المنصب العام قابلاً لأن يُنظر إليه باعتباره حصة لجماعة، ويصبح التمثيل السياسي أقرب إلى موازنة بين الأوزان الاجتماعية منه إلى اختيار قائم على البرنامج والكفاءة والاستحقاق.
وليس المقصود أن التوازن في تمثيل مكونات المجتمع أمر مرفوض؛ فالسودان بلد متعدد المكونات، والعدالة في توزيع السلطة والثروة والفرص ضرورة لبناء الدولة. لكن هناك فرقاً بين العدالة في التمثيل والمتاجرة بالانتماء. العدالة تمنع الإقصاء، أما المتاجرة فتجعل القبيلة رأس مال سياسياً يستخدمه البعض لرفع سقف المطالب أو الحصول على المواقع والنفوذ. وفي هذه الحالة لا تعود القبيلة مجرد مكوّن اجتماعي، وإنما تصبح ورقة سياسية تُرفع عند الحاجة وتُستخدم في التفاوض والضغط والحشد.
وقد ظهرت هذه الظاهرة في صور متعددة في الحياة السودانية: مرشح يخاطب الناس بصفته ابن القبيلة قبل أن يخاطبهم بصفته صاحب برنامج، وتحالفات تُبنى على التقارب القبلي أكثر مما تُبنى على الرؤية السياسية، ومطالبات بالمواقع لا تستند دائماً إلى الكفاءة وإنما إلى ما يسمى بالوزن الاجتماعي، وأحياناً استخدام الإدارة الأهلية كجسر للعبور إلى النفوذ السياسي. وفي مثل هذه الحالات تصبح القبيلة جزءاً من آلية إنتاج السلطة، لا مجرد مكوّن من مكونات المجتمع.
والنتيجة الطبيعية لذلك هي إضعاف مفهوم المواطنة. فحين يشعر المواطن أن فرصته في الوظيفة أو النفوذ أو الحماية السياسية ترتبط بقوة جماعته، فإنه يبدأ بالبحث عن الأمان داخل القبيلة بدلاً من الدولة. وحين تفقد الدولة قدرتها على توفير هذا الشعور بالمساواة والعدالة، تنمو الولاءات الأولية على حساب الولاء الوطني، وتصبح القبيلة في نظر الفرد مؤسسة حماية بديلة عن مؤسسات الدولة.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر: الدولة الضعيفة تقوي القبلنة، والقبلنة بدورها تضعف الدولة. فكلما تراجع القانون، ارتفعت الحاجة إلى الجماعة؛ وكلما ضعفت المؤسسات، ازدادت قيمة العصبية؛ وكلما أصبح الوصول إلى الحقوق مرتبطاً بالقدرة على الحشد الاجتماعي، أصبح الانتماء القبلي رأس مال سياسياً.
ولا تتوقف آثار ذلك عند السلطة، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه. فعندما يصبح الفرد ممثلاً لقبيلته في كل موقف، يتحول الخطأ الفردي إلى اتهام للجماعة، ويتحول الاعتداء الشخصي إلى قضية قبلية، وتتحول الخصومة السياسية إلى خصومة اجتماعية. وعندها يصبح من السهل تعبئة الناس حول هوياتهم الأولية، ويصبح من الصعب إقناعهم بأن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداء بين المكونات.
ومن أخطر نتائج القبلنة أيضاً أنها تنتج الاستعلاء المتبادل. فكل جماعة تبدأ في صناعة سرديتها الخاصة عن أصالتها ومكانتها ودورها، ثم تقيس الآخرين من خلالها. ومع تكرار ذلك تتكون صور نمطية متبادلة، ويصبح المجتمع أسير مقارنات لا تنتهي حول من هو الأقدم، ومن هو الأكثر أصالة، ومن هو الأحق، ومن هو الأكثر تأثيراً. وهكذا يتحول التنوع الذي يفترض أن يثري السودان إلى منافسة مفتوحة على إثبات الأفضلية.
لكن معالجة هذا الخلل لا تعني إلغاء القبيلة أو محاربة الانتماء إليها؛ فذلك سيكون خطأً آخر. المطلوب هو إخراج القبيلة من سوق السياسة وإعادتها إلى وظيفتها الاجتماعية الطبيعية. أن تبقى القبيلة حاضنة للثقافة والتكافل والإصلاح الاجتماعي، وأن تبقى الإدارة الأهلية مؤسسة للصلح وحفظ الاستقرار، لا منصة للتعبئة السياسية أو وسيلة للضغط على الدولة.
كما أن إعادة بناء الدولة السودانية ينبغي أن تقوم على قاعدة واضحة: المواطنة هي الأصل، والانتماء القبلي هو أحد مكونات الهوية الاجتماعية، وليس معياراً للحقوق السياسية. الوظيفة العامة للكفاءة، والتمثيل السياسي للبرنامج، والحقوق للقانون، والمحاسبة على الفعل الفردي لا على الانتماء الجماعي.
ويحتاج السودان كذلك إلى خطاب سياسي جديد يتوقف عن مخاطبة الناس باعتبارهم قبائل، ويخاطبهم باعتبارهم مواطنين. فكل سياسي يجعل القبيلة وسيلة للصعود السياسي يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف الدولة التي يسعى إلى حكمها. وكل مجتمع يمنح السياسي مكافأته لأنه نجح في تعبئة قبيلته، فإنه يعيد إنتاج المشكلة نفسها.
إن استعادة التوازن لا تعني أن يتخلى السوداني عن قبيلته، وإنما أن يعرف حدود هذا الانتماء. يعتز بها دون أن يستعلي بها، يحفظ تاريخها دون أن يحوله إلى خصومة مع الآخرين، ويتكافل مع أهلها دون أن يجعل تكافله ضد بقية الوطن.
لقد جعل الله الشعوب والقبائل للتعارف، ونحن نقلناها في بعض ممارساتنا من التعارف إلى التصنيف، ومن التصنيف إلى الاصطفاف، ومن الاصطفاف إلى الاستقواء، ثم إلى المتاجرة السياسية بالانتماء. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
السودان لا يحتاج إلى مجتمع بلا قبائل، وإنما يحتاج إلى دولة لا تتحكم فيها القبلية؛ وإلى قبائل داخل الوطن لا فوقه؛ وإلى انتماءات تمنح الإنسان جذوره دون أن تحرمه من أفقه الوطني. فالقبيلة يمكن أن تكون جزءاً من الحل عندما تعود إلى وظيفتها الاجتماعية، لكنها تتحول إلى جزء من المشكلة عندما تصبح رأس مال سياسي يُستثمر في سوق السلطة.
والطريق إلى دولة سودانية متماسكة يبدأ من إعادة ترتيب العلاقة بين القبيلة والدولة: القبيلة للانتماء والتعارف والتكافل، والسياسة للمواطنة والبرنامج، والدولة للجميع. عندها فقط نستطيع أن نستعيد المعنى الذي أرادته الآية، وأن نحول تعددنا من وقود للصراع إلى مصدر لقوة السودان ووحدته.وذلك ليس علي الطامحين ببعيد .
تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..