منصور الصويم: الغراب عندي حيلة سردية

عبر فضاء مدينة الرياض، ينطلق أبطال رواية «عربة الأموات» للروائي السوداني منصور الصويم، لينتقلوا مع القارئ إلى حياة أربعة أصدقاء سودانيين جمعتهم سنوات الدراسة والغربة القاسية في مدينة يضيع الفرد في اتساعها.
يعاني الأصدقاء الأربعة من غول الغربة ووحشة المكان، حيث تنتهي أحلامهم جميعها بالفشل والإحباط والمطاردة، لتغدو أمنية مغادرة هذا المكان والعودة إلى الوطن أو إلى مكان آخر حلمًا يراود الجميع، هربًا من واقع قاهر قائم على الرقابة الصارمة والمطاردة التي لا تنتهي، وظلال منظومة اجتماعية جعلت صاحب الأرض سيدًا، والآخر عبدًا. لتختتم الرواية بسؤال مفتوح يتسع لتفسيرات القراء وتأويلاتهم.
في هذا الحوار الذي أجريناه مع الكاتب السوداني منصور الصويم، نسلط الضوء على رواية «عربة الأموات»، وشخصياتها، وفكرة الموت والاغتراب عن الأوطان، ومصائر الشخصيات، والسؤال المفتوح الذي تركه الكاتب لتأويل القراء، وشخصية الغراب التي شكلت مفاجأة الرواية.
الرواية وفن الكتابة
في سؤال حول الشخصية التي شكلت مفاجأة للكاتب وخرجت عن المسار الذي رسمه لها، يؤكد منصور الصويم أنه، وقبل البدء في كتابة أي عمل روائي، يكون قد رسم خريطة سردية دالة وتخطيطًا واضحًا لمسار العمل.
ويضيف: “لذا نادرًا ما خرجت شخصية ما عن المسار المخطط لها، نعم قد تنمو أكثر، أو أن تنتج جدلًا حول معناها لاحقًا لصدور العمل”.
ويوضح أن “شخصية الغراب في هذه الرواية مثال على ذلك، فقد أثارت الكثير من الأسئلة ومحاولات الفهم لدى القراء وبعض النقاد”.
وعن مدى قدرة الأدب على نقل قسوة الغربة بعيدًا عن مجرد تسجيل المعاناة، في ظل التوازن بين جمال اللغة ومرارة الواقع، يرى الصويم أن الغربة وغيرها من الموضوعات، حين نحولها إلى عمل سردي روائي، علينا قبل كل شيء أن نلتزم بالشروط الفنية للكتابة.
ويقول إن “التزامك بشروط وطرائق الكتابة الروائية – كيف تكتب الرواية – من حيث التقنيات والأسلبة، هو المحدد الرئيس للعمل: أهو رواية أم مجرد تقرير تسجيلي آخر”. موضحًا: «ومع كل محاولة كتابة روائية جديدة، أعمل على الالتزام بهذه الشروط، وهو التزام حر، إن جاز هذا التعبير، لا التزامًا مدرسيًا تجبر على ممارسته بشكل حرفي”.
ويؤكد الصويم أنه توجد مساحة للتحرك بحرية لأجل التجريب وإضافة بصمتك الخاصة في الكتابة. وفي النهاية يكون التقييم للقارئ والناقد الأدبي.
الغربة والمكان
القارئ للعمل يشعر بالغربة وكأنها شخصية خفية ترافق الجميع. تسأل “العرب” الصويم ترى هل المقصود هنا الكتابة عن مكان محدد، أم عن شعور إنساني يمكن أن يعيشه أي مغترب في أي بقعة من العالم؟ وهنا يؤكد أن المكان «المحدد» كان حاضرًا في العمل، ويمكن بسهولة التعرف عليه.
ويضيف قائلًا: «لكن هذا لا ينفي أيضًا أن الرواية تتضمن، بطبيعة الحال، شعورًا بتجربة الغربة في هذا العصر؛ أيًا كان موضع المغترب. وهذا صحيح دون شك، فقط مع ملاحظة اختلاف التجربة بين الأمكنة والحيوات وطبيعة النظام هنا وهناك”. مبينًا أن «الخصوصية المكانية لها دورها في فهم أبعاد هذه الرواية، ودون تعيين المكان يتعذر علينا فهم طبيعة هذا العمل جيدًا”.
الموت بوصفه فقدانًا للإنسان
أثناء قراءة العمل يشعر القارئ أن الرواية لا تتحدث عن الموت بقدر ما تتحدث عن الإنسان عندما يفقد شيئًا من روحه كل يوم. ترى، هل يوافق الصويم هذا التأويل، أم أن لكل قارئ الحق في أن يخلق روايته الخاصة؟
وهنا يرى منصور الصويم أن معنى الموت، سواء في عنوان الرواية أو داخل المتن، يختزل دلالات أكبر من المعنى المباشر. ويقول: «الموت هنا يبدأ من نفي الإنسان، فقدانه لكينونته وفي فعل المحو اليومي الذي يتعرض له بتحوله إلى ما يشبه الشيء، أو الصخرة الصماء، التي تحس أو تشعر بوقع الضربات المتتالية التي تتعرض لها، قبل أن تتفتت إلى ذرات وتموت فعليًا”.
الرواية تقتحم عوالم الموت بشخصيات مهتزة تعيش مصيرها وتترك قارئها أمام تأويلاته مقدمة مثالا في كتابة الروايات
ويضيف: «هنا في الرواية يفقد الشخوص، مع كل تقدم للعملية السردية، شيئًا من آدميتهم، بعضًا من إنسانيتهم، من حقوقهم الطبيعية كبشر. إذن، الموت، بالنسبة إليهم، حالة يومية متجددة، وكأنما الشخص الواحد فيهم يموت يوميًا مئات أو آلاف المرات”.
مؤكدًا أنه «لم يكن مستبعدًا أن تكون المحاولة الأخيرة للنجاة بواسطة عربة لنقل الموتى. وهذا لا ينفي أيضًا، كما أشرت، أن من حق كل قارئ خلق روايته وتأويلاته الخاصة ما بعد القراءة”.
هل تقود الشخصيات كاتبها؟
فيما إذا كانت إحدى الشخصيات قد سبقت الكاتب نفسه إلى رسم نهاية لم يكن يخطط لها، يؤكد الصويم أن هذا أمر نادر الحدوث.
ويقول: «بما أني أرسم ملامح الشخصيات جيدًا قبل الشروع في الكتابة، نعم، قد تتطور الشخصية وتثري العمل أكثر وتقزّم شخصيات أخرى”. متابعا «الشخصيات، من حيث البناء والسمات الرئيسية، تظل ضمن الإطار أو التموقع الأولي وفقًا للخريطة السردية للعمل”.
ويرى الكاتب السوداني، ردًا على سؤالنا له عما إذا كان قد التقى أبطال «عربة الأموات»، أنه لو التقى بأبطال «عربة الأموات» بعد مرور كل هذه السنوات، سيتساءل: ترى، إلى أين وصلت العلاقة بين فضل الله وروز الإثيوبية؟ وهل ما يزال الغراب يحلق هناك حيث تركوه؟
ويضيف: «أتوقع أن الكثير من التغييرات حدثت لهم، ما بين الفشل والنجاح، لكن الشيء المؤكد أن رحلة التعافي أخذت منهم وقتًا طويلًا، هذا في حال النجاة، وهذا ما أتمناه لهم”.
أما عن إمكانية وجود شخصية قد تشبه منصور الصويم من بين شخصيات العمل، يؤكد الكاتب أن الرواية عمل تخييلي في الأساس، لكنه، بصورة أو أخرى، يتداخل مع تجربة الكاتب. مشيرا إلى أن «هذا التداخل قد يأخذ شيئًا من ذاكرته وواقعه وتجاربه المختلفة في الحياة، فمن الطبيعي أن نلحظ ظلال الكاتب بصورة أو أخرى في بعض رواياته، أما أن تكون هناك شخصية تشبهني إلى تلك الدرجة فلا أظن”.
رمزية الغراب
يؤكد منصور الصويم أن اختياره للغراب كان خيارًا تقنيًا وجماليًا، وفي الوقت نفسه تكثيفًا دلاليًا. ويقول في معرض رده على سؤال حول دلالة أو رمزية الغراب المرافق لشخصية سائق عربة الأموات في الرواية: «البعض اقترح دلالات بعينها تشير إلى ‘ضمير‘ أو ‘مراقب‘ يرافق شخوص الرواية”.
مشيرًا إلى أنه “اتخذ الغراب مطية وحيلة سردية لكسر جمود القص المتتابع، ولأتحرر من صوت الراوي أو المتشابه، هذا إلى جانب أن حضوره يقدم صورة أكثر شفافية ووضوحًا لما جرى لهؤلاء الناس”.
ويختتم الصويم قائلًا: «وكما نعلم، ففي الموروث العربي الغراب نذير شؤم، ونعيقه إيذان بالفراق والرحيل، كما أنه يظهر في القرآن الكريم حكيمًا ومعلمًا، لا سيما فيما يخص الموت”.
العرب



