مقالات وآراء

حوار الهوية بين درويش وإدوارد سعيد بعد رحيلهما (3)

عبدالعزيز أبوعاقلة

من «أنت مع من؟» إلى «كيف نعيش معًا؟»

ربما كان السؤال الذي وصلنا إليه في نهاية الجزء الثاني هو أصعب الأسئلة جميعًا: ماذا نريد أن نكون؟ فبعد أن تحولت الهوية في زمن الحرب إلى سؤال عن الاصطفاف، وانقسام السودانيين ، وبعد أن أصبح «أنت مع من؟» أحيانًا أهم من «من أنت؟»، لا يعود السؤال عن الهوية سؤالًا عن الماضي وحده، بل عن المستقبل أيضًا. ماذا نفعل بكل هذه الهويات التي التي تم فرضها قسرا ؟ هل نواصل الدفاع عنها حتى تصبح جدرانًا تفصلنا، أم نبحث عن مساحة أخرى يصبح عنوانها للتنوع التاريخي والمعاصر يستطيع فيها السوداني أن يكون أكثر من شيء في الوقت نفسه، دون أن يشعر بأنه مطالب بإلغاء جزء منه لكي يثبت الجزء الآخر؟

ربما هنا بالضبط نعود مرة ثالثة إلى درويش وسعيد، ولكن ليس لكي نبحث عندهما عن إجابة جاهزة . فالسودان ليس فلسطين، وتجربة المنفى عندهما ليست تجربتنا، لكن السؤال الذي تركاه يتجاوز المكان: هل يستطيع الإنسان أن يعيش تعدده دون أن يحوله إلى صراع؟ لقد كان إدوارد سعيد يعرف، من تجربته الشخصية والفكرية، أن الإنسان قد ينتمي إلى أكثر من عالم دون أن يكون خائنًا لأي منها. وفي «خارج المكان» لم يقدم تعدد المواقع واللغات والانتماءات بوصفه نقصًا ينبغي إخفاؤه، بل بوصفه جزءًا من تكوين الذات. وفي كتاب (الثقافة والإمبريالية ) رأى أن الوقوف بين العوالم يمكن أن يمنح الإنسان قدرة على رؤية ما لا يراه من يعيش داخل عالم واحد مغلق.

وهذا المعنى مهم لنا بصورة خاصة، لأن السوداني ليس مضطرًا إلى الاختيار بين أن يكون عربيًا أو أفريقيًا، بين أن يكون من النيل أو من الغرب او الشرق او الوسط وبين المدينة والقرية، بين القبيلة والوطن، وبين الذاكرة القديمة والحاضر. المشكلة تبدأ عندما نطلب من هذه الانتماءات أن تتنافس على احتكار الإنسان، وأن يصبح أحدها معيارًا للحكم على شرعية الآخر. لقد تعاملنا طويلًا مع الهوية كما لو أنها سؤال له إجابة واحدة؛ كأن علينا أن نضع الإنسان في خانة محددة ثم نغلق عليها الباب: عربي، أفريقي، شمالي، جنوبي، شرقي، غربي، قبلي، مدني، ريفي. لكن الإنسان أكثر اتساعًا من الخانة التي نضعه فيها، وربما كان أكبر أخطاء النظر إلى الهوية هو أننا نحاول اختزال الإنسان في تعريفه بدل أن نترك له فرصة أن يصنع تعريفه بنفسه.

والثقافة السودانية نفسها تقول ذلك. يكفي أن نستمع إلى الموسيقى السودانية والأغاني المتنوعة لكي نكتشف أن ما نسميه (هوية ) لم يكن يومًا نقيًا أو منفصلًا. في الإيقاع، وفي اللغة، وفي الغناء، وفي الطعام، وفي طرق الاحتفال والحزن، وفي الحكايات التي انتقلت من جيل إلى جيل، هناك تاريخ طويل من التداخل لا يمكن اختزاله في تعريف واحد. كأن الثقافة كانت تعرف منذ زمن بعيد ما عجزت السياسة عن فهمه ،أن الاختلاف لا يمنع صناعة شيء مشترك، وأن الإنسان يستطيع أن يأخذ من الآخر دون أن يفقد نفسه.

ربما لهذا لا ينبغي أن نبحث عن الهوية السودانية في سؤال: من أين جاء هذا الإنسان؟ فقط، بل في سؤال آخر أكثر اتساعًا: ماذا صنعنا معًا؟ فالهوية ليست فقط ما ورثناه؛ إنها أيضًا ما أضفناه إلى بعضنا. وهي لا تتكون في لحظة الميلاد وحدها، بل في السنوات التي يعيش فيها الإنسان بين الآخرين، يأخذ منهم شيئًا ويترك فيهم شيئًا، ثم يكتشف بعد زمن أن جزءًا من صورته عن نفسه جاء أصلًا من هؤلاء الذين كان يظن أنهم مختلفون عنه.

واللغة مثال واضح على ذلك. العربية السودانية نفسها تحمل تاريخًا طويلًا من التداخل، في مفرداتها وإيقاعها وطرق نطقها، كما تحمل اللغات السودانية الأخرى ذاكرات وثقافات لم تكن يومًا هامشًا زائدًا على السودان، وإنما جزءًا من تكوينه. ولذلك فإن محاولة اختزال السودان في لغة واحدة أو ثقافة واحدة لا تعني فقط حذف جزء من الماضي، وإنما تعني أيضًا حذف جزء من الإنسان الذي صنع هذا الماضي. فاللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب؛ إنها طريقة لرؤية العالم، وحين نحتقر لغة الآخر فإننا لا نحتقر الكلمات فقط، وإنما نحتقر العالم الذي جاءت منه.

وهنا يصبح السؤال الثقافي أهم من السؤال الذي تفرضها الحرب. فبدل أن نسأل: من هو السوداني الحقيقي؟ ربما ينبغي أن نسأل: ما الذي يستطيع السودانيون أن يصنعوه معًا؟ هذه ليست مسألة لغوية أو أدبية فقط، وإنما طريقة مختلفة للنظر إلى الوطن. فالوطن ليس بالضرورة المكان الذي يتشابه فيه الناس ، ربما يكون المكان الذي يتعلمون فيه كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى كراهية.

وهنا يمكن أن نستعيد د. فرانسيس دينق، الذي انشغل طويلًا بتفكيك تعقيد الهوية السودانية، ورأى أن أزمة الهوية لا يمكن فصلها عن الطريقة التي يعرف بها الإنسان نفسه، وعن الطريقة التي يعرفه بها الآخرون. وفي كتابه (صراع الرؤى ) جعل أزمة الهوية السودانية جزءًا من صراع أوسع حول كيفية تعريف الذات السودانية ومن يملك حق تعريفها. لكن ربما نحتاج إلى الذهاب أبعد من ذلك: فالسؤال ليس فقط من يعرّف السوداني؟ بل لماذا نحتاج أصلًا إلى تعريف نهائي للسوداني؟ لماذا لا يكون السوداني هو ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يحمل داخله أكثر من ذاكرة، وأكثر من انتماء، وأكثر من مكان، دون أن يشعر بأن عليه أن يختار واحدًا منها كي يكون مقبولًا؟

هنا تعود عبارة درويش (أنا المتعدد ) لتأخذ معنى جديدًا. ليست المسألة أن نقول إننا متعددو الانتماءات ثم نعود إلى ممارسة الإقصاء نفسه. التعدد الحقيقي يبدأ عندما أقبل أن تكون للآخر ذاكرة لا تشبه ذاكرتي، وأن يكون له مكان يحبه لا أحبه، ولغة يشعر أنها بيته، وتاريخ يراه من زاوية مختلفة عن زاويتي. التعدد ليس أن نعيش جنبًا إلى جنب فقط، وإنما أن نعرف أن صورتنا عن أنفسنا لن تكتمل من دون الصورة التي يحملها الآخر عن نفسه.

وهذا ربما هو المعنى الأكثر عمقًا في فكر سعيد: أن الثقافة ليست جزرًا منفصلة، وأن التاريخ لا يُكتب من صوت واحد. كان سعيد يرى أن الروايات والهويات تتداخل، وأن محاولة جعل الثقافة نقية ومغلقة تخفي علاقات تاريخية طويلة من التفاعل والتأثير المتبادل. وفي هذا المعنى يصبح الوقوف عند الحدود بين الهويات فرصة للرؤية، لا دليلًا على الضياع. فالإنسان الذي يستطيع أن يرى عالمين في الوقت نفسه قد يرى في كل واحد منهما ما لا يستطيع أن يراه من يعيش داخله وحده.

وفي السودان، نحن بحاجة إلى استعادة هذا المعنى، لا باعتباره نظرية ثقافية، وإنما باعتباره طريقة لاستعادة الإنسان نفسه. فربما يكون الخطر الحقيقي الذي تركته الحرب ليس فقط أنها جعلت الناس يخافون من بعضهم، بل أنها جعلت بعضهم ينسى أن الآخر كان جزءًا من حياته قبل أن يصبح جزءًا من خطابه. كم مدينة سودانية لا يمكن أن تُروى بذاكرة واحدة؟ كم بيتًا كان يجمع أكثر من قبيلة؟ كم حيًّا كان يتجاور فيه القادم من مكان بعيد مع ابن المكان؟ كم أغنية حفظها السودانيون جميعًا دون أن يسألوا صاحبها عن قبيلته؟ وكم حكاية عبرت من منطقة إلى أخرى حتى لم يعد أحد يعرف أين بدأت؟

هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو بعيدة عن سؤال الهوية، لكنها ربما تكون أقرب إليه من كل التعريفات السياسية؛ لأن الهوية لا تعيش فقط في الكتب والدساتير، وإنما تعيش في الأشياء التي نفعلها دون أن نفكر فيها: في طريقة السلام، وفي الجيرة، وفي المائدة، وفي الأغنية، وفي اللهجة، وفي النكتة، وفي الحكاية التي يعرفها الجميع حتى لو اختلفوا في تفسيرها. هناك، في هذه التفاصيل اليومية، تتشكل هوية أكثر صدقًا من الهوية التي تُفرض من أعلى من الأنظمة .

وهنا يمكن للثقافة أن تفعل شيئًا لا تستطيع السياسة وحدها أن تفعله ،أن تعيد الإنسان إلى صورته المركبة. أن تقول له: أنت لست قبيلتك وحدها، ولا منطقتك وحدها، ولا لونك، ولا لغتك ، ولا تاريخ جماعتك وحده؛ أنت أيضًا ما أخذته من الآخرين، وما تركه الآخرون فيك. وربما لهذا تكون الثقافة أحيانًا أكثر قدرة على بناء الجسور من الخطاب السياسي، لأنها لا تطلب من الإنسان أن يتنازل عن نفسه لكي يقترب من الآخر، وإنما تكتشف له أن جزءًا من نفسه موجود أصلًا في هذا الآخر.

وربما لهذا يصبح سؤال الهوية، بعد الحرب، سؤالًا عن الذاكرة أيضًا. هل سنحتفظ فقط بما يؤكد جراحنا؟انقسامنا ؟ أم سنحتفظ كذلك بما يذكرنا بأننا عشنا معًا قبل أن نتعلم كيف نكره بعضنا؟ فالذاكرة ليست بريئة دائمًا. يمكن أن تكون وسيلة للنجاة، لكنها يمكن أن تصبح أيضًا وسيلة للانتقام. وحين تصبح الذاكرة مشروعًا لإثبات أنني كنت الضحية الوحيدة، يتحول الماضي إلى جدار جديد بدل أن يكون درسًا للمستقبل.

وهنا نعود مرة أخرى إلى درويش: (أنتمي لسؤال الضحية) ، ربما كان هذا هو الطريق الوحيد الذي يسمح للذاكرة بأن تبقى أخلاقية، أن أتذكر جرحي دون أن أنكر جرح الآخر، وأن أقول: هذه مأساتي، لكنني لا أحتاج إلى إلغاء مأساتك لكي أعترف بها. وهذا لا يعني مساواة الضحية بالجلاد، ولا محو المسؤولية، ولا تحويل التاريخ إلى مصالحة سهلة، وإنما يعني أن نرفض أن يصبح الجراح ملكية حصرية لجماعة واحدة.
السودان يحتاج إلى ذاكرة تستطيع أن تتسع لأكثر من جرح، وإلى ثقافة تستطيع أن تقول إن اختلاف الروايات لا يعني بالضرورة اختلاف البشر إلى درجة يستحيل معها العيش المشترك. فكل جماعة تحمل روايتها، وكل رواية تحمل جزءًا من الحقيقة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الرواية من ذاكرة إلى عقيدة، ومن حق في التذكر إلى حق في إلغاء ذاكرة الآخرين.

وهنا ربما نفهم لماذا لا تكفي إعادة بناء الدولة وحدها. يمكن أن نبني مؤسسات جديدة، ونكتب دستورًا جديدًا، ونرسم حدودًا إدارية جديدة، لكن إذا بقي الإنسان يحمل في داخله صورة الآخر بوصفه خطرًا، فإن كل بناء خارجي سيظل هشًا. الإنسان هو المكان الأول الذي يجب أن يُعاد بناؤه، وهذه ليست مهمة السياسي وحده ،إنها مهمة الكاتب والشاعر والموسيقي والمسرحي والمعلم والناشر والفنان، ومهمة الأسرة والمدرسة والجامعة، وكل من يستطيع أن يعيد صياغة صورة الآخر في الوعي اليومي.

ربما نحتاج إلى ادب سوداني جديد لا يسأل فقط: من قتل من؟ بل يسأل أيضًا كيف أصبحنا قادرين على قتل الصورة التي كانت لنا عن بعضنا؟ نحتاج إلى روايات تسمح للآخر أن يتكلم بصوت عالي لا أن يظهر دائمًا في روايتنا نحن. نحتاج إلى شعر لا يجعل القبيلة قدرًا، ولا اللون مصيرًا، ولا الجغرافيا حكمًا نهائيًا على الإنسان. ونحتاج إلى ثقافة تقول إن السودان لا يحتاج إلى أن يصبح أقل تنوعًا لكي يصبح وطنًا؛ ربما يحتاج فقط إلى أن يصبح أكثر قدرة على الاعتراف بتنوعه.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن (أنا المتعدد)ليست نهاية السؤال؛ إنها بدايته. فإذا كان الجزء الثاني قد انتهى بنا إلى (أنت مع من؟) فإن الجزء الثالث يذهب إلى السؤال الذي ربما يكون أكثر إنسانية: كيف نعيش معًا؟

ليس المطلوب أن يصبح السودانيون نسخة واحدة من بعضهم، وليس المطلوب أن تختفي القبيلة، أو اللغة، أو المنطقة، أو الذاكرة، أو الدين، أو الثقافة. المطلوب فقط ألا تتحول أي واحدة من هذه الأشياء إلى سلاح ضد الإنسان. فالوطن الذي يطلب من مواطنيه أن يتشابهوا كي يعيشوا معًا وطن خائف من نفسه، أما الوطن الذي يستطيع أن يعيش اختلافه، فهو وطن بدأ أخيرًا يفهم معنى وجوده.

وربما لهذا فإن السؤال الذي تركه درويش وسعيد لنا لا يحتاج في النهاية إلى إجابة واحدة. فالهوية ليست امتحانًا له إجابة نموذجية؛ إنها حوار مستمر بين الإنسان وماضيه، وبين الإنسان ومكانه، وبين الإنسان والآخر، وبين ما ورثه وما اختار أن يكونه. وهذا الحوار، إذا توقف، تتحول الهوية إلى جدار؛ أما إذا استمر، فقد تصبح الهوية بيتًا.
والسودان، بعد كل ما حدث، لا يحتاج إلى بيت جديد بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم كيف يسكن البيت الذي ظل يملكه دائمًا، دون أن يطرد أحدًا من غرفه.

ربما هنا فقط يمكن أن نفهم درويش حين قال: (أنا المتعدد) .فالتعدد ليس أن يكون في داخلي أكثر من صوت فحسب، بل أن أكون قادرًا على أن أرى في الآخر جزءًا من العالم الذي أعيش فيه. وأن أفهم أن اختلافه لا ينقص من وجودي، كما أن وجودي لا يحتاج إلى إلغاء وجوده.

وهنا ينتهي الحوار، دون أن تنتهي الأسئلة.
فربما لا يكون مستقبل السودان في أن يكتشف أخيرًا (من هو السوداني الحقيقي ). وإنما في أن يتوقف عن البحث عن سوداني واحد.
ويقبل، للمرة الأولى، أن السودان الحقيقي هو هؤلاء جميعًا.

أنا المتعدد.
وأنت المتعدد.
وربما، بين ( أنا ) و ( أنت ) يبدأ الوطن. (انتهت السلسلة ). عبدالعزيز ابوعاقلة لندن اغسطس 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..