مقالات وآراء

أصبح الجوع دليلاً على خطأ الحرب

بقلم: حسن عبد الرضي

كنا، وما زلنا، ندعو إلى وقف الحرب؛ لا لأننا نحب الهزيمة، ولا لأننا نكره الوطن، ولا لأننا نريد أن نمنح أحداً انتصاراً سياسياً على أحد، وإنما لأننا كنا نرى منذ البداية ما كان ينبغي للعقل أن يخطئ في رؤيته: أن الحرب، حين تطول، لا تحصد الأرواح وحدها، وإنما تحصد معها أسباب الحياة.

قلنا إن الحرب ستقتل الزرع قبل أن تقتل الإنسان، وستقطع الطرق والأسواق، وستشرّد المزارعين، وستعطّل التجارة، وسترفع الأسعار، وستصيب العملة المحلية في مقتل، بل وسوف تطلق عليها وابلاً من الرصاص، وستدمر الخدمات، وستمنع الغذاء والدواء من الوصول إلى المحتاجين. وقلنا إن الجوع ليس حادثاً منفصلاً عن الحرب، وإنما هو أحد وجوهها الطبيعية.
لكن حكومة الوهم لم تكن تريد أن تسمع. كان كل من يتحدث عن خطر المجاعة يُقابل بالتسفيه والاتهام، وكأن التحذير من جوع السودانيين خيانة للوطن! وكانت تقارير المنظمات الدولية تُقابل بالاستخفاف، ويخرج علينا من يتحدثون بثقة عجيبة عن أن السودانيين لن يجوعوا!
يا للعجب! كأن الجوع يخضع للبيانات الرسمية! وكأن المعدة السودانية لديها حصانة وطنية ضد الحرب! وكأن الطفل الذي لا يجد الطعام يستطيع أن يشبع بالخطاب السياسي! وكأن المزارع يستطيع أن يزرع حقله تحت القصف، والتاجر يستطيع أن ينقل بضاعته عبر الطرق المقطوعة، والمواطن يستطيع أن يشتري ما لا يصل إلى الأسواق! لقد كان ذلك التفكير محاولةً للهروب من الحقيقة، لا مواجهةً لها.
والحقيقة اليوم أكثر قسوة من أن تُخفى ببيان أو تصريح. فقد أكدت بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في مايو ٢٠٢٦ أن نحو ١٩.٥ مليون سوداني كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو ١٣٥ ألف شخص في مرحلة الكارثة، مع وجود مناطق مهددة بالمجاعة. كما ربطت التقارير بصورة مباشرة بين استمرار النزاع والنزوح والقيود على وصول المساعدات وبين تفاقم الأزمة الغذائية. وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً. لقد كنا نقول: أوقفوا الحرب قبل أن تجوع البلاد. لم نكن نقرأ الغيب. بل كنا نقرأ منطق الأشياء. فحين تُهجّر الحرب الملايين من بيوتهم، وتُعطّل الزراعة، وتنهار الأسواق، وتُغلق الطرق، وتتوقف المصانع، ويتعطل الاقتصاد، وتُدمّر المستشفيات، ويصبح وصول المنظمات الإنسانية إلى المحتاجين شديد الصعوبة، فإن النتيجة لا تحتاج إلى نبوءة. إنها معادلة بسيطة: حرب + نزوح + تعطيل الإنتاج + انهيار الأسواق + صعوبة وصول المساعدات = جوع. ولهذا فإن الدعوة إلى وقف الحرب لم تكن دعوةً عاطفية كما حاول البعض تصويرها، بل كانت دعوةً إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسان والوطن. وقد أثبتت السنوات الماضية أن المجاعة لا تأتي دائماً لأن الأرض عقمت، وإنما قد تأتي لأن الحرب منعت الإنسان من الوصول إلى الأرض، ومنعت الغذاء من الوصول إلى الإنسان.

السودان بلد غني بالأرض والمياه والموارد، لكن الثروة وحدها لا تطعم الناس إذا تحولت البلاد إلى ساحة قتال. وما قيمة الحقول إذا هجرها أهلها؟ وما قيمة الأسواق إذا انقطعت طرقها؟ وما قيمة المحاصيل إذا تعذر نقلها؟ وما قيمة المخازن إذا أصبحت مناطق القتال حولها؟ وما قيمة المساعدات إذا مُنع وصولها إلى الذين يحتاجونها؟ لقد كانت المشكلة منذ البداية أن بعض أهل السلطة كانوا يتعاملون مع الحرب باعتبارها معركة بيانات وشعارات وانتصارات إعلامية، بينما كان المواطن يخوض معركة أخرى: معركة البقاء. المواطن لا يأكل الانتصارات المعلنة في البيانات. ولا يطعم أبناءه من خطب البرهان المكرورة. ولا يشتري الدواء بالشعارات. ولا يستطيع أن يسد جوع طفل بكلمة «النصر قريب». والأخطر من ذلك أن إنكار الجوع لا يمنع الجوع، تماماً كما أن إنكار المرض لا يشفي المريض. كان المطلوب أن نستمع إلى التحذيرات المبكرة، لا أن نشتم الذين أطلقوها. كان المطلوب أن نتعامل مع تقارير المنظمات الدولية باعتبارها أدوات للإنقاذ، لا مؤامرات سياسية. وكان المطلوب أن نسأل: كيف نوقف أسباب المجاعة؟ وأول هذه الأسباب، كما أثبت الواقع والتقارير المتتابعة، هو استمرار الحرب وما ينتج عنها من نزوح ودمار وانقطاع في سبل العيش ووصول المساعدات.
لقد كان يمكن للذين كانوا يسخرون من حديث المجاعة أن يتواضعوا قليلاً أمام الحقيقة. فليس عيباً أن يخطئ الإنسان في تقديره. العيب أن يرى الحقيقة أمامه ثم يواصل إنكارها. وليس عيباً أن يتراجع المسؤول عن موقف سابق. العيب أن يدفع شعب كامل ثمن المكابرة. إن وقف الحرب اليوم ليس ترفاً سياسياً، ولا شعاراً رومانسياً، ولا تنازلاً عن حقوق السودانيين. إنه، قبل كل شيء، ضرورة لإنقاذ الإنسان السوداني من الموت والجوع والنزوح واللجوء والانهيار. فالبلاد التي تريد أن تنتصر في المستقبل تحتاج أولاً إلى أن يبقى شعبها حياً. والدولة التي تريد أن تعيد بناء نفسها تحتاج إلى مواطن يجد الطعام قبل أن يجد الخطاب السياسي. والوطن الذي نريد أن نختلف من أجله غداً يجب ألا نفقد أبناءه اليوم.
لقد قالت الأيام كلمتها. وما كنا نحذّر منه لم يكن وهماً. كان الجوع يقف خلف الحرب، ينتظر أن تطول. والآن صار الجوع نفسه شاهداً على أن الحرب ليست طريقاً إلى إنقاذ السودان، وإنما واحدة من أكبر أبواب هلاكه. ولهذا سنظل نقول: أوقفوا الحرب. ليس لأننا نحب طرفاً أو نكره طرفاً، وإنما لأننا نحب السودان. ولأن الإنسان السوداني أغلى من أن يكون وقوداً لحرب لا تنتهي. فإذا كان الوطن هو الإنسان، فإن إنقاذ الإنسان هو أول انتصار للوطن.
كلمة لا بد منها الى الذين كانوا يصدعوننا بعبارة: بل بس!! وأصبح يشكون، اليوم، من سوء الحال، نقول لهم هم وحدهم: بل بس!! كما يصرخ الدولار اليوم متحديا فكي جبريل وكامل ادريس بعبارة: بل بس!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..