مقالات وآراء

العدالة الإنسانية (1-3)

عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ

مدخل إلى ميثاق إنساني للتعايش الديني والمجتمعي

إن السلام المستدام لا يُبنى على موازين القوة وحدها، ولا على تسويات سياسية مؤقتة، ولا على توزيع المناصب والثروة بين النخب المحاصصات .
يبدأ عندما يشعر الفرد أن حياته مصونة، وكرامته محفوظة، وحقوقه لا تتوقف على دينه أو عرقه أو لونه أو قبيلته أو منطقته أو انتمائه السياسي.
ومن هنا تأتي العدالة الإنسانية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية الإنسانوية؛
فالإنسانوية تنطلق من الإنسان، من كرامته وحريته وحقه في الحياة، بينما تسعى العدالة الإنسانية إلى تحويل هذه المبادئ إلى واقع اجتماعي وسياسي وقانوني يضمن للإنسان أن يعيش آمناً، حراً، ومتساوياً مع الآخرين.
العدالة الإنسانية، في أبسط تعريفاتها، هي أن يُعامل الإنسان بوصفه إنساناً، قبل أي تصنيف آخر.
وهي تعني أن تكون كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته الأساسية متساوية، وأن لا يكون الدين أو العرق أو اللون أو الأصل أو القبيلة أو الجهة أو النوع أو الموقف السياسي سبباً للتمييز أو الإقصاء أو الانتقاص من الحقوق.
فالعدالة الإنسانية لا تعني إلغاء الاختلاف بين البشر، وإنما تعني إدارة الاختلاف بعدالة؛ بحيث لا يتحول الاختلاف إلى كراهية، ولا المنافسة إلى صراع، ولا التنوع إلى سبب للتمييز.
العدالة الإنسانية لا تعني إسقاط العدالة الجنائية، ولا تعني تجاهل الجرائم أو الإفلات من العقاب.
لكنها ترفض أن تتحول العدالة إلى وسيلة للانتقام، أو إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية.
فالعدالة الحقيقية تحمي الضحية، وتحاسب الجاني وفق القانون، وتحفظ في الوقت نفسه للإنسان كرامته وحقوقه الأساسية.
ولهذا فإن العدالة الإنسانية يمكن أن تكون أساساً جامعاً بين العدالة القانونية والعدالة الاجتماعية والعدالة السياسية، دون أن تتحول أي منها إلى أداة للتمييز أو الإقصاء.
لا يمكن أن نبني سلاماً دائماً في مجتمع يشعر فيه جزء من الناس أنهم أقل قيمة من غيرهم، أو أن حقوقهم مرتبطة بقوة السلاح، أو بالقرب من السلطة، أو بالانتماء الدين او القبلي أو الجهوي.
السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة دولته، وأن القانون يحميه، وأن فرص التعليم والعمل والخدمات لا تُمنح على أساس المحسوبية أو الانتماء، وإنما على أساس الحق والكفاءة والعدالة.
فالسلام ليس مجرد توقف إطلاق النار.
السلام هو أن يستطيع الإنسان أن يعيش حياته الطبيعية دون خوف.
أن يأمن على نفسه وأسرته، وأن يستطيع أن يعمل ويتعلم ويتنقل ويختلف مع الآخرين دون أن يتحول اختلافه إلى تهديد لحياته أو كرامته.
وفي السودان، حيث امتدت الحروب والصراعات السياسية والاجتماعية، وأصبح الإنسان هو الخاسر الأكبر، تبدو الحاجة إلى العدالة الإنسانية أكثر إلحاحاً.
لقد أثبتت التجربة أن معالجة الأزمة السودانية بمنطق القوة وحده لم تنتج سلاماً دائماً، وأن الصراع على السلطة والثروة والمواقع لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من الانقسام والخوف وفقدان الثقة.
ولذلك فإن الخروج من الأزمة لا يحتاج فقط إلى اتفاق بين القوى السياسية والعسكرية، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع.
نحتاج إلى دولة يشعر فيها السوداني، أياً كان أصله أو دينه أو لونه أو منطقته، بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات.
وهنا تصبح العدالة الإنسانية مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين السودانيين.
كثير من صراعاتنا تبدأ بالخوف من الآخر: الخوف من اختلافه، أو من هويته، أو من منطقته، أو من دينه، أو من أفكاره.
وعندما يتحول الخوف إلى خطاب سياسي أو ديني أو اجتماعي، يمكن أن يتحول سريعاً إلى كراهية، ثم إلى تمييز، ثم إلى عنف.
لذلك فإن بناء السلام يحتاج إلى معالجة جذور الخوف قبل أن يتحول إلى صراع.
والعدالة الإنسانية تقول لنا إن اختلاف الآخر لا ينتقص من إنسانيتنا، كما أن إنسانية الآخر لا تهدد إنسانيتنا.
نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه حتى نتعايش، وإنما نحتاج إلى أن نحترم إنسانية بعضنا بعضاً.
لا يمكن أن تقوم المواطنة الحقيقية دون عدالة إنسانية.
فالمواطنة ليست مجرد وثيقة أو جنسية، وإنما هي شعور بالانتماء والمساواة أمام القانون، وحق متساوٍ في المشاركة في الحياة العامة، والحصول على الخدمات والفرص، وحماية الحقوق والحريات.
ومن هنا فإن العدالة الإنسانية هي الجسر الذي يربط بين كرامة الإنسان والمواطنة والدولة المدنية.
فكلما شعر الإنسان أن كرامته مصونة، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من مواطنيها، تراجعت دوافع العنف والإقصاء، ونمت الثقة في الدولة والمجتمع.
إن السلام الذي نحتاجه في السودان لا ينبغي أن يكون مجرد سلام تفرضه موازين القوة أو تصنعه القوى الخارجية أو تكتبه النخب بعيداً عن الناس إنما هو الذي نثنعه نحن بتجاربنا وخبرتنا التراكمية .
نحن بحاجة إلى سلام نراه بعيوننا نحن، ونبنيه وفق احتياجات الإنسان السوداني.
ولهذا فإن العدالة الإنسانية هي أول طريق السلام.
فحين يشعر الإنسان أن حياته وكرامته وحقوقه مصونة، يصبح أكثر استعداداً لقبول الآخر، وأقل خوفاً منه، وأكثر قدرة على المشاركة في بناء مجتمع يسع الجميع.
إننا نبحث عن قاعدة إنسانية مشتركة تسمح لنا بأن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.

إن السودان الذي نريده ليس سودان الغالب والمغلوب، ولا سودان القبيلة والجهة، ولا سودان المنتصر والمهزوم؛ وإنما سودان الإنسان.
سودان تكون فيه كرامة الإنسان أساساً للمواطنة، والعدالة الإنسانية أساساً للسلام، والتنوع أساساً للوحدة، والحرية أساساً للتعايش.
والعدالة الإنسانية هي الطريق الذي يقودنا من الخوف إلى الأمان، ومن الكراهية إلى التعايش، ومن الحرب إلى السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..