عندما تصبح المرأة جبهة للحرب

م.عبدالله موسى احمد
ماذا فعل صانع محتوي بدينا؟
قصة إنسانية كشفت كيف تبتلع الاستقطاباتُ أصحابَها
لم يكن أحد يتوقع أن يتحول مقطع لامرأة تجلس في الشارع مع طفليها إلى قضية تتجاوز حدود المساعدة الإنسانية. ظهرت دينا في فيديو صوره صانع محتوى مصري أثناء إحدى جولاته لمساعدة الحالات الإنسانية، فانتشر المشهد سريعاً، ثم بدأت الأسئلة عن من هي؟ وما جنسيتها؟ ولماذا وصلت إلى هذا الوضع؟
لكن السؤال الإنساني البسيط سرعان ما تراجع أمام أسئلة السياسة والهوية.
دخلت القصة في سجالات مرتبطة بالحرب السودانية وظهرت روايات مختلفة حول هوية دينا وظروفها واستخدمت صورتها في نقاشات أوسع حول السودانيين في مصر واللجوء والتسول. وبين رواية تدافع عنها وأخرى تشكك فيها، تحولت المرأة من صاحبة قصة إلى موضوع تتنازعه الروايات.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فمن حق الجمهور أن يسأل ويتحقق لكن ليس من حق أحد أن يحوّل امرأة في وضع هش إلى مادة للتشهير أو أن ينسب إليها ما لا يملك دليلاً عليه. كما أن اختلاف الروايات حول جنسيتها لا يبرر التشكيك في إنسانيتها أو كرامتها.
وبحسب المعلومات المتداولة، تحمل دينا الجنسية السودانية، ولها أم مصرية وأب سوداني، وعاشت معظم حياتها في مصر. وهذه التفاصيل مثل غيرها من المعلومات المتعلقة بوضعها القانوني والاجتماعي، ينبغي أن تُحسم بالوثائق والجهات المختصة، لا بالتخمين أو المزايدة على المنصات.
لكن حتى لو اختلفنا حول كل التفاصيل، تبقى حقيقة واحدة واضحة عن امرأة وأطفال في وضع معيشي صعب يحتاجون إلى حل، لا إلى معركة إلكترونية.
قصة دينا تكشف أيضاً جانباً أعمق في علاقتنا بمواقع التواصل. فالكاميرا التي تبدأ بنية المساعدة يمكن أن تتحول بعد الانتشار، إلى مصدر ضغط إضافي على صاحب القصة. وكلما زادت المشاهدات اتسعت دائرة التأويل والتعليق والحكم.
هنا تقع مسؤولية صانع المحتوى والإعلامي معاً فى أن يتذكر أن وراء الصورة إنساناً، وأن نشر القصة لا ينبغي أن يضاعف أذى صاحبها.
كما أن قضية دينا لا ينبغي أن تتحول إلى اختبار للعلاقة بين مصر والسودان. فالروابط الاجتماعية بين البلدين أقدم وأعمق من سجال عابر على مواقع التواصل والوجود السوداني في مصر، كما الوجود المصري في السودان، ليس مجرد ملف سياسي يمكن اختزاله في مقطع فيديو.
الجنسية شأن قانوني، أما الكرامة فحق إنساني.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس هو هل دينا مصرية أم سودانية؟ وإنما لماذا وصلت إلى الشارع ومن يستطيع مساعدتها وأطفالها على استعادة حياة مستقرة وآمنة؟
هذه هي النقطة التي يجب أن ينتقل إليها النقاش.
لقد تحدث كثيرون عن دينا ودافع عنها بعضهم وانتقدها آخرون واختلفوا حول هويتها وقصتها. لكن صاحبة القصة نفسها بقيت في الظل.
وربما آن الأوان أن تتغير المعادلة فى أن توضح دينا فى الروايات التي صيغت حولها وأن تُسمع شهادتها بنفسها، بعيداً عن الاستقطاب السياسي والتشهير.
فدينا ليست الجيش ولا الدعم السريع ولا مصر في مواجهة السودان. إنها امرأة وأم وجدت نفسها في ظرف قاسٍ.
وعندما تتحول معاناة امرأة إلى جبهة في حرب الروايات، فإن السؤال لا يعود هو من انتصر في الجدل؟ لكن ماذا خسرنا من إنسانيتنا؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
[email protected]



