مقالات وآراء

السودان الذي نريد

بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم

نريد سوداناً لا قبيلة فيه ولا تعصب، ولا يُسأل فيه المرء عن جنسه ولا أصله، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها منتنة”، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

نريد شعباً محترماً يدرس مادة الأخلاق والعمل من الروضة حتى الجامعة، ويدرس مادة التدبير المنزلي، وينشأ على أن النظافة عبادة، والإنتاج شرف لا يضاهيه شرف.

ونريد منهجاً يربي لا يلقن
منهجاً يعلم النشء ألا يسخروا من بعض المناطق، وألا يحتقر بعضهم بعضاً.
منهجاً يعلم الطفل أن السرقة حرام، وأن سرقة المال العام أشد حرمةً وأعظم جرماً، وأنها خيانة لله ورسوله وللوطن.

نريد وطناً نظيفاً
تكون طرقاته نظيفة، ورمي القمامة في الطريق جريمة يحاسب عليها القانون حساباً عسيراً.
نريد سيارة النفايات تمر بالتعاون مع أهل الحي كل يوم، ومصنعاً في كل مدينة يُدوّر النفايات ويحولها من عبءٍ إلى ثروة، ومن قبحٍ إلى منفعة.

نريد مسؤولاً خادماً لا سيداً
نريد الوالي بسيارةٍ واحدة، وسلطاتٍ واضحةٍ محددة، ومقياس أداءٍ لا يجامل. فإن أحسن شكرناه، وإن فشل أُقيل غير مأسوفٍ عليه.

نريد إذا رأينا الشرطة أحسسنا بالأمان.
نريد الشرطي يحيي المواطن ويقول له: “مرحباً بك في حماية الشرطة”.
ولا نريد شرطياً يبطش بالمواطن لصالح المحليات الجائرة الظالمة.

نريد محليات تدعم النمو لا تقتله، وتسند الاقتصاد لا تثقل كاهله بالجبايات والرسوم.
ونريد إلغاء نقاط التفتيش التي أذلت العباد وعطلت البلاد نهائياً.

نريد نظاماً يحفظ الكرامة
نريد حماماً في كل دكان إلزاماً، فستر العورة وحفظ الكرامة حق.
ونريد تجريم ضرب الأطفال وترويعهم، وعقوبته غرامة كبيرة مع السجن على كل من تسول له نفسه المساس بطفل.
ونريد تجريم معاكسة البنات في الطرقات، وعقوبته غرامة رادعة مع السجن.
ونريد تجريم الجلوس العابث في الطرقات وقطع الطريق على المارة.

نريد وعياً وحزماً
نريد رقابة إلكترونية، وراداراً إلكترونياً يضبط المخالفات بلا مجاملة ولا محسوبية.
ونريد كاميرات مراقبة تضبط الأمن وتحفظ الحقوق.

نريد معلماً مهذباً مكرماً، وراتباً يكفيه ذل السؤال.

نريد ثقافة التعليم الذاتي تنتشر في كل بيت.
نريد في كل حي مؤسسة للتدريب المهني ولتنمية المرأة وتمكينها، ومكتبةً في كل حي تنير العقول.

نريد صحةً بضمير
نريد المستشفى ملاذاً آمناً للمريض والمرافق، يجد فيه العناية لا المعاناة.
نريد طبيباً عنده ضمير، لا يبيع شرف المهنة بعرضٍ من الدنيا.
نريد طبيباً محترماً، وليس تاجراً يتاجر بدماء المرضى وآلامهم.

نريد منبراً يوقظ الأمة
نريد خطيب الجمعة يركز جهده في توعية الناس وحثهم على التطوير، يذكرهم بفوائد النظافة والتشجير والإنتاج.
نريد خطيباً يصدع بالحق، يحارب الرشوة والفساد، ولا يخشى في الله لومة لائم.

نريد المسجد مؤسسة تربوية حاضنة، لا يُطرد فيه الأطفال بل يُحتضنون ويُحببون.

نريد أن نشجع الإنتاج بالفعل لا بالخطب الفارغة، وبالعمل لا بالشعارات الجوفاء.

هذا هو السودان الذي نريد
سودانٌ نظيفٌ عفيفٌ منتجٌ، حاكمه خادم، وشرطيه أمان، ومعلمه قدوة، وطبيبه رحيم، ومسجده مدرسة، وشارعه آمن، وكرامة إنسانه مصانة.

‫2 تعليقات

  1. نريد سوداناً يكون أساس الانتماء فيه **المواطنة، لا الدين**؛ سوداناً يكون فيه الإنسان مواطناً كامل الحقوق والواجبات، أياً كان دينه أو معتقده أو ثقافته.

    نريد سوداناً يصون حريات مواطنيه ويحترمهم فرداً فرداً، ويضع كرامة الإنسان وحقوقه واحتياجاته في قلب سياساته ومؤسساته.

    نريد سوداناً يحتفي بتنوعه الديني والثقافي واللغوي، ويرى في هذا التنوع ثراءً لا تهديداً، ويقف من جميع أديان مواطنيه ومعتقداتهم على مسافة واحدة، دون تمييز أو تفضيل.

    نريد دولةً تكون مؤسساتها للجميع، وقوانينها على الجميع، وحقوقها مكفولة للجميع.

    نريد معلماً مكرماً، وطبيباً رحيماً، وشرطياً يحمي ولا يخيف، ومستشفى يصون كرامة المريض، ومدرسة تفتح أبوابها لكل طفل، ومسجداً وكنيسةً وسائر دور العبادة يمارس فيها الناس شعائرهم بحرية وأمان.

    نريد سوداناً نظيفاً، آمناً، منتجاً وعادلاً؛ **دولةً يكون فيها اختلافنا سبباً للتعارف والتعايش، لا سبباً للإقصاء والتمييز.**

    هذا هو السودان الذي نريد:
    **سودان المواطنة، والحرية، والكرامة، والعدالة، والتنوع.**

  2. مقال رائع يلامس جوهر الأزمة السودانية الحقيقية – ليست أزمة موارد أو جغرافيا، بل أزمة قيم ومؤسسات.

    ما يميز هذا الطرح أنه لا يكتفي بالشعارات، بل ينزل إلى التفاصيل التي تُبنى منها الأوطان فعلاً: شارع نظيف، شرطي يبعث الطمأنينة لا الخوف، معلم يُصان له كرامته قبل أن يُطلب منه أن يصون كرامة غيره. هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي جوهر العقد الاجتماعي بين المواطن ودولته.

    الأجمل في المقال أنه ربط بين النص الديني والمطلب المدني دون تكلّف – فالنظافة عبادة، والأمانة على المال العام خيانة لله والوطن معاً. هذا الربط ضروري في مجتمعنا لأنه يخاطب الوجدان قبل العقل.

    نعم، السودان الذي نريده يبدأ من هذه التفاصيل: حاكم خادم لا سيد، وشرطي أمان لا بطش، ومسجد يحتضن لا يطرد. كلمات بسيطة لكنها تختصر مسافة طويلة بين الواقع والطموح.

    بارك الله في القلم الذي يكتب بصدق عن وطن يستحق الأفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..