
إذا استطعنا أن نتفق على أن الإنسان هو الأصل، وأن كرامته غير قابلة للانتقاص بسبب دينه أو لونه أو قبيلته أو أصله أو لغته أو ثقافته، فإن كثيرًا من الصراعات التي عرفها السودان يمكن إعادة النظر فيها من زاوية مختلفة.
كيف نبني دولة يعيش فيها كل سوداني أنه إنسان كامل الكرامة والحقوق؟
كيف تستطيع كل هوياتنا أن تعيش معًا دون أن تلغي إحداها الأخرى؟
هذه هي النقلة التي أراها ضرورية: من صراع الهويات إلى تعايش الهويات، ومن البحث عن هوية تلغي الآخر إلى البحث عن هوية إنسانية تحمي وتجمع الجميع.
إن الهوية الإنسانية ليست شعارًا فلسفيًا مجردًا، وإنما يمكن أن تكون أساسًا عمليًا لبناء الدولة السودانية.
فحين نضع الإنسان أولًا، تصبح المواطنة مساواة، وتصبح الدولة ملكًا للجميع، ويصبح القانون فوق الانتماءات، ويصبح التنوع مصدر ثراء لا سببًا للصراع.
لسنا مطالبين بأن نتخلى عن تاريخنا وثقافاتنا وأدياننا ولغاتنا وهوياتنا المحلية بل يجب أن نسلك الطريق لتتعايش .
أننا جميعًا بشر، وأن إنسانيتنا هي المساحة المشتركة التي يمكن أن نلتقي فيها دون أن نفقد اختلافاتنا.
ومن هنا يمكن أن يبدأ بناء السودان الذي نريده
دولةً يكون فيها الإنسان مواطنًا كامل الكرامة، ويكون فيها التنوع حقًا، والاختلاف حرية، والعدالة أساسًا، والتعايش طريقًا إلى السلام الذي طال انتظاره والبحث عنه.
وهذه، في جوهرها، هي الفكرة التي يقوم عليها الميثاق الإنساني للتعايش الدينيوالمجتمعي.
فالإنسان قبل القبيلة، وقبل العِرق، وقبل الجهة، وقبل اللون، وقبل اللغة، وقبل الاختلاف الديني والسياسي.
وعندما تصبح إنسانية الإنسان هي نقطة البداية، يمكن أن تصبح المواطنة متساوية، والدولة عادلة، والاختلاف مصدرًا للثراء بدل أن يكون سببًا للصراع.
ومن هنا فإن بناء السودان الذي نحلم به لا يبدأ فقط من الدستور أو المؤسسات أو توزيع السلطة والثروة، وإنما يبدأ أيضًا من إعادة بناء علاقتنا بالإنسان الآخر والدولة.
ومن هذه الحقيقة الإنسانية يمكن أن نبدأ طريق المواطنة، والعدالة، والتعايش، والسلام



