
كان المرحوم إبراهيم عبيد الله والياً على الجزيرة وقد اشتهر بين الناس بكثرة الكلام وصادف أنه كان في زيارة لإحدى قرى الجزيرة وأثناء خطابه أحس بعض القائمين على الأمر بدنو ختام حديثه فذهبوا لإيقاظ سائقه الذي كان يغط في نوم عميق وأخبروه أن الحديث على وشك الانتهاء فبادرهم بسؤال «ذكر البارونة كوكس؟» فأجابوا بالنفي فرد عليهم وهو يعيد الغطاء إلى وجهه «لسه بعيد».
تذكرت تلك النكتة وأنا أستمع إلى بعضهم وهم يلوكون اسم البولس هذا كما قالها البرهان فما من أحدهم يصعد المنبر إلا ويذكر السيد بولس في موقف مشابه لأيام البارونة كوكس ومادلين أولبرايت وقد تفننوا في إسباغ الأوصاف من «عجوز شمطاء» وغيرها من الأوصاف العديدة في رحلة ممتدة بدأوها بكوكس واليوم بتاجر الخردة أو المسعد كما يقولون.
تعاقب عدد من الرؤساء الأمريكيين وظل الأسد النتر جاثماً في حديقته بينما القطيع يخدمه وظلت السياسة الأمريكية كما هي تجاه السودان فالأنظمة هناك لا تحكمها المزاجية وهي غير خاضعة لأهواء الرؤساء أو مزاج زوجاتهم حتى يسعى أحدهم إلى إرضاء السيدة الأولى طمعاً في إرضاء الريس.
تلك دول تضع حداً فاصلاً بين الدولة والحكومة فتتعاقب الحكومات وتظل السياسة التي تخدم مصالح الدولة واحدة خدمةً للشعب في نهاية المطاف بينما نحن يخرجنا النظام اليوم ضد بوش وغداً ضد كلينتون بينما حارسنا وفارسنا ظل واحداً.
وعندما قُدّر لنا أن نزيحه عن السلطة أراد القوم أن يجددوا المنقار لطائرهم فقط لتستمر المسيرة القاصدة كما يروجون وهي مسيرة جربوها من قبل وكان يتقدمها شباب شجعان اختلفت أو اتفقت معهم فقد هجر بعضهم مقاعد العلم والوظيفة واعترف بشجاعتهم وبسالتهم الأعداء قبل الأصدقاء أمثال علي عبد الفتاح ومحمود شريف وغيرهما وكان يجب إدخار تلك الشجاعة والبسالة في مواضع أخرى ورغم ذلك فشلوا لأن الفكرة كما قال المحبوب عبد السلام كانت تحتاج إلى تغيير ومراجعة منذ أن نظر إليها مؤسسها حسن البنا في العام 1928 ولم ينجح من مضوا وهم على ما كانوا عليه فكيف تعيد الكرة بمن يتسيدون الساحة اليوم وهم يعرضون على أنغام ندى القلعة.
قد ينجحون في العودة كما نشاهد اليوم ولكنها عودة قد يلقون فيها مصرعهم فهذه آخر المحاولات وآخر الفرص فحري بهم أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يفوتهم القطار فالديمقراطية كما قال الإمام الصادق المهدي راجحة وعائدة فخير لهم الاصطفاف خلف من يدعون إليها وليجعلوا من صناديق الانتخاب طريقهم نحو الشعب.



