مقالات وآراء
معيار الوظيفة العمومية: الأهل أم الأهلية؟

دكتور الوليد آدم مادبو
قال جدي، الناظر إبراهيم موسى مادبو، رضي الله عنه، حين أعياه إلحاح الأهل في تزكية أحدهم لمنصب العمودية:
«ثلاثة لا يصلحون للحكم: الزاني، والحرامي، وود المسكين.»
لم يقلها جدي ليؤسس مذهباً في الحكم، ولا ليضع نظرية في الشرعية؛ قالها ليحسم جدلاً أهلياً. لكن بعض العبارات أكبر من مناسبتها؛ تمضي المناسبة وتبقى العبارة، ثم تأتي الأيام فتجبرك على العودة إليها، لا بوصفها حكمة ينبغي تقديسها، وإنما بوصفها نافذة تطل منها على عالم كامل كان يرى السلطة بطريقة تختلف جذرياً عن الطريقة التي نزعم أننا نراها اليوم.
فالزاني، في ذلك السياق، ليس مجرد رجل ارتكب محرماً، وإنما رجل انتهك حرمة الجماعة وأشاع الشحناء بين أهلها؛ ومن لا يصون حدود الجماعة لا يُؤتمن على قيادتها. والحرامي أوضح دلالة: من خان الأمانة في المال لا يُؤتمن على مصالح الناس.
أما «ود المسكين»، ففيها تكمن الحكاية كلها. لم يكن جدي يقصد المسكين بمعنى الفقير الذي يستحق العطف، وإنما الرجل الذي لا يملك من الموروث الاجتماعي والمادي ما يمكّنه من حمل أعباء الموقع. فالعمودية، في ذلك العالم، لم تكن وظيفة تجلس إليها خلف مكتب، وإنما مسؤولية تقوم على الضيافة والإعانة وقضاء الحوائج والوقوف مع الناس. ومن لا يملك القدرة على ذلك لا يستطيع، وفق منطق ذلك المجتمع، أن يؤدي الوظيفة التي ينتظرها منه أهله.
وهنا تصبح العبارة أكثر إثارة للاهتمام من مجرد كونها مثلاً شعبياً. فجدي لم يكن يسأل فقط: هل هذا الرجل صالح؟ كان يسأل، دون أن يصوغ السؤال بهذه الطريقة: هل يملك الموارد الاجتماعية والمادية التي تجعل صلاحه قابلاً للتحول إلى سلطة؟
وهذه نقطة تكشفها قراءة بورديو بوضوح؛ فالسلطة لا تقوم على الأخلاق وحدها، وإنما تتغذى من أشكال متعددة من رأس المال: الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والرمزي. وفي المجتمع التقليدي، يستطيع المال والنسب والعلاقات والمكانة أن تتحول إلى نفوذ، بينما قد يكون رجل آخر أكثر علماً ونزاهة، لكنه لا يملك الموارد التي تجعله مرئياً وقادراً على أداء الدور الذي يتوقعه المجتمع من صاحبه.
وبهذا المعنى، فإن «ود المسكين» لم يكن فاسداً، ولم يكن بالضرورة أقل كفاءة؛ كان يفتقر إلى الرأسمال الذي يتطلبه النظام القديم. وهنا تبدأ المفارقة: فالحكمة التي تبدو للوهلة الأولى دفاعاً عن أخلاق الحاكم تحمل في داخلها أيضاً آلية لإعادة إنتاج النخبة؛ إذ يُستبعد الرجل لا لأنه أقل أمانة، وإنما لأنه لا يملك القدرة المادية والاجتماعية التي كان الموقع يتطلبها في ذلك النظام. وهكذا يستطيع المجتمع أن يحوّل امتيازاً تاريخياً إلى فضيلة تبدو طبيعية، وأن يجعل ما هو موروث يبدو وكأنه استحقاق.
ولم يكن ابن خلدون بعيداً عن هذه الحقيقة حين ربط قيام الملك بالعصبية؛ فالعصبية ليست نسباً مجرداً، وإنما قوة اجتماعية تمنح الجماعة القدرة على التماسك والحماية وحمل أعباء السلطة. غير أن ما ينشأ من القوة الاجتماعية قد يتحول مع الزمن إلى امتياز موروث، فيطالب الأبناء بما أسسه الآباء دون أن يمتلكوا بالضرورة المقومات التي جعلت ذلك الاستحقاق ممكناً في البداية. وهنا تبدأ المشكلة حين تتحول شرعية الأصل إلى حق دائم في السلطة.
لكن علينا، في المقابل، ألا نظلم الحكمة الشعبية. فهي لا تكذب بالضرورة؛ إنما تصف العالم الذي خرجت منه. المثل الشعبي ابن بيئته، وما يصلح معياراً لاختيار عمدة أو ناظر في مجتمع تقليدي ليس بالضرورة صالحاً لاختيار وزير أو مدير في دولة حديثة.
من هنا يأتي الفارق بين الحكمة الاجتماعية والشرعية المؤسسية. ففي المجتمع التقليدي، يستمد الرجل شرعيته من الجماعة، ومن نسبه، ومن قدرته على الإنفاق عليها، ومن الثقة التي راكمتها أسرته. أما الدولة الحديثة، فيفترض أن تستمد شرعية الوظيفة من القانون، وأن تستمد أهلية شاغلها من قدرته على أداء الوظيفة، لا من مقدار ما ورثه من اسم أو مال أو مكانة.
وهنا يضع ماكس فيبر إصبعه على جوهر التحول: السلطة التقليدية تقوم على العرف والموروث والعلاقة الشخصية، بينما تقوم السلطة العقلانية ـ القانونية على المنصب والقواعد والاختصاص. وبعبارة أبسط، ينتقل السؤال من من أنت؟ إلى ماذا تستطيع أن تفعل؟ ومِن مَن أهلك؟ إلى ما أهليتك؟
وهذا الانتقال هو جوهر الحداثة السياسية، لكنه لم يُنجز في السودان على نحو مكتمل. فقد أنشأنا مؤسسات الدولة الحديثة، ولكننا لم ننجح دائماً في نقل المنطق الذي يحكمها من الشخص إلى المؤسسة. فظل القديم كامناً تحت الجديد، وبدت الحداثة أحياناً في شكل الهياكل والقوانين، بينما بقيت في العمق علاقات الولاء والنسب والمكانة والزبائنية تؤثر في الوصول إلى السلطة وممارستها.
ولذلك لا يكفي أن نقول إننا نريد «الكفاءة»، لأن الكفاءة نفسها يمكن أن تصبح، إذا لم تكن قواعد الوصول إليها عادلة، اسماً جديداً لامتياز قديم.
وهنا يعود بورديو مرة أخرى: فابن الذوات اليوم لم يعد مضطراً إلى أن يقول «أنا ود العزتين»؛ يكفي أن يرث من أسرته رأس مال ثقافياً واجتماعياً يفتح له أبواب المدارس والجامعات والشبكات التي لا تتاح لأبناء الفقراء بالسهولة نفسها. وهكذا يمكن أن ينتقل الامتياز من النسب إلى الشهادة، دون أن ينتقل بالضرورة إلى الإنجاز.
لذلك فإن التأهيل العلمي والمهني لا يعني مجرد حمل شهادة، كما أن النسب لا يعني الكفاءة. التأهيل الحقيقي هو قدرة مثبتة على الفهم والعمل والإدارة واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، مقرونة بسجل يمكن مساءلة صاحبه عنه.
وهنا يساعدنا تالكوت بارسونز في فهم طبيعة التعثر. فالانتقال من المجتمع التقليدي إلى الحديث يعني، في أحد أبعاده، الانتقال من الإسناد إلى الإنجاز، ومن الخصوصية إلى الكونية: أي من أن يأخذ المرء قيمته لأنه ابن فلان، إلى أن تُقاس قيمته بما أنجزه؛ ومن أن تختلف القاعدة بحسب الشخص، إلى أن تصبح القاعدة واحدة على الجميع.
لكننا ظللنا عالقين بين المرحلتين: نطالب بالإنجاز ونمارس الإسناد، نتحدث عن الكفاءة ونبحث عن النسب، نعلن الوظيفة عامة ثم نتعامل معها أحياناً باعتبارها موضعاً للتفاوض الاجتماعي. وهذه الازدواجية ليست مجرد خلل أخلاقي في سلوك الأفراد؛ إنها، في جوهرها، أزمة انتقال.
فالمجتمع القديم لم يختفِ، والدولة الحديثة لم تكتمل. ولذلك نشأت حالة هجينة تبدو فيها الحداثة على السطح، بينما تعمل في الأعماق آليات أكثر قدماً. وحين لا تُحسم قواعد الانتقال، لا تختفي الشرعية التقليدية، بل تستمر في البحث عن موضع داخل النظام الجديد، كما تستمر الدولة الحديثة في استعارة أدوات المجتمع القديم كلما احتاجت إلى النفاذ إليه أو إدارة تناقضاته.
وهنا تظهر أهمية مفهوم المؤسسات عند دوغلاس نورث: المؤسسات ليست المباني ولا أسماء الوزارات، وإنما قواعد اللعبة. فإذا كانت قواعد الوصول إلى السلطة وممارستها شخصية ومتقلبة، وإذا كان الموقع يعتمد على القرب من صاحب القرار أو على الانتماء الاجتماعي أكثر مما يعتمد على قواعد معلنة، فإن تغيير الأشخاص لا يغير اللعبة؛ لأن اللعبة نفسها ستعيد إنتاج السلوك ذاته.
ومن ثم فإن إصلاح الدولة لا يبدأ بالبحث عن «الرجل الصالح» بقدر ما يبدأ ببناء النظام الذي يستطيع أن يعمل حتى حين لا يكون الرجل صالحاً بالمعنى الاستثنائي. فالمجتمع التقليدي يحتاج إلى رجل يثق به الناس، لأن السلطة فيه مرتبطة بالشخص ومكانته وقدرته على رعاية الجماعة. أما الدولة الحديثة، فغايتها أن تجعل ممارسة السلطة أقل اعتماداً على صفات الشخص وأكثر اعتماداً على قواعد تحدد اختصاصه، وتقيد موارده، وتراقب أداءه، وتتيح مساءلته واستبداله وفق القانون.
وهنا تتضح المهمة التاريخية للدولة الحديثة: أن تحول الفضيلة من خصلة شخصية إلى ضمانة مؤسسية. فلا نريد حاكماً غنياً يستطيع أن ينفق من جيبه على الناس، وإنما نريد موازنة عامة تمنحهم حقوقهم. ولا نريد زعيماً كريماً يقضي حوائج قومه ويعينهم على نائبات الدهر، وإنما نريد إدارة لا تجعل المواطن مضطراً إلى سؤال أحد عن حق يكفله له القانون. ولا نريد أن تكون نزاهة المسؤول امتداداً لأصله الاجتماعي، وإنما أن تكون نزاهته محكومة بنظام يراقبه ويحاسبه.
وهنا يتبين لماذا تظل الحِكم القديمة مهمة، ولماذا لا يجوز في الوقت نفسه أن تتحول إلى دستور للحاضر. فهي تحفظ ذاكرة المجتمع، وتختزن خبرته، وتكشف لنا كيف كان الناس يميزون بين الصالح والطالح، وتشرح لنا لماذا اكتسب بعض الأشخاص الشرعية دون غيرهم. لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن السؤال الذي تطرحه الدولة الحديثة: كيف نبني مؤسسة تستمر حتى بعد رحيل الأشخاص الذين أسسوها؟
فالمثل مرآة للمجتمع، وليس بديلاً عن الدستور. والحكمة الشعبية قد تعلمنا كيف نختار رجلاً، لكنها لا تعلمنا كيف نبني مؤسسة تستطيع أن تعمل حتى حين يغيب الرجل.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس ما إذا كانت الحكمة القديمة صحيحة أو خاطئة، وإنما: هل ما زالت الحكمة التي صنعتها المجتمعات التقليدية تصلح معياراً للحكم بعد أن ظهرت الدولة الحديثة؟
ربما كانت الإجابة أن الحكمة لا ينبغي أن تُهدم، وإنما أن تُوضع في موضعها. نأخذ منها معنى النزاهة والأمانة والمسؤولية تجاه الجماعة، لكننا لا نجعل المال الموروث أو النسب أو القدرة على الإنفاق شروطاً للسلطة. فالذي ينبغي أن يرثه الأبناء من آبائهم ليس حق الحكم، وإنما القدرة على الاستحقاق.
وعندما تنجح الدولة في ذلك، لا تكون قد ألغت المجتمع القديم، ولا أهانت رموزه، ولا طلبت من الناس أن يتخلوا عن أهلهم؛ وإنما تكون قد أنجزت ما عجز الانتقال المتعثر عن إنجازه: أن تجعل الأهلية معياراً للوظيفة، والمؤسسة مرجعاً للسلطة، والحكمة القديمة تراثاً نفهم به ماضينا لا قاعدةً نحكم بها حاضرنا.



