مقالات وآراء

الشهادة السودانية.. على مقاس «الكودة» الخاص :

مهدي احمد التوم

إستقصائي – تقارير
لنطلق عليها «امتحانات مؤسسة أبوذر الكودة للشهادة السودانية».. يقترح أحدهم، على سبيل السخرية، بينما كانت سخرية الأقدار ترسم تفاصيلها الخاصة مع إعلان نتيجة الشهادة السودانية للعام 2026.

بنسبة نجاح بلغت 69%، أُعلنت في الخرطوم نتيجة الشهادة السودانية، فنسيت المدينة، ولو لساعات، دوي مدافع المضادات ونيران المسيّرات، وانخرطت في نوبة زغاريد فرح عارمة احتفالاً بالناجحين في شهادةٍ كان مجرد الوصول إلى قاعات امتحاناتها والجلوس داخلها نجاحاً في حد ذاته.

كان المشهد في القاعة التي احتضنت المؤتمر الصحفي لإعلان النتيجة أقرب إلى محاولة للهروب من واقع الحرب إلى فرحة الطلاب. حتى بنك الخرطوم، الذي ظل يهرب من فشله كـ«تطبيق» مصرفي، وجد في فرحة الناجحين مساحة للاختباء، بينما كان شعاره بارزاً بوصفه راعياً لإعلان النتيجة. غير أن حضور البنك لم يكن مجرد رعاية لإعلان نتيجة؛ ففي بلدٍ لا تمنح فيه السلطة إجابات، كان الشعار وحده قادراً على طرح مليون سؤال.

وفي مؤتمر إعلان النتيجة، جاءت الإجابة الأولى باسم «تقى النور محمد النور»، التي أُعلن اسمها الأولى على الشهادة السودانية بنسبة بلغت 97.7%. لكنها، paradoxically، لم تكن إجابة مكتملة؛ إذ سرعان ما فتحت نتيجتها الباب أمام أسئلة أخرى. ففارسة الشهادة والمتوجة بتاج التفوق لم تستطع أن تقتسم فرحة نجاحها مع والدها، بعدما حالت الحرب بينها وبين واحدة من أبسط حقوق الفرح: أن يكون الأب حاضراً حين تنجح ابنته.

لكن تقى لم تكن الإجابة الوحيدة في هذا الامتحان المفتوح. فثمة إجابة أخرى أكثر إثارة للأسئلة، إجابة دفعت أحدهم إلى اقتراح ساخر بأن نطلق عليها «امتحانات مؤسسة أبوذر الكودة». فمن بين المائة الذين أُعلن عن تفوقهم في امتحانات الشهادة السودانية، كان هناك 51 طالباً وطالبة من مؤسسة الكودة للتعليم الخاص؛ رقمٌ كبير بما يكفي لأن يتحول من مجرد إحصائية في نتيجة إلى سؤال عام عن طبيعة التعليم نفسه.

ولعل الوزارة، وهي تحاول تجنب الإشارة إلى المدارس التي ينتمي إليها المتفوقون، كانت تحاول إخفاء سيطرة مدرسة بعينها على قائمة الأوائل، لكنها، في المقابل، تركت سؤالاً أكبر بلا إجابة: أين مدارس الحكومة؟

أين الخرطوم النموذجية وأسماء عبد الرحيم؟ أين مدارس مصطفى الشيخ الأمين؟ أين مدني وعطبرة وبورتسودان؟ أين الأبيض؟ وأين مدارس نيالا والفاشر وزالنجي والجنينة؟

واجابة السؤال عن هذه المدن إجابته؛ امتحان آخر ونتيجة أخرى صنعتها الحرب. ففي بلدٍ تقتل سلطته الناس بدم بارد، تبدو دعوتها للحديث عن حقهم في التعليم شديدة البرودة أيضاً .

النسخة الأخيرة من الشهادة السودانية لم يكن الامتحان الحقيقي فيها هو ما جاء في ورقة الأسئلة، وإنما كان الامتحان الأصعب هو الوصول إلى الورقة نفسها. تجاوز عدد الجالسين للامتحانات نصف مليون طالب وطالبة، بحسب الإحصاءات الرسمية، لكن أضعاف هذا العدد ظلوا خارج قاعات الامتحان، بعدما حرمتهم الحرب من مجرد فرصة الجلوس للشهادة. وفي بلدٍ أصبح فيه التعليم نفسه ساحة للصراع والاستخدام السياسي، لم يكن غريباً أن تحضر في المؤتمر الصحفي سيرة أبناء قيادات الدعم السريع الذين جلسوا للامتحانات.

غير أن ما حاولت الوزارة أن تخفيه في النتيجة، أعلنت عنه «المؤسسة» بنفسها. فالكودة، وهي مؤسسة يملكها شاب دخل مجال الاستثمار في التعليم في وقت تراجعت فيه الدولة عن القيام بواجباتها، لم تعد مجرد مدرسة خاصة؛ إذ لم يكد شارع من شوارع الخرطوم يخلو من لافتة تحمل اسمها، بينما تمددت في مواقع أخرى وسط صراعات مع مواطنين يرفضون أن تؤول إليها المدارس الحكومية، كما حدث في أركويت مؤخراً.

ثم جاءت القاهرة لتمنح هذا التمدد مساحة جديدة. فبعد اندلاع الحرب وانتقال مدارس الكودة إليها، وجدت المؤسسة أمامها واقعاً تعليمياً مختلفاً؛ مدارس حكومية مدمرة، ومدارس نموذجية خرجت هي الأخرى من المشهد، ومساحة واسعة تركها انهيار التعليم العام لمن يملك القدرة على ملئها وبالطبع ملء جيوبه من اموال الراغبين في الخدمة .

ولا تبدو المدارس النموذجية نفسها بعيدة عن الجدل؛ ففكرة تكديس المتفوقين في مدارس محددة تظل موضع انتقاد، لأنها تمنح المدرسة ميزة يصعب قياسها بعيداً عن البيئة التي جُمعت فيها هذه النخبة من الطلاب، وتؤثر بالتالي على تكافؤ الفرص، وتفتح الباب أمام تحويل التعليم من حق عام إلى سلعة.

لكن الأرقام هنا أكثر بلاغة من كل الحديث.

في عام 2019 لم يدخل أي طالب من المدرسة قائمة المتفوقين. وفي 2020 كان هناك طالب واحد، ثم ثلاثة في العام الذي يليه. وفي 2022 ارتفع العدد إلى 12، ثم إلى 18 في 2023، و31 طالباً في 2024، قبل أن يقفز الرقم هذا العام إلى 51 طالباً وطالبة.

تصاعدٌ رقمي لا يحتاج إلى كثير من الشرح بقدر ما يحتاج إلى سؤال واحد: لماذا؟

يُرجع كثيرون هذا التفوق إلى الاختلال الذي أصاب العملية التعليمية في السودان، وما نتج عنه من ظاهرة «تكديس المتفوقين» في المدارس الخاصة؛ حيث تقدم بعض المؤسسات إغراءات للطلاب وأسرهم، ثم تستمر عملية التكديس داخل المدرسة نفسها عبر تصنيف الطلاب بحسب مستوياتهم الأكاديمية، ومنح المتفوقين مزايا إضافية، بما يضمن استمرار تفوقهم وإمكانية تقديمهم لاحقاً بوصفهم واجهة المؤسسة.

وهنا تتحول النتيجة من كونها ثمرة للعملية التعليمية إلى جزء من العملية التسويقية نفسها. فكل اسم في قائمة المتفوقين يمكن أن يتحول إلى إعلان، وكل نسبة مرتفعة يمكن أن تصبح لافتة جديدة، وكل زغرودة في بيت ناجح يمكن أن تجد طريقها إلى دعاية المدرسة.

وهكذا يصبح المشهد أكثر وضوحاً: تمدد مدارس الكودة لا يحدث في فراغ، وإنما في مساحة تركتها الدولة بانهيار مدارسها الحكومية، وتراجع مؤسساتها التعليمية، وتدمير المدارس النموذجية، ثم يأتي التعليم الخاص ليملأ الفراغ.

لذلك فإن الزغاريد والسجود والدموع التي صاحبت إعلان أسماء المتفوقين ليست هي القصة كلها. خلف لحظة الفرح هناك قصة أخرى عن بلدٍ أصبح النجاح فيه امتيازاً، والوصول إلى الامتحان نفسه إنجازاً، والتعليم الحكومي يتراجع خطوة بعد أخرى، بينما تتقدم مؤسسات التعليم الخاص لاحتلال المساحة التي تركتها الدولة.

وبينما يحتفل السودان بنجاح أبنائه في الشهادة السودانية، يظل الامتحان الأكبر بلا نتيجة معلنة: من الذي نجح فعلاً في امتحان التعليم؟

الطلاب الذين جلسوا للامتحان؟ أم المؤسسات التي تكدّس المتفوقين ثم تعلنهم على الملأ؟ أم دولة تركت مدارسها تنهار، ثم اكتفت بإعلان النتيجة؟

ربما لهذا لم يعد السؤال الساخر عن «امتحانات مؤسسة أبوذر الكودة» مجرد نكتة عابرة. فحين يقفز عدد المتفوقين من طالب واحد إلى 51 في سنوات قليلة، وحين تغيب مدارس الدولة عن المشهد، يصبح السؤال مشروعاً، ويصبح الصمت عن الإجابة جزءاً من الإجابة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..