مقالات وآراء

السمبك… حين يصبح الموت الخيار الأفضل من الوطن!

شاهدتُ مقطع فيديو لشباب سودانيين يتحدثون فيه عن قناعة مؤلمة وصلوا إليها: لا حياة لهم في بلادهم، ولا مستقبل ينتظرهم فيها، وأن الحل الوحيد أمامهم هو «السمبك». والسمبك، في قاموس هذه الأيام، ليس سوى قوارب الموت التي قد تحملهم إلى عالم آخر، أو إلى العالم الآخر.

لا حياة لهم في بلادهم، ولا حياة لمن تنادي!:

المفارقة الأكثر قسوة أن هؤلاء الشباب لا يرون الموت أسوأ الاحتمالات. ففي نظرهم، البقاء في بلاد لا تمنحهم أملاً في حياة كريمة، ولا توفر لهم تعليماً أو علاجاً أو وظيفة أو أمناً، قد يكون أسوأ من الموت نفسه.

أي بلد هذا الذي يصل فيه أبناؤه إلى هذه القناعة؟

السؤال يقودنا، بالضرورة، إلى المشهد السياسي الذي أوصل السودان إلى ما هو عليه اليوم، وإلى الرجل الذي فرض نفسه على أجندة الثورة، وما زال يتحدث عنها، رغم أنه كان أحد الذين انقلبوا عليها.

الفريق عبد الفتاح البرهان لم يكن بعيداً عن المشهد حين جرى الانقلاب على الثورة، بل كان في قلبه، مع رفاقه السابقين، عندما نُفذت أجندة الحركة الإسلامية، وعندما جرى فض الاعتصام. ثم انقلبوا لاحقاً على الحكومة المدنية، في الوقت الذي كانت تمضي فيه بخطى ثابتة في رفع الأنقاض التي خلفتها سنوات حكم الحركة الإسلامية في كل مؤسسات الدولة ومجالات الحياة في بلادنا.

ثم سار البرهان في ركاب الحركة الإسلامية عندما اختارت الحرب على المليشيا التي صنعتها، في محاولة يائسة لغسل سجل أكثر من ثلاثة عقود من الحكم، وإعادة تقديم نفسها للشعب باعتبارها الطرف الذي يخوض معركة استعادة الدولة، ومن ثم العودة إلى السلطة في صورة البطل.

لكن الحرب التي اندلعت خرجت عن السيطرة، وتحولت إلى نار تكاد تلتهم كل شيء.

ومع ذلك، تبدو الحركة الإسلامية حريصة على استمرارها، مهما كان الثمن الذي يدفعه الشعب السوداني. والسؤال هنا ليس جديداً: منذ متى كانت حياة الناس هي الأولوية في حسابات الحركة الإسلامية؟

ألم تكن شعاراتها طوال سنوات حكمها تمجّد الموت وتحتفي به حين يتعلق الأمر بالآخرين (فلترق كل الدماء)، بينما انشغل قادتها وأهل الولاء فيها بتوسيع النفوذ، وتمكين التنظيم، والاستحواذ على المال العام، وترسيخ مواقعهم في الدولة، على حساب وحدة الوطن وحق مواطنيه في حياة كريمة؟

ثلاثة عقود تقريباً كانت كافية لتترك تلك السياسات آثاراً عميقة في كل شيء.

فقد حُرم أبناء السودان من حقوق عادلة في التعليم والعلاج والعمل، وأصبحت الوظيفة العامة، في كثير من الأحيان، أقرب إلى مكافأة على الولاء منها إلى استحقاق يقوم على الكفاءة والإخلاص. لم يعد السؤال: من هو الأقدر على أداء المهمة؟ بل: من هو الأقرب إلى التنظيم؟

وحين يُستبدل معيار الكفاءة بالولاء، لا تكون النتيجة سوى خراب المؤسسات.

وحين ينتشر الفساد، وتُمنح الفرص لأهل الولاء بدلاً من أهل الكفاءة والإخلاص، تتآكل الدولة من الداخل، ويتراجع التعليم، ويتدهور العلاج، وتضيق فرص العمل، ويضيع إحساس المواطن بالعدالة والانتماء إلى وطن يفترض أن يكون وطن الجميع.

تلك هي النتيجة التي انتهينا إليها: خراب في كل شيء، ثم حرب يكاد سعيرها يلتهم ما تبقى.

والأخطر من كل ذلك أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية يمكن أن تنتهي بانتهاء معركة أو توقيع اتفاق. إنها حرب لها مستفيدون، ومصالح، وحسابات سياسية، وكلما طال أمدها ازداد الخراب واتسعت دائرة الضحايا.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: متى تنتهي الحرب؟

السؤال الأهم هو: من المستفيد من استمرارها؟

فالحرب لن تتوقف ما دام المستفيد من استمرارها يملك زمام الأمر في هذه البلاد.

وفي الأثناء، يقف شباب السودان أمام البحر، لا يحملون أحلاماً بالهجرة بحثاً عن الرفاهية، وإنما يبحثون عن مجرد فرصة للحياة. يركبون «السمبك» لأنهم فقدوا الثقة في أن بلادهم يمكن أن تمنحهم حياة تستحق أن تُعاش.

وعندما يصبح قارب الموت، في نظر شاب، أقل خطراً من وطنه، فهذه ليست مشكلة شاب يريد الهجرة.

إنها شهادة إدانة لوطن دُفع أبناؤه إلى اليأس.

والمأساة الحقيقية ليست في أن بعض الشباب اختاروا «السمبك»، وإنما في أن السودان أصبح، بالنسبة إلى كثير من أبنائه، مكاناً لا يرون فيه مستقبلاً يستحق البقاء من أجله.

عقود من الفساد وتجريف الدولة وتمكين الساقطين وتدمير التعليم. فمن يندهش حين يبيع عالم الفيزياء الخضروات في فيصل ليأكل ويأكل أطفاله، فيما يُفرش السجّاد الأحمر للقونات و(الأقوان)! ويعيش اللصوص في نعيم حصاد نهب أموال أهل بلادنا الذين فقدوا كل شيء، حتى جنيهاتهم القليلة التي لا تساوي شيئا ولن تصلح لشراء قطعة خبز، أصبحت حبيسة التطبيقات البنكية! فيما يدق لصوص المال العام طبول الحرب من إستانبول ومن اصقاع الدنيا.

#لا_للحرب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..