
يبدو أن حكومة بورتسودان اكتشفت الحل العبقري لأزمة التعليم في السودان، وهو إهداء الطالبة الأولى سيارة! ولا بأس لديها إن كانت مدارس كثيرة بلا مقاعد، ولا بأس إن غاب الكتاب، ولا بأس إن انقطع المعلم، ولا بأس إن دخل الطالب الامتحان ومعدته خاوية. المهم أن نعثر على الأول، نسلّمه مفتاح سيارة، ونلتقط الصورة!
يا لها من معجزة تعليمية!
لكن المشكلة ليست في الطالبة التي تفوقت، فهي تستحق التهنئة، ولا في اجتهادها الذي لا ينتقص منه شيء. المشكلة في الدولة التي تريد أن تجعل من السيارة التي اعتادت ان تُهديها للهاربين من جماعاتهم، عنواناً لتكريم التعليم، بينما عجزت عن توفير أبسط شروطه لكثير من أبنائها.
وهنا سؤال بسيط، لكنه أثقل من كل خطب التكريم: من دفع ثمن السيارة؟ إن كانت من المال العام، فمن حق الناس أن يعرفوا: كم بلغت قيمتها؟ ومن أي بند صُرفت؟ ومن الذي قرر أن يكون التكريم سيارة لطالبة واحدة؟ وإن كانت من المال الخاص، فليُعلن ذلك بوضوح وتنتهي المسألة من هذه الناحية. فالمواطن الذي يُطلب منه أن يتحمل الحرب والغلاء والنزوح والجوع، من حقه أن يعرف كيف تُنفق الأموال حين تتحول إلى هدايا باسم المسؤولين. ثم يأتي أصحاب العبارة الجاهزة: «لماذا نحتج على التكريم، فكل الدول تكرّم أوائلها؟!». والإجابة أن نعم، ولكن الدول التي تحترم التعليم تكرّم الطالب قبل الامتحان كما تكرّمه بعده. تعطيه مدرسة، ومقعداً، وكتاباً، ومعلماً، وبيئة آمنة، وفرصة متقاربة مع زملائه. أما أن تترك الطلاب يتنافسون في سباق غير متكافئ، ثم تمنح الفائز سيارة، فهذه ليست عدالة تعليمية؛ إنها أقرب إلى أن تقيم سباقاً، وتعطي بعض المتسابقين أحذية، وتطلب من الآخرين أن يجروا حفاة، ثم تحتفل بالفائز! فكم من طالب كان يمكن أن يكون من الأوائل لو وجد فرصة حقيقية؟ وكم من تلميذ ترك المدرسة ليعول أسرته؟ وكم من طالبة عجزت أسرتها عن توفير رسومها وكتبها؟ وكم من طفل دخل الفصل جائعاً، أو جلس في مدرسة بلا كتاب ولا إجلاس؟ بل كم من الطلاب لم يجدوا مدرسة أصلاً بسبب الحرب والنزوح؟ هؤلاء لم يخسروا الامتحان؛ بعضهم خسر فرصة دخول الامتحان نفسه.
وهنا يصبح السؤال أعمق من سيارة: من الذي يضمن أن المتفوقين الذين نحتفل بهم اليوم هم فعلاً كل الذين كان يمكن أن يتفوقوا؟
أما القول إن هذه الطالبة درست في القاهرة وفي مدرسة خاصة، فلا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من نجاحها. فالطالبة لا تختار نظام التعليم الذي وُضع حولها، ولا تتحمل مسؤولية تفاوت الفرص بين الطلاب. لكن من حقنا أن نقارن الظروف التعليمية حين تتحدث الدولة عن «التفوق» وكأنه نتيجة لمنافسة متساوية. ثم ماذا بعد المركز الأول؟ هذه هي المسألة التي تستحق التفكير. كم من أوائل الشهادة السودانية خرجوا عبر العقود؟ أطباء، ومهندسون، وأساتذة، وباحثون، ومبدعون. ماذا فعل السودان بهم؟ وماذا فعلوا هم بالسودان؟ كم منهم وجد جامعة تليق بطموحه؟ وكم وجد مختبراً؟ وكم وجد فرصة بحث أو عمل؟ وكم اضطر إلى مغادرة البلد الذي احتفل به ليلة إعلان النتيجة؟
لقد أتقنا طويلاً فن الاحتفال بالنتائج، وأهملنا صناعة الظروف التي تنتج النتائج. ولهذا لا أرى أن أعظم تكريم للأولى هو السيارة. أعظم تكريم لها ولآلاف مثلها أن تفتح الدولة أمامهم أبواب الجامعة، والمنحة، والكتاب، والسكن، والمعمل، والبحث، والعمل.
فالسيارة تنتهي قيمتها حين ينفد الوقود. أما التعليم الجيد، فيمكن أن يظل يدفع ثمنه الوطن لعشرات السنين. لذلك، قبل أن نصفق لمفتاح السيارة، دعونا نسأل عن مفتاح آخر: متى تفتح الدولة باب المدرسة للطفل الذي أغلقت الحرب والفقر أمامه الطريق؟ هذا هو التكريم الذي يستحقه التعليم. وهذا هو الامتحان الذي لم تُعلن نتيجته بعد.
أن يكون والد الطالبة ضابط في الجيش، ذلك لا يجعلنا نظلمها ولا نسرق فرحتها بتفوقها. فهي مسؤولة عن اجتهادها، لا عن خيارات السلطة. لكن حين تجعل الدولة من تكريمها مناسبة عامة، يصبح من حق المجتمع أن يسأل عن المال العام، وتكافؤ الفرص، وسياسة التعليم. فالطالبة قد نجحت في امتحانها. أما الدولة، فما زال امتحانها قائماً، ونتيجته المحتومة إدمان الرسوب.



