
امتلأت الأسافير بكلمات العزاء والإشادة بمآثر الدكتور التجاني عبد القادر، الذي كان له موقف من ممارسات جماعته، والذي حتمًا لا يمكن لأحد إنكار أن ذلك يُحسب في تفرده الأخلاقي، ويُضاف إلى شخصيته التي أثنى عليها الجميع. لم أتشرف بمعرفته، ولكن ما كُتب عنه يجعلني أتفق معهم وأحترم شخصه وممارساته وسلوكه.إن كلمات العزاء، تقديرًا لهذه المواقف، يجب التعامل معها بمنهج الفكر قبل العاطفة؛ فهو الآن عند رب رحيم يحاسبه على ما فعل، ونتمنى أن يكون حسابه على قدر حسن ظن الناس فيه من خير وسلوك وممارسة.
على مستوى الفكر، أشعر أننا نحتاج أن نقف قليلًا أمام هذه الرسائل، محترمين المشاعر ومقدّرين كلمات الرثاء، ولكن نحاول تفكيك هذا المنهج نتجاوز العقل العاطفي الذي سيطرعليه قدسية الرثاء ومشاعر الفقد لنتحرك لمواقع الوعي الموضوعي الذي ينظر للتجارب بتجرد يحترم المشاعر يسيطر عليها ولا يجعلها تسيطر عليه حتى نفكك التجربة ونصل لقلب الحقيقة
نحترم مشاعر الرثاء، لكن احترامها لا يمنعنا من التفكير في الرسالة السياسية التي تحملها. فقد تكرر الاحتفاء بموقف التجاني من جماعته بعد استيلائها على السلطة. هذا يقودنا إلى جوهر القضية، وهو عدم التمييز بين رفض الممارسة ومنهجها الفكري. فالاعتراض على ا فساد الرفاق في ذاته لا يعني رفض الفكرة التي جعلت هذا ممكنًا، حيث إن الفكرة التي استندت إلى التمكين، وجعلت صوتًا واحدًا ورؤية أحادية يسيطران على واقع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هي السائدة، وهي جوهر الأزمة، وهي التي يُفترض أن تكون جوهر الانتقاد؛ لأنها هي التي قادت للظلم والفساد، وما كانت الممارسة إلا انعكاسًا لهذا الفعل. وهذا يقود إلى الفرق بين رفض الممارسة ونقد الفكر الذي أتاحها. فالاعتراض على الممارسات أو على فساد الرفاق، لا يعني بالضرورة رفض فكرة التمكين، أو الاعتقاد بعدم حق التنظيم في فرض رؤيته على المجتمع. لا أعلم إلى أي مدى نقد الدكتور التجاني هذه الأسس الفكرية، ولا أريد أن أنسب إليه موقفًا لم أتحقق منه. لكن المقالات التي تحتفي بموقفه الرافض لسلوك رفاقه في السلطة طرحت ذلك فقط بينما السؤال الجوهري عن طريقة الوصول للسلطة حيث أن النقد الجوهري كان يفترض في الفكر الانقلابي وليس مافعلوا بعد الانقلاب.هنا يصبح منطق التساؤل يقودنا عن مطالبة بأن تسأل هل انصبّ نقده على ما فعلته الجماعة بعد وصولها إلى السلطة، أم تناول أيضًا الأفكار التي جعلت ذلك الفعل ممكنًا؟ حيث المنطق يقول إذا كان النقد قد توجه نحو الأصل وهو إستلام السلطة فإن نقد الممارسة بعد ذلك ثانويا لأنه متوقع بإعتباره ما قام على باطل.
حتى على مستوى نقد الممارسه يفتح الباب للسؤال هل بدأت أزمة الحركة الإسلامية بانقلاب الإنقاذ، أم كشف الانقلاب أزمة كانت موجودة في فكرها وممارساتها قبل ذلك؟
لقد ظهرت الأحادية والتسلط والعنف في تاريخ الجماعة السياسي وشهدت به ساحات العمل الطلابي قبل استلام السلطة. لذلك يصعب النظر إلى ما جرى بعدها بوصفه انحرافًا مفاجئًا عن طريق كان قائمًا على احترام التعدد والاختلاف. لقد وسّع امتلاك الدولة نطاق تلك الممارسات، وزاد قدرتها على التأثير في حياة المجتمع كله. ومن هنا ينبغي أن يمتد النقد إلى المرحلة التي سبقت الانقلاب، وإلى المؤشرات التي كانت تنذر بما سيحدث إذا اجتمعت السلطة السياسية والاقتصادية في يد الجماعة. أن هذا السؤال الجوهري تنبع أهميته حتى لا يحاصرنا الوعي الزائف ونقبل بدون تمحيص ما يحمل النقد من خطل بأن الخلل والفساد قد ظهر بعد استلام سلطة الإنقاذ وان هذه هي الممارسات جديدة على الحركة الإسلامية قبل استلام السلطة.
إن عدم استماع الجماعة إلى نقده يستحق تحليلًا يتجاوز الأسف والحسرة على تجاهل رجل من داخلها. حيث ان تجاهل صوت شخص ذي تاريخ فكري وتنظيمي مثل التجاني أثر محدود حين اختلف مع الجماعة، فماذا كان نصيب العضو الأقل نفوذًا؟ وكيف كانت الجماعة تسمع نقد المجتمع الواقع خارج صفوفها؟ هنا تظهر أزمة في تصور الحرية والاختلاف داخل التنظيم نفسه، لا مجرد خلاف بين ناقد وحكام متمسكين بالسلطة. إن الاحتفاء بمواقف الدكتور التجاني في حد ذاته يجب الوقوف أمامه، لأنه يعكس واقعًا مأزومًا في داخله التنظيمي، الذي اتسمت تجربته فيه بعدم الاستماع إلى نقده، وهو الشخص الذي كان فاعلًا وله تاريخ وتأثير في التنظيم. وهي تطرح أسئلة جوهرية، ليس فقط عن أن رأيه لم يُسمع، بل عن مفهوم الحرية والديمقراطية داخل التنظيم، الذي يجعل العضوية ليس لها صوت فاعل إذا اختلفت مع رأي الجماعة. وهنا يصبح السؤال، بدل الإحساس بالألم لأن الآخرين لم يسمعوا لرفيق دربهم: لماذا لم يكن لصوت رفيقهم صدى أو تأثير في حركة الجماعة والتنظيم؟هل هو فكر التنظيم الذي تربى عليه د.التجاني واستغربه فقط عندما شعر بسيفه المشروع دوما على رقاب موقفه.
يُحتفى الناس كذلك برفض التجاني بعض المناصب والامتيازات ويحق لهم ذلك فهذا موقف إيجابي، لكن السؤال التحرري لا يقف عند ما رفضه لنفسه. السؤال الجوهري والأخلاقي هو كيف ولماذا عُرضت عليه هذه الامتيازات أصلًا؟ وهل كانت وسيلة لاستيعاب صوته وإبقائه قريبًا من الجماعة؟ والأهم ماذا فعل، بعد رفضها، لتغيير البنية التي تمنح السلطة والامتياز لقلة، وتقهر الآخرين؟ نحتفى برفض الدكتور التجاني عبد القادر المناصب والامتيازات التي عُرضت عليه، وهو موقف يستحق التقدير. لكن مربط الفرس ليس في قبول المنصب أو رفضه وحده، بل في الآلية التي جعلت الانتماء إلى التنظيم أساسًا لاختيار من تُمنح لهم المناصب والامتيازات. فهل كان رفضه تعبيرًا عن رغبة شخصية في الابتعاد عن فساد السلطة والتفرغ للفكر، أم رفضًا مبدئيًا لثقافة التمكين نفسها، ولحق الجماعة في توزيع ما يخص الشعب على أفرادها؟ لا يقدم الرثاء جوابًا عن هذا السؤال، مع أنه جوهري في تقييم الموقف.
.الاختلاف مع الجماعة يفتح سؤالًا آخر وهو ماذا حدث بعد الاختلاف؟ ما الخطوات التي اتُّخذت لمواجهة بنية القهر التي صنعها التنظيم؟ هل كانت هناك محاولة لبناء مقاومة سياسية سلمية، أو لمساندة القوى التي واجهت النظام؟ إن الابتعاد عن موضع الفساد موقف إيجابي، لكنه لا يعادل الوقوف إلى جانب من تعرضوا للاعتقال والتعذيب والقمع، أو دعم من ناضلوا من أجل إنهاء تلك الممارسات. وليس المقصود افتراض أن الدكتور التجاني فعل ذلك أو لم يفعله؛ المقصود أن هذه الأسئلة ينبغي ألا تغيب حين نحتفي به في سيرته ان نحدد ماهو الصراط المستقيم في طريق الحرية.
إن النزاهة في الابتعاد عن سلطان الدولة تستحق الاحترام، لكن معيار الموقف التحرري يشمل أيضًا درجة القرب من ضحاياها: الإصغاء إلى معاناتهم، والدفاع عن حقوقهم، ومساندة سعيهم إلى العدالة وتغيير ما أنتج الظلم. وقد لا يتفق المرء مع جميع أفكار من قاوموا النظام، أو يتحالف معهم سياسيًا، لكنه يستطيع على الأقل أن يعترف بحقهم في مقاومة القهر، ويحترم ما تحملوه في سبيل ذلك. فالفعل الذي يواجه الظلم ويقف مع ضحاياه يستحق تقديرًا لا يجوز أن يحجبه الاحتفاء بمن اكتفى بالابتعاد عن امتيازاته.
لا أطرح هذه الأسئلة لإصدار حكم على الرجل فليس هذا هدفي، بل لأن الرثاء لا يقدم لنا إجابات عن التجربة. بل هي محاولة على ضرورة امتلاك الوعي الموضوعي و التأكيد على الفصل بين الرثاء والقراءة العاطفية والقراءة الموضوعية التي تفكك الفكر والمواقف لنتعلم من التجارب..لذا نتساءل هل حاول بناء تيار يواجه الأحادية داخل تنظيمه؟ هل خاض معركة علنية لتفكيك علاقات القهر التي أنتجها؟ هل وقف مع ضحايا تلك الممارسات في مطالبهم بالعدالة والمحاسبة؟ وأين كانت معركته الأساسية بعد اختلافه مع رفاقه داخل الجماعة طلبًا لإصلاحها، أم في المجتمع إلى جانب من تضرروا منها؟
إن الابتعاد عن ممارسات جماعة قاهرة يستحق التقدير، لكنه ليس نهاية الطريق الأخلاقي. فالمواجهة الأعمق تقتضي نقد الفكر الذي شرعن القهر، وتغيير البنية التي أعادت إنتاجه، والوقوف إلى جانب ضحاياه. بهذا المعيار لا يمنع أن نحترم الدكتور التجاني ونترحم عليه، وأن نبقي في الوقت نفسه أسئلة المراجعة مفتوحة. فالغاية من هذه الأسئلة ليست محاكمة الراحل في مقام العزاء، بل ألا يتحول الثناء على موقف فردي إلى حجاب يحجب عنا ما يحتاج إلى تغيير.
.عند هذا الحد يصبح الرثاء فرصة لسؤال يتجاوز سيرة فرد، مهما احترمناه كيف نمنع تكرار القهر إذا اكتفينا بمدح من رفضوا امتيازاته، من دون أن نفكك الأفكار والتنظيمات التي أنتجته؟
تقبل الله د التجاني قبولا حسنا وله الرحمة
ولشعبنا الصبر على ما انتجه فكر المتأسلمين من قهر وفساد ودمار




نقد السلوك هو بالضرورة نقد للإعتقاد الذي انتجها وللوعي الذي أكسبها وقود الممارسة… فهل كان المطلوب من التيجاني عبدالقادر أن يحمل السلاح لهدم المعبد؟ أم تحمل سهام التعنيف والتبخيس والتشريد من رفاقه؟ وللحقيقة والتاريخ ليس التيجاني وحده ولا السفينة التي ركبها في موج جبال تناقضات البلاد عصمته من تيار الأزمة القديمة المتجددة للحالة الراهنة… فَماحدث لأهل الولاء في الحزب الشيوعي معلوم وماخطه منظري حزب البعث (محمد بشير الصاوي) مبذول ومبثوث وما أصاب أهل البيت الواحد من حزبي الأمة والاتحادي لازال ماثلا للعيان…. فهل الإسلاموية وحدها من تحتاج إلي نقد الفكرة (الإعتقاد) الذي قامت عليه؟ أم حان الوقت ليتدبر الجميع محتوى (إدراكهم) الزائف ما أوريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد؟