المسكوت عنه في مجلس السيادة والحكومة الانتقالية: مخاطر سد النهضة علي السودان
بكري الصائغ

بينما كان الحديث في الغالب عن سد النهضة وتداعياته قد بدأت منذ ان وضع رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي حجر الأساس للمشروع في أبريل ٢٠١١ على النيل الأزرق ، يركز هذا الحديث على تأثيراته السلبية في حصة دول المصب من المياه، وحذر خبراء من بعد آخر، وهو أن سوء الإدارة قد يحول مياهه إلى قنبلة مائية مدمرة لدول المصب، لا سيما الخرطوم، والقراء الذين تابعوا بدقة واهتمام موضوع سد النهضة خلال الفترة من عام ٢٠١١ حتي اليوم، لمسوا ان الحكومات السابقة في زمن الإنقاذ والحكومة الحالية برئاسة كامل ادريس، لم تعطي أهمية كبيرة او حتي مجرد انتباهه لخطورة هذا السد في المستقبل السودان، والحكومات المتعددة التي مرت علي البلاد خلال الـ(١٥) عام الماضية لها العذر في عدم مناقشتها بجدية واهتمام، فقد كان موضوع سد النهضة شأن يخص رئاسة الجمهورية، وملف سري للغاية موضوع علي طاولة الرئيس البشير، وكان البشير وقتها هو المسؤول الوحيد في أجهزة الدولة، الذي له كل الحق منفردا ودون استشارة من أحد في السلطة في ابداء رأيه حول سد النهضة، وعندها لم يكن هناك من حل اخر امام الحكومات السابقة الا ان ترفع يدها تماما عن مناقشة ملف السد ومدي خطورته علي السودان.
والغريب في موضوع السد، ان البشير لم يسمح لأعضاء حزب “المؤتمر الوطني” بمناقشة موضوع السد، وخلال فترة حكمه، كان التعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي يُدار بشكل مركزي وضيق للغاية داخل دوائر الرئاسة والأجهزة الأمنية، حيث منع البشير بالفعل تداول أو مناقشة تفاصيل هذا الملف الحساس داخل الأروقة المفتوحة لحزب “المؤتمر الوطني” الحاكم آنذاك أو البرلمان، ومنع البشير أيضا نواب “المجلس الوطني” من مناقشة أي موضوع يخص السد، وجاء في موقع “قوقل” فرض البشير هذا الحظر لعدة أسباب رئيسية:-
١/- تجنب الانقسامات الداخلية: فقد شهد الموقف السوداني تحولاً لافتاً من التحفظ إلى الدعم الصريح لبناء السد، حيث صرح البشير في عدة مناسبات بأن “إيجابيات سد النهضة تفوق سلبياته”. وبما أن هذا الموقف لم يكن محل إجماع داخل الحزب والدولة، فضّل النظام إغلاق باب النقاش لتفادي أي معارضة داخلية.
٢/- السرية الدبلوماسية والأمنية: اعتبرت الرئاسة السودانية ملف المياه وسد النهضة قضية أمن قومي عليا تدار خلف الأبواب المغلقة بالتنسيق المباشر بين البشير والاستخبارات والجانب الإثيوبي، بعيداً عن المزايدات السياسية الحزبية.
٣/- الحفاظ على التوازنات الإقليمية: أراد البشير المناورة بموقف السودان بين القاهرة وأديس أبابا دون ضغوط من قيادات الحزب التي قد يميل بعضها لدعم الموقف المصري أو اتخاذ مواقف أيديولوجية متشددة.- انتهي-
وهكذا وطوال الفترة من عام ٢٠١١ وحتي عام ٢٠١٩، لم تتم بصورة جدية فتح ملف خطورة السد الاثيوبي علي السودان، وواجه البشير خلال هه السنوات اتهامات خطيرة وتهديدات من الحكومة الاثيوبية، بانه (البشير) لا رأي عنده، ومنقاد انقياد تام لتوجيهات السلطة المصرية، وفي نفس الوقت، وسبق ان هاجمت الصحف المصرية بشدة تذبذب تصرفات البشير وعدم استقراره علي رأي واحد، ونشرت الصحف المصرية، ان البشير عندما زار القاهرة في مرات كثيرة ، قام واعلن علنا بتأييد المواقف المصرية من سد النهضة ، ومن ناحية اخري، لم يخفي البشير اثناء زياراته المتعددة الي اثيوبيا، إعلانه وقوف السودان التام مع اكمال بناء سد النهضة!!
وجاء البرهان للحكم في ابريل ٢٠١٩، وانتظرت القاهرة واثيوبيا رأيه حول موضوع سد النهضة، وان كان هذا السد يشكل خطورة حقيقة علي السودان ومصر؟!!، والريب في الامر، ان المجلس العسكري الانتقالي السابق لم يناقش أصلا موضوع السد لا من قريب ولا من بعيد، وجاء المجلس السيادي بعده ولم يناقش حتي اليوم موضوع السد، ولزم كل أعضاء المجلس بشقيه العسكري والمدني السكوت التام، وتركوا امر السد للبرهان وحده يفتي فيه، وكالعادة كما في السابق، لهذا لم يجد الملف أي اهتمام جدي من المجلس السيادي وحكومة ادريس، وما كان من حل اخر امام البرهان الا الادلاء بتصريحات غير واضحة حول موقف السودان، ونشرت الصحف المحلية والأجنبية كثير من هذا الغموض، وجاء فيها:-
١/-أعلن البرهان في تصريحات رسمية مع الجانب الإثيوبي عدم وجود خلافات جوهرية تعيق العمل، مشدداً على أهمية التعاون المشترك.
٢/- شدد البرهان مراراً على تطابق وجهات النظر في بعض المراحل مع مصر، وأهمية التوصل لتفاهمات تحفظ حقوق دول المصب.- انتهي-
والمشكلة الكبري تكمن في ان السلطة الحاكمة في الخرطوم، لا تعرف حتي الان حجم الكارثة القادمة بسبب هذا السد الاثيوبي، سبق ان قامت الحكومة المصرية في مرات بلفت نظر المسؤولين في بورتسودان بالمخاطر القادمة، وان المتخصصين المصريين في الشأن المائي، قد اكدوا ان السد الاثيوبي يشكل خطورة علي البلدين، ولكن حتي اليوم لا توجد اذان صاغية لهذا التنبيه المصري.
ولا يجب ان ننسي، ما قاله كيفن، وهو الباحث الأول في دراسة نشرت بدورية “نيتشر كومينيكيشنز” (Nature Communications)، أن “تجنب الفيضانات في السودان، يتطلب من إثيوبيا خفض منسوب المياه في الخزان بشكل استباقي وكاف قبل موسم الفيضان لاستيعاب جميع المياه المتدفقة، فالتنسيق بين مشغلي سد النهضة الإثيوبي الكبير وسد الروصيرص السوداني -أقرب السدود السودانية لسد النهضة- أمر بالغ الأهمية نظرا لقرب السدين واختلاف حجم الخزانات، حيث يحتاج السودان إلى معرفة مسبقة بموعد وكمية المياه المتوقعة من سد النهضة الإثيوبي الكبير”.- انتهي-
والسؤال المطروح بقوة هل فعلا اثيوبيا خفض منسوب المياه في الخزان بشكل استباقي؟!!، وجاء الرد من الخبير المائي السوداني والمحاضر السابق في الأكاديمية العليا للدراسات الإستراتيجية والأمنية في السودان د. سيف الدين يوسف “”سد الروصيرص المصمم لاستقبال 370 مليون متر مكعب من المياه يوميا، استقبل 750 مليون متر مكعب، واضطرت إدارة السد السوداني لتصريف هذه الكمية الزائدة يوميا لتجنب انهياره، وهذا ما تسبب في الفيضانات”.”.
ومن جانبها، سعت إثيوبيا العام الماضي إلى نفي مسؤوليتها عن كارثة الفيضانات في السودان، وقال مدير مشروع سد النهضة، كيفلي هورو في تصريحات صحفية لوكالة أسوشيتد برس في 30 سبتمبر/أيلول من العام الماضي قائلا إن “تغيرات المناخ أنتجت كميات كبيرة من المياه، وعلى عكس ما يتردد، فإنه لولا وجود سد النهضة لكانت الكميات التي وصلت إلى السودان تفوق تلك التي تسببت في الفيضانات بثلاثة أضعاف”.




مقالك يا استاذ غير موفق , فأنت لم تذكر اية معلومة عن الخطورة التي تحدث عنها المتخصصون المصريون . أما الفيضانات فقد حدثت مرات عديدة خلال مشوار حياتك او حياة من هم اصغر منك و وقتها لم يكن هناك سد النهضة و لا غيره في اثيوبيا .
الحل فيما يتعلق بالفيضانات ينبغي ان يكون سودانيا خالصا فلا يمكن الاعتماد على دولة اخرى في الجنوب او الشمال لانه ما جلدك مثل ظفرك