مقالات وآراء

المسؤلية والواجب الإنساني (1-7)

عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ

من الحرية الي المسؤولية والواجب الإنساني المجتمعي
مدخل إلى ميثاق إنساني للتعايش الديني والمجتمعي

إذا كانت كرامة الإنسان هي نقطة البداية، وكانت المواطنة تعني المساواة في الحقوق والواجبات، وكانت العدالة الإنسانية طريقًا إلى السلام، وكانت الهوية الإنسانية أساسًا لعلاقتنا ببعضنا وبالدولة، وكان التعايش ثمرة الاعتراف بالاختلاف، وكانت الحرية حقًا أصيلًا للإنسان؛ فإن هذه الحقوق جميعًا تقودنا إلى ذو أهمية:
هو مسؤولية الإنسان تجاه الإنسان وما واجبه تجاه مجتمعه ووطنه؟
فالحرية لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء دون اعتبار للآخرين، كما أن الحقوق لا يمكن أن تستقيم من دون واجبات. وكل مجتمع يريد أن يعيش في سلام يحتاج، إلى جانب القوانين والمؤسسات، إلى وعي إنساني يجعل الفرد يدرك أن وجوده مرتبط بوجود الآخرين، وأن حريته لا تكتمل بإلغاء حرية غيره.بل بالمسؤولية الإنسانية .
المسؤولية الإنسانية تبدأ من حقيقة بسيطة، لكنها عميقة: الآخر إنسان مثلي، له كرامته وحقوقه ومشاعره وحريته.
فعندما أؤمن بأن كرامتي لا تعتمد على ديني أو لوني أو قبيلتي أو أصلي أو منطقتي، فإنني بالضرورة أقبل بأن كرامة الآخر لا تعتمد كذلك على هذه الأشياء.
وهنا تتحول القيم من مجرد أفكار نتحدث عنها إلى سلوك يومي.
فاحترام الآخر مسؤولية، وعدم إهانته مسؤولية، وعدم التمييز ضده مسؤولية، وحماية حقه في الاختلاف مسؤولية، ورفض الاعتداء على كرامته مسؤولية.
وبذلك لا تصبح المسؤولية فعلًا قانونيًا فقط، وإنما تصبح ضميرًا إنسانيًا يسبق القانون، ويجعل الإنسان قادرًا على ضبط سلوكه حتى في غياب الرقابة.
فإذا كان من حق الإنسان أن يعتقد، وأن يعبر عن رأيه، وأن يختار أسلوب حياته في إطار القانون، فإن عليه في الوقت نفسه أن يحترم حق الآخرين في هذه الحريات.
ولا يمكن أن أطالب بحقي في حرية التعبير بينما أستخدم هذا الحق للتحريض على الكراهية أو العنف أو إهانة الإنسان.
لذلك فإن الحرية المسؤولة ليست تقييدًا للحرية، وإنما هي حماية لها؛ لأن حرية الإنسان لا تكون ذات معنى إذا تحولت إلى وسيلة لسلب حرية الآخرين (حياة الغابة نموزج) .
المجتمع ليس مجموعة أفراد يعيش كل واحد منهم بمعزل عن الآخر. نحن نتشارك المكان والموارد والطرق والمدارس والمستشفيات والمؤسسات، ونتأثر جميعًا بما يحدث حولنا.
ولهذا فإن خدمة المجتمع ليست منّة من فرد على آخر، وإنما هي واجب إنساني واجتماعي.
أن أساعد المحتاج، وأن أحافظ على الممتلكات العامة، وأن أحترم النظام، وأن أرفض الفساد، وأن أساهم في حماية البيئة، وأن أحافظ على حياة الناس وسلامتهم، وأن أساند المتضررين في أوقات الأزمات والكوارث؛ كل ذلك صور من المسؤولية المجتمعية.
والمجتمع الذي ينتظر دائمًا من الدولة أن تقوم بكل شيء، دون أن يشعر أفراده بمسؤوليتهم تجاهه، يظل مجتمعًا ضعيف المشاركة، مهما بلغت قوة مؤسساته.
تزداد المسؤولية الإنسانية أهمية في أوقات الأزمات والحروب؛ لأن الإنسان في هذه الظروف يكون أكثر حاجة إلى الحماية والرعاية والتضامن (دور التكايا في حرب السودان العبثية) .
وفي مثل هذه الظروف لا ينبغي أن تتحول معاناة الناس إلى وسيلة لتعميق الكراهية أو الانتقام أو تقسيم المجتمع أو الكسب السياسي والقبلي والجهوي والاسطفاف مع صاحب السلطة والمال دون النظر الي إنسانية الموقف.
فإن حماية الإنسان، وإغاثة المتضررين، واحترام كرامة النازحين واللاجئين، ومساعدة الأسر، ورعاية الأطفال وكبار السن، ورفض خطاب الكراهية، وعدم استغلال معاناة الناس لتحقيق مكاسب سياسية أو اجتماعية هي اس الواجب والسؤلية.
فالإنسانية لا تُختبر في أوقات الاستقرار فقط، وإنما تظهر حقيقتها عندما يكون الآخر في أضعف حالاته.
ومن أهم صور المسؤولية المجتمعية أن نتعلم كيف نختلف.
فليس كل اختلاف تهديدًا، وليس كل رأي مخالف إهانة، وليس كل اختلاف ديني أو ثقافي أو سياسي سببًا للصراع.
إن مسؤوليتنا تجاه المجتمع تقتضي أن نحول التنوع من مصدر للخوف إلى مصدر للتعارف.
وهنا يبرز دور الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة والإعلام والمجتمع المدني والمثقفين؛ في بناء ثقافة تحترم الإنسان المختلف، ونعلم الأجيال أن الاختلاف جزء من طبيعة الحياة الإنسانية.
إنه يجب عليي كفرد أن أراجع لغتي، وأن أتوقف عن نشر الشائعات، وأن أرفض خطاب الكراهية، وأن لا أحتقر إنسانًا بسبب أصله أو دينه أو قبيلته أو لونه، وأن أساعد من يحتاج إلى المساعدة، وأن أحافظ على المرافق العامة، وأن ألتزم بالقانون، وأن أقول الحقيقة قدر استطاعتي؛ كلها أفعال تبدو صغيرة، لكنها تصنع في مجموعها ثقافة اجتماعية جديدة.
فالمجتمع لا يصبح إنسانيًا بمجرد كتابة المواثيق، وإنما يصبح كذلك عندما تتحول مبادئها إلى ممارسة يومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..