مقالات وآراء

إحكام الطوق

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول

قبل أن تسقط كل الحروف
علينا أن نحصي تلك الثقوب المتسعة في قلب الورق.

وعندما ذكرنا أن الخارجية السودانية خاطبت الخارجية الأمريكية قبل يومين سرًا تطلب منها عدم التعامل مع وفد صمود، أشرنا إلى أن الأخيرة تجاهلت الرد على الطلب.
لكن في بيانها بالأمس جاءت فقرة بدت كرد مباشر على الخارجية السودانية، حيث أكدت أنها “ستتعامل مع أي طرف جاد في عملية السلام” .
فهل وقعت وزارة الخارجية السودانية بهذا الطلب في ما كانت تخشاه؟ وكشف خطابها” نقطة ضعف” الحكومة السودانية أمام واشنطن؟
فعندما تطلب منها عدم التعامل مع المدنيين، فهي تفضح أمرين :انزعاجًا شديدًا من وجود المدنيين في الساحة الدولية، وخوفًا من فقدان التمثيل السياسي. وهذه النقطة بالذات هي ما تبحث عنه واشنطن دائمًا: معرفة أين تتألم السلطة، وأين تشعر بالتهديد.
فرفضُ الطلب السوداني دون الدخول في مواجهة مباشرة يفتح الباب لصمود أو لأي جسم مدني آخر طالما يلتزم بالسلام.
وربما اختارت واشنطن الرد بهذه الطريقة لأن الرد المباشر على خطاب الخارجية السودانية كان سيُظهر اعترافًا بشرعية الخطاب أو اعترافًا بشرعية السلطة في بورتسودان، أو لأنها تدرك أن الخارجية السودانية أرادت أن يبقى الطلب سريًا. وفي الدبلوماسية يُسمّى هذا “الرد بالمبدأ العام”، وهو أقوى من الرد المباشر لأنه ينسف الطلب من جذوره دون الدخول في مواجهة لفظية مباشرة:
سنتعامل مع أي طرف جاد في السلام بغض النظر عن رغبة أو رفض أي جهة أخرى. أي لن نلتزم بطلبكم، وسنتعامل مع من نراه مناسبًا، بما في ذلك صمود.
وهكذا، فإن ما أرادت الخارجية السودانية فعله بالقوة المدنية جاء بنتائج عكسية، وحرم البرهان نفسه.
وما حواه البيان من سطور تتعلق بعدم اعتراف أمريكا بالطرفين “أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقادتها لا يمثلون حكمًا شرعيًا أو دستوريًا للسودان، لكونهم يحكمون بقوة السلاح وحدها، وأن سلوكهما يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد”.
فهذا الموقف يطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا خرج وزير الخارجية الأمريكية ليعيد ما قاله مستشار الرئيس مسعد بولس قبل يومين بأن أمريكا لا تعترف بحكومة البرهان ولا حكومة الدعم السريع؟
وهنا يتجلى أن واشنطن أرادت تحويل تصريحات بولس إلى موقف رسمي؛ فمسعد بولس كان يتحدث بلغة واضحة، لكن كلامه لا يعني بيانًا أو موقفًا رسميًا. ومن قبل وصفت الحكومة وإعلامها تصريحاته بأنها مجرد رأي لمستشار وليس موقف دولة.
لذلك قررت واشنطن أن ترفع مستوى الرسالة إلى بيان رسمي، وهذا لم يأتِ صدفة، بل سعيًا لتحقيق هدف واضح وهو إعادة السلطة للشعب السوداني.
فواشنطن أكدت انحيازها التام ودعمها لعملية سياسية تُنهي الحرب وتعيد الدولة لمسارها الطبيعي.
هذا الموقف الرسمي هو رفضٌ صريح لشرعنة أي طرف عسكري، وفي الوقت نفسه يجدد رغبة المجتمع الدولي في هندسة انتقال سياسي يقوده المدنيون، مع قبضة اليد بالضغط المباشر على الجيش والدعم السريع معًا، طالما قالت أمريكا إن كليهما لم يُبدِ استعدادًا تامًا لقبول الهدنة.
إذن، فإن عبارة: “سنتعامل مع أي طرف جاد في عملية السلام” وحدها كافية لليقين بأن أمريكا أرادت تغيير المفتاح، وأن واشنطن تبحث الآن عن شريك جديد.
هذا الشريك ليس الجيش، وليس الدعم السريع، بل جهة مدنية قادرة على تقديم رؤية واضحة لوقف الحرب، ومع ذلك تقديم مشروع سياسي يضع مصلحة الشعب فوق كل المصالح. وهذا ما يجعلها تثق وتتحرك إلى مقدمة الفعل القائم على إيجاد آلية واضحة لوقف الحرب، سيما أنها ظلت تردد كثيرًا أن لديها خيارات أخرى.
لكن منع البرهان من مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة وحده لا يكفي. فمع تراجع نفوذ الحكومة في بورتسودان ومنح الثقة الدولية للقوى المدنية، فإن الضغط الدولي المتزايد على البرهان لن يتوقف عند هذه النقطة.
فالبيان لم يكن خطوة معزولة، بل مقدمة لمسار عدلي جديد ستستخدمه واشنطن لإحكام الطوق على الطرفين العسكريين. فملف الكيماوي هو أخطر ملف بيد أمريكا الآن، لذلك لن تعتمد على الضغط السياسي وحده، ولن تتوقف عند حدود نزع الشرعية السياسية، بل سيتحوّل الأمر إلى مسار عدلي تصاعدي بأدوات ضغط ثقيلة.
فواشنطن بهذا البيان تكشف عن استعدادها التام لاستخدام جلسة مجلس الأمن القادمة كمنصة للضغط، بعد أن رفعت مستوى خطابها. وستدخل الجلسة وهي تحمل موقفًا واضحًا لتوسيع نطاق حظر الأسلحة وربطه مباشرة بانتهاكات الحرب، سيما أن بولس دعا بالأمس إلى توسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة وزيادة تكلفة النزاع على جميع المقاتلين. ولذا، فإن منع البرهان من دخول أمريكا وحده لا يكفي؛ فالمسار العدلي والضغط بملفات الجرائم والانتهاكات هو الذي يحقق السلام في السودان .

طيف أخير:
#لا_للحرب

أكدت وزارة الخارجية السودانية في ردها أمس على نظيرتها الأمريكية تمسكها بالسيادة الوطنية للبلاد، ورفضت التشكيك في شرعيتها، ودعت واشنطن إلى الانخراط بشكل إيجابي مع الحكومة السودانية.
حكومةٌ تُنزع منها صفة الشرعية والاعتراف بكل هذه القسوة الدبلوماسية، تطالبُ من يفعل ذلك بالتعامل معها بإيجابية “كيوت”

 

‫4 تعليقات

  1. يحكى ان الرئيس الاسبق جعفر نميرى زار منطقة المجلد ويومها كان الناظر الاريب بابو نمر حيا .. مازح النميرى الناظر قائلا يا حضرة الناظر اننا سنقوم بتصفية الادارة الاهلية صمت البابو قليلا ورد على النميرى بقوله سيادة الرئيس لقد علمنا بذلك منذ اللحظة الاولى التى التى وصل فيها خط السكة الحديد نهاية الخمسينات من القرن الماضى. الى واو مرورا ببابنوسة وغرب كردفان بما فيها ديار المسيرية. عرف البابو رحمه الله بحكمة وبعد نظر اضافة لروح السخرية فضلا عن زهده الصريح فى بضاعة الدنيا بجاهها وعنفوانها… كان البابو صادقا فرده على النميرى لانه كان يقرا المستقبل ويستشرفه بالذى يمكن ان تحدثه سهولة الاتصال وحركة الافراد والافكار فى ان واحد.. سقت هذه الرواية لاقارن بين موقف الخارجية السودانية والتى لازالت متحوصلة فيما يسمى بالسيادة الوطنية وفى زمن تسيطر فيه العولمة وتعمل تشكيل انماط جديدة فى العلاقات الدولية….فالسيادة مع تطور البشرية وبالتالى تطور التشريعات والمنظمة لهذه العلاقات وموضوع السيادة يتضاءل مع جرائم اتفقت البشرية بانها جرائم لا يمكن التغاضى عنها كالقتل الجماعى والابادة البشرية واسلحة الدمار الشامل.. ومع تقدم التكنولوجيا فان العيون تدخل الى غرف نومنا دونما استئذان واتصالاتنا السلكية واللاسلكية كلها تمر بغربال تكنولوجى دقيق وهذا الامر اتاح للدول المتقدمة فى المضى لابعد مدى ممكن للتجسس والاستخبار خدمة لمصالحها بالدرجة االولى مستغلة شعارات مختلفة.. فالولايات المتحدة رغم تشددها فى متابعة جرائم الاخرين وعلى المسرح الدولى ولكن تاريخها أيضا ملئ بالثقوب والانتهاكات فضلا عن حمايتها لقوى ترتكب جرائم مماثلة ومع كل هذا لا بد ان نضع فى الاعتبار بانها قادرة على ممارسة الضغوط بشكل واسع ومؤثر لا يمكن الاستهانة به.. خارجيتنا المسكينة تعيش فى كبسولة تغزلها عن التطورات الحادثة فى القانون الدولى وكيفية العمل داخل المؤسسات الامريكية فهى تتميز بالعمق والتانى فى اتخاذ القرار فضلا تكامل عمل هذه المؤسسات خدمة للمصالح االامريكة اولا بما فيها خدمة نفوذها وخدمة لحفائها.. وخارجيتنا اصابها ما اصابها بفعل الانقاذ والتمكين فثعد فيها فاقدو القدرات كالتى ارسلت لتتعلم اللغة الانجليزية وهى خريجة جامفة الخرطوم ومكت فى بلاد الفرنجة ما يقارب العقد من الزمن وعادت بخفى حنين وضمنت وظبفتها رغم ذلك ..خطاب الخارجية المسكينة لا يستند على سند موضوعى لطلب عدم استقبال وفد صمود اتفقنا معه أو اختلفنا ويرى ( بضم الياء) بين سطور الطلب تسلل كيزانى خفيف بقدر كبير من البلاهة والسطحية .. لنقارن تحالف المملكة العربية السعودية ومصالحها العميقة مع واشنطون وهى تطلب من الرجل البرتقالى ارسال بعض الغرات على الحوثيين فى حدها الجنوبى .. ومع كل ذلك رفضت واشطنون القيام بطلب عزيز من اقرب حلفائها فى المنطقة ولم يكتف البرتقالى بالرفض ولكنه اذاع على الملا وتناقلت الوسائط الخبر على نطاق واسع لم يكن متوقعا.. ونقول انه لمن حسن الحظ ان خارجيتنا لم تتلقى الاستهزاء والسخرية.. امريكا ليست لها علاقات ود مع السودان والكيزان المختبئون فى اضابير المؤسسات السودانية ينخرون فى جسم الدولة كعادتهم.. لماذا لا نتعلم او بعبارة اخرى لماذا نظن اننا اذكى واقدر من غيرنا فى حبك المؤامرات .. عودوا الى داخل الوطن عالجوا ازماته المتجذرة باقامة العدل وسيادة القانون فالحرب قد دمرت حياتنا تماما ولا يفيدنا استمرارها والثمن المدفوع هو الافدح ولاندرى متى وكيف تكون النهاية.. فالامريكان وغيرهم مهما عملوا واتخذوا من اجراءان فالسودانيون هم الاولى بوطنهم ومجابهة مشاكله بشجاعة بعيدا عن تجريب المجرب فالذى حكم ثلاثين عاما وارودنا الى مافيه نحن اليوم فلن يكون بمقدوره ابتداع حلول فى يومين او يومين .. وكفى

  2. دائما ما اتشرف بقراءة مقالاتك استاذة صباح. ربما لا اتفق مع كل ما تطريحيه من افكار ولكنني وغيري ان كنا منصفين لا بد من الاعتراف بمقدراتك الفذة في التحليل المتأني الرصين الذي تفتقده معظم الكتابات في الميديا السودانية التي تنضح بالسباب والشتائم والامكانيات المتواضعة.
    يعجبني فيك انك “بتحكي الموضوع لحدي ما يجيب الدم” ولكن بصبر ومسئولية ومهنية ….
    لا يخطأ المرء ويلاحظ انك مع “صمود” قلبا وقالبا ولكن دفاعك عنهم يأتي من منظور مختلف من باقي الاقلام التي تدافع عنهم دفاع “شكارتها ودلاكتها”.
    نتمنى ان يكون هكذا هو ديدن التحليل والنقد لدينا حتى نرتقي به الى مصاف العقلانية التي سوف تجعل من خطاب الكراهية ذمة يخجل يعاف منه كل من يسلك طريقه.
    تحية لك والى الامام

  3. محي الدين سالم وزير خارجية غير شرعي .. صابغ شعره وشنبه ويتحدث بإسم الشعب السوداني ويتصرف كأنه منتخب أو معين من حكومة شرعية .. يا جماعة الكيزان ديل البفكنا منهم شنو ؟

  4. محي الدين سالم لولا ثورة ديسمبر لما سمع به احد ولكن اصر ان يكون في ظل العسكر والتاريخ بالمرصاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..