حين يصبح المجد ظلاً

منى محمد صالح احمد
قراءة في مقال د.عوض النقر بابكر محمد عن الطيب صالح وأزمة المعيار الواحد في الأدب السوداني
مقدمة: سؤالٌ لا يجرؤ كثيرون على طرحه
ليست الكتابة عن الطيب صالح مهمة سهلة. فالرجل الذي ارتبط اسمه بواحد من أشهر النصوص الروائية العربية، وأصبح حضوره علامة فارقة في تاريخ السرد السوداني والعربي، لم يعد مجرد كاتب يمكن قراءة تجربته بمعزل عن الأسئلة الكبرى التي أحاطت بها. ومن هنا تأتي أهمية المقال الذي كتبه الدكتور عوض النقر بابكر محمد بعنوان: «الطيب صالح والجانب المظلم: حين تحولت العبقرية إلى عقبة كئود( مجلة فكر عدد 48) فهو لا يذهب إلى منطقة المديح المألوف، ولا يختار الطريق الأسهل في إعادة الاحتفاء برمز أدبي كبير، وإنما يغامر بطرح سؤال أكثر حساسية: متى يمكن أن تتحول عظمة المبدع، في وعي النقد والمؤسسات والجمهور، من منارة تهدي الطريق إلى ظل يحجب طرقاً أخرى؟
إنها ليست محاولة للنيل من الطيب صالح، كما قد يوحي العنوان للوهلة الأولى، وإنما محاولة لقراءة أثره الثقافي من زاوية مختلفة؛ زاوية تميز بين قيمة المنجز الإبداعي في ذاته وبين الطريقة التي تعامل بها النقاد والقراء مع هذا المنجز عبر العقود.
وهنا تحديداً تكمن قيمة المقال.
الطيب صالح… العظمة التي لا تحتاج إلى دفاع
ينطلق الدكتور عوض النقر من حقيقة لا يختلف عليها اثنان: أن الطيب صالح واحد من أبرز الأسماء في الرواية العربية الحديثة، وأن «موسم الهجرة إلى الشمال» ترك أثراً عميقاً في الوعي الأدبي العربي والعالمي.
لكن ذكاء المقال أنه لا يجعل هذه الحقيقة خاتمة للنقاش، بل يجعلها بدايته.
فالكاتب لا يسأل: هل كان الطيب صالح عظيماً؟
بل يسأل سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا فعلنا نحن بهذه العظمة؟
وهذا التحول في السؤال هو الذي يمنح المقال مشروعيته النقدية. فالعمل الأدبي الكبير حين يدخل التاريخ لا يعود ملكاً لصاحبه وحده؛ إذ تبدأ حوله عمليات القراءة والتأويل والتدريس والمقارنة، وقد تنشأ من حوله منظومة نقدية تجعل منه معياراً تقاس عليه أعمال أخرى.
وهنا يرى المقال أن المشكلة لم تعد في النص المؤسس، وإنما في تحويله إلى مقياس دائم لكل نص يأتي بعده.
من (موسم الهجرة) إلى (موسم المقارنة)
ربما تكون واحدة من أكثر الأفكار إثارة في المقال تلك التي تشير إلى أن حضور الطيب صالح أصبح حاضراً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قراءة كثير من الأعمال السودانية اللاحقة.
فالكاتب الجديد قد يكتب عن القرية، أو المدينة، أو الهوية، أو علاقة السودان بالعالم، أو آثار الاستعمار، أو الصراع بين الحداثة والتراث، ثم يجد نفسه، شاء أم أبى، داخل دائرة المقارنة.
إذا اقترب من عالم الطيب، قيل إنه يقلده.
وإذا ابتعد عنه، أمكن أن يُسأل لماذا ابتعد.
وإذا كتب عن قضايا جديدة، بقي السؤال حاضراً حول علاقته بالإرث السابق.
وهكذا يتحول الكاتب من محاولة اكتشاف صوته الخاص إلى محاولة إثبات استقلاله عن صوت سابق شديد الحضور.
هذه المفارقة هي قلب المقال النابض: أن يصبح التخلص من ظل الكاتب الكبير جزءاً من مهمة الكاتب الجديد.
المقال لا يهدم التمثال… بل يطالب بإعادة وضعه
من الإنصاف هنا التأكيد على أن الدكتور عوض لا يدعو إلى هدم مكانة الطيب صالح، بل إلى إعادة تعريف هذه المكانة.
فالخاتمة الأصلية للمقال تؤكد بوضوح أن «العقبة» ليست في الطيب صالح نفسه، وإنما في العقلية النقدية التي جعلت منه نهاية لا بداية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالكاتب الكبير لا يصبح عظيماً لأن الآخرين توقفوا بعده، بل لأنه فتح الطريق أمام من يأتي بعده. وإذا كان إرثه عظيماً، فإن من حق الأجيال اللاحقة أن تستخدم هذا الإرث نقطة انطلاق، لا نقطة توقف.
إن تكريم الطيب صالح لا يكون بإجبار كل روائي سوداني على الكتابة في ظله، وإنما بمنح كل كاتب الفرصة لأن يكون نفسه.
شجاعة الاقتراب من منطقة حساسة
ما يحسب للدكتور عوض النقر بابكر محمد، قبل أي شيء، هو شجاعته في اختيار الموضوع.
فالكتابة الثقافية كثيراً ما تميل إلى المناطق الآمنة: الاحتفاء، التذكير بالمآثر، استعادة النصوص المحبوبة، وإعادة إنتاج ما قيل سابقاً.
أما أن يتوقف كاتب أمام إرث أدبي ضخم ويسأل عن الوجه الآخر لهذا الإرث، فذلك يتطلب قدراً من الجرأة والاستقلال الفكري.
والمقال هنا لا يكتفي بإثارة السؤال، بل يحاول تتبع جذوره في النقد والمؤسسات الأكاديمية وآليات استقبال الأدب، ويشير إلى أن تدريس الطيب صالح في عزلة عن السياق الأوسع للرواية السودانية قد يساهم في تكريس صورة اختزالية عن الأدب السوداني.
وهذه ليست قضية تخص الطيب صالح وحده، بل تخص الثقافة نفسها: كيف نصنع ذاكرتنا الأدبية؟ ومن نمنح حق الحضور فيها؟
السودان الأدبي أكبر من اسم واحد
السودان بلد متعدد الجغرافيا والتاريخ والأصوات والتجارب، ومن الطبيعي أن يكون أدبه كذلك.
ومن هنا تبدو دعوة المقال إلى الالتفات إلى الأصوات الأدبية الأخرى دعوة مهمة، لأنها تنقل النقاش من شخص واحد إلى المشهد بأكمله.
فالأدب السوداني اللاحق لم يكن نسخة واحدة، بل ظهرت فيه اتجاهات وتجارب متعددة، تناولت الحرب والهجرة والنزوح والهوية والتهميش والتحولات الاجتماعية وغيرها من الأسئلة التي فرضها التاريخ السوداني الحديث.
ولا ينبغي لهذه الأعمال أن تدخل إلى الساحة وهي تحمل سؤالاً واحداً: «هل استطاعت أن تكون في مستوى الطيب صالح؟»
فلكل تجربة أسئلتها، ولكل زمن لغته، ولكل جيل حقه في أن يعيد اكتشاف العالم بطريقته.
إن مقارنة كل تجربة جديدة بتجربة سابقة عظيمة قد تكون مفيدة في بعض السياقات، لكنها تصبح قيداً إذا تحولت إلى قاعدة وحيدة للقراءة.
النقد حين يتحول من نافذة إلى بوابة
من أكثر الجوانب التي تستحق التأمل في المقال موقفه من النقد الأكاديمي والمؤسسات الثقافية.
فالنقد في جوهره يفترض أن يكون مساحة لاكتشاف الاختلاف، لا أداة لتثبيت نموذج واحد.
وحين يصبح الناقد مشغولاً دائماً بإثبات أن هذا الكاتب يشبه ذاك، أو أن هذه الرواية لم تبلغ مستوى تلك الرواية، فقد يفقد القدرة على رؤية القيمة الخاصة للعمل الجديد.
والأخطر من ذلك أن يتحول النقد إلى ما يشبه البوابة التي لا تسمح للعمل الأدبي بالدخول إلى دائرة الاعتراف إلا إذا مر أولاً عبر النموذج المكرس.
وهنا يقدم مقال الدكتور عوض سؤالاً مهماً للنقاد والجامعات والمؤسسات الثقافية: هل نقرأ الأدب الجديد بشروطه، أم نجبره دائماً على المثول أمام محكمة الماضي؟
بين الوفاء للتراث والحق في تجاوزه
لا يمكن لأي ثقافة حية أن تتقدم من خلال إنكار تراثها، كما لا يمكنها أن تستمر إذا تحولت إلى أسيرة له.
وهذا التوازن هو أحد أجمل ما يمكن استخلاصه من المقال.
فالطيب صالح جزء من الذاكرة السودانية والعربية، وسيظل كذلك. و«موسم الهجرة إلى الشمال» عمل لا يمكن تجاوزه بمعنى المحو أو النسيان.
لكن التجاوز الإبداعي شيء آخر.
أن نتجاوز الطيب صالح يعني أن نقرأه جيداً، وأن نفهم أثره، ثم نواصل الطريق.
يعني أن نضعه في مكانه الطبيعي داخل تاريخ الأدب، لا فوق تاريخ الأدب كله.
يعني أن نعترف بأن الأجيال الجديدة تعيش واقعاً مختلفاً، وتواجه أسئلة لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها في زمنه.
وبهذا المعنى، فإن تجاوز الظل لا يعني إنكار صاحبه، بل يعني الاعتراف بأن الشمس لا تضيء من اتجاه واحد.
كاتب يكتب من موقع القارئ والناقد
ومن الجوانب اللافتة في تجربة الدكتور عوض النقر أن المقال لا يبدو مجرد استعراض للمعلومات، بل يحمل وراءه موقفاً واضحاً من وظيفة الكتابة الثقافية.
فالكاتب لا يكتفي بسرد أسماء وتجارب، وإنما يحاول تحويل الموضوع إلى قضية عامة تتعلق بحرية الإبداع وتعدد الأصوات.
وهذه الروح هي التي تجعل المقال قابلاً لأن يكون مادة للنقاش، لا مجرد مادة للقراءة العابرة.
فالمقال الجيد ليس بالضرورة ذلك الذي يجعل جميع القراء متفقين مع صاحبه، وإنما ذلك الذي يجعلهم يفكرون في السؤال الذي طرحه حتى بعد الانتهاء من القراءة.
ومن هذه الزاوية، فإن مقال عوض النقر ينجح في أداء وظيفة أساسية من وظائف الصحافة الثقافية: إزعاج اليقين الهادئ وفتح نافذة على سؤال جديد.
الخاتمة: المجد الحقيقي أن يفتح الطريق
في نهاية المطاف، ليست القضية أن نضع الطيب صالح في مواجهة الكتاب السودانيين الذين جاءوا بعده، ولا أن نستبدل صنماً بصنم، وإنما أن نتحرر من فكرة أن الأدب يحتاج دائماً إلى مركز واحد.
لقد كان الطيب صالح صوتاً عظيماً، لكن عظمة صوته لا ينبغي أن تعني إسكات الأصوات الأخرى.
وكانت «موسم الهجرة إلى الشمال» علامة فارقة، لكن العلامة الفارقة لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز على الطريق.
وهنا تبرز أهمية مقال الدكتور عوض النقر بابكر محمد؛ فهو لا يكتب ضد الطيب صالح بقدر ما يكتب من أجل الأدب السوداني نفسه، ومن أجل أن يبقى هذا الأدب قادراً على إنتاج أصوات جديدة، وأسئلة جديدة، ولغات جديدة، وطرائق جديدة في النظر إلى السودان والإنسان والعالم.
وربما تكون الرسالة الأجمل التي يمكن أن نخرج بها من المقال هي أن المبدع العظيم لا يُكرَّم حين نجعل الآخرين نسخاً منه، وإنما حين نسمح لهم بأن يصبحوا أنفسهم.
فالتراث الذي لا يقود إلى المستقبل يتحول إلى متحف، والمتحف جميل لأنه يحفظ الذاكرة، لكنه لا يستطيع أن يكتب الرواية القادمة.
أما الأدب الحي، فيظل مفتوحاً على المجهول.
وهذا بالضبط ما يدعونا إليه مقال عوض النقر: أن نقرأ الطيب صالح بمحبة، ونحترم منجزه بإنصاف، ثم نفتح الأبواب أمام الذين يأتون بعده.
فليس المطلوب أن نطفئ النجم كي نرى النجوم الأخرى؛ المطلوب فقط أن نرفع رؤوسنا إلى السماء.



