مقالات وآراء

حيدر إبراهيم.. حين تصبح الذات وثيقة

لم يكن رحيل د. حيدر إبراهيم على مجرد غياب مفكر وكاتب سوداني بارز، فقد كان الرجل، على امتداد عقود، واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يجعلوا من الكتابة فعلاً لمقاومة النسيان، ومن المعرفة وسيلة لتحرير العقل من المسلمات التي تتحول، مع مرور الزمن، إلى حقائق لا تقبل السؤال.
ولعل أكثر ما يستوقفني في تجربة حيدر هو ذلك التلازم بين التفكير والتوثيق. فقد كان من القلائل الذين امتلكوا شجاعة أن يكتبوا سيرتهم الذاتية في مجتمع كثرت فيه الخطوط الحمراء، وتحولت فيه الكتابة عن الذات والسياسة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ولهذا لم يكن كتابه «أزمنة الريح والقلق والحرية» مجرد سيرة شخصية. لقد كان محاولة لإدخال الذات إلى التاريخ؛ أن يقول الإنسان: كنت هنا، عشت هذه الأحداث، تأثرت بها، أخطأت وأصبت، تغيرت مواقفي، وهذه هي الطريقة التي رأيت بها الزمن الذي عشته.
وقد وصف مركز الدراسات السودانية الكتاب بأنه سيرة ذاتية، كما أن مراجعات الكتاب تشير إلى أنه يستعرض نشأته ودراسته في السودان وفرانكفورت وعلاقاته بالمثقفين والشخصيات العامة ومواقفه السياسية.
وهذه شجاعة ليست قليلة في ثقافة اعتادت أن تكتب التاريخ من خلال الشعارات والأحزاب والأحداث الكبرى، بينما تختفي خلف ذلك كله الذات التي عاشت تلك الأحداث.
الذات التي تختفي خلف الموضوعية
وربما كان لتجربة حيدر الأكاديمية في ألمانيا واحتكاكه بالفكر الأوروبي أثر في هذه الحساسية تجاه العلاقة بين الذات والموضوع. لا أقول ذلك باعتباره تفسيراً قطعياً لسيرته، وإنما باعتباره احتمالاً يستحق التأمل.
فالفكر الحديث – هنا اعنى الحداثة الاولى كالشيوعية والفاشية والليبرالية – أولى الموضوعية والعقلانية مكانة مركزية، وسعى إلى إقامة مسافة بين الباحث وموضوعه، وكأن المعرفة يمكن أن تتحرر تماماً من ذات صاحبها.
ثم جاءت تيارات فكرية لاحقة، ومنها تيارات ما بعد الحداثة، لتعيد طرح السؤال:
أين تختفي الذات حين ندعي أننا نقدم معرفة موضوعية خالصة؟
فالباحث يختار موضوعه، ويختار زاوية النظر إليه، ويقرر ما الذي يستحق أن يسجل وما الذي يمكن إهماله. والمؤرخ لا يكتب من خارج التاريخ، وإنما يكتب من داخل زمنه وأسئلته ومصالحه وحساسياته.
ومن هنا تصبح السيرة الذاتية ذات قيمة تتجاوز الاعتراف الشخصي.
فهي لا تقول فقط: ماذا حدث؟
بل تقول أيضاً:
كيف رأى الإنسان ما حدث؟ وكيف فهمه؟ وكيف تغير فهمه له مع الزمن؟
وهذا فرق جوهري.
فالذات لا تصبح بديلاً عن الموضوعية، لكنها تصبح جزءاً من وثيقة التاريخ.
حيدر ومشكلة التوثيق
من هنا أفهم اهتمام د.حيدر بالتوثيق ومشروعه في مركز الدراسات السودانية، الذي أسسه في القاهرة في أوائل التسعينيات، وأصبح مركزاً للبحث والنشر والندوات حول قضايا السودان. وتشير مصادر المركز إلى أن المشروع الفكري لحيدر ارتبط بالتنوير والتحرير ونقد الإسلام السياسي، كما ارتبط المركز بإنتاج واسع من الكتب والدراسات.
وكان هذا مهماً بصورة خاصة في مجتمع مثل السودان، حيث يعتمد جانب كبير من التاريخ الاجتماعي والسياسي على الذاكرة الشفهية.
والثقافة الشفهية ليست عيباً، وليست دليلاً على التخلف. إنها طريقة من طرق حفظ التجربة الإنسانية، وقد حفظت لنا أشياء كثيرة كان يمكن أن تضيع تماماً لولا روايات من عاشوها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى وثيقة، والرواية إلى واقعة، وتكرار القول إلى دليل على صحته.
فالذاكرة تنتقي وتتذكر وتنسى، كما أنها تعيد تفسير الماضي من خلال الحاضر.
ولهذا فإن السؤال التاريخي لا ينبغي أن يكون فقط:
ماذا يتذكر الناس؟
بل أيضاً:
كيف تشكلت هذه الذاكرة؟ ومتى بدأت هذه الرواية؟ ومن نقلها؟ وما الذي تغير فيها أثناء انتقالها من جيل إلى آخر؟
الخاتم عدلان.. مثال صغير على مشكلة كبيرة
ولعل أفضل مثال على هذه المشكلة هو الرواية التي ظلت تتردد في بعض الأوساط السياسية السودانية خاصة جماعة الإسلام السياسي عن الخاتم عدلان، وأنه هتف:
«أضرب أضرب يا أبو القاسم»
في إشارة إلى أبو القاسم محمد إبراهيم، وأنه بذلك كان يدعو السلطة إلى ضرب طلاب جامعة الخرطوم المعارضين لانقلاب مايو.
هذه ليست مجرد حكاية عابرة؛ لأنها أصبحت جزءاً من صورة سياسية كاملة عن الخاتم والحزب الشيوعي وموقف اليسار من مايو.
لكن المشكلة تبدأ عندما نسأل عن التوثيق.
ففي حوار منشور مع الخاتم نفسه، وُجهت إليه هذه التهمة صراحة، بما في ذلك نسبة الهتاف إليه، فنفى ذلك، ورفض القول إنه دعا إلى ضرب الجامعة أو الطلاب.
وفي المقابل، توجد رواية منشورة أخرى تذكر أن الهتاف كان يهتف به بعض طلاب الجبهة الديمقراطية، لا الخاتم شخصياً.
إذن نحن أمام روايات متعارضة.
وهنا لا ينبغي أن تكون مهمتنا أن نختار الرواية التي توافق موقفنا السياسي.
بل ينبغي أن نسأل:
أين التسجيل؟
أين الصحيفة المعاصرة للحدث؟
أين محضر الندوة؟
من كان موجوداً؟
ومن أول من نسب العبارة إلى الخاتم؟
ومتى ظهرت هذه النسبة؟
هذه هي الأسئلة التي يجعلنا التوثيق نطرحها.
والأهم أن علينا أن نفرق بين أمرين: الموقف التاريخي للحزب الشيوعي من انقلاب مايو في بدايته، وهو موضوع يمكن بحثه وتوثيقه من مصادره، وبين نسبة عبارة محددة إلى شخص محدد في لحظة محددة.
فالخلط بين الاثنين يمكن أن ينتج رواية جديدة لا تثبتها الأدلة.
وقد يكون من السهل، في سياق الخصومة السياسية، أن يتحول موقف جماعي إلى فعل منسوب إلى فرد، ثم يتحول الفعل المنسوب إلى الفرد إلى جزء من سيرته، ثم يصبح بعد عقود «حقيقة تاريخية».
وهنا يصبح التوثيق ضرورة، لا ترفاً.
دريدا: ما يصلنا هو الأثر
وهذه النقطة تجعلني أستحضر، بحذر، بعض أفكار جاك دريدا.
فدريدا لم يقل إن الكلام كاذب والكتابة صادقة. بل انتقد الامتياز الذي منحته الفلسفة الغربية للكلام الحاضر، باعتباره أقرب إلى قصد المتكلم وحضوره.
أما بالنسبة لنا، فالفكرة الأهم هي أن الماضي لا يصل إلينا في صورته الأصلية؛ وإنما يصل إلينا عبر آثاره.
الوثيقة أثر.
الشهادة أثر.
المذكرات أثر.
التسجيل أثر.
والرواية الشفهية أثر.
لكن الأثر ليس هو الحدث نفسه.
ولهذا لا يكفي أن نقول:
«أنا كنت موجوداً.»
فالحضور يمنح الشاهد قيمة مهمة، لكنه لا يجعل ذاكرته نسخة فوتوغرافية من الماضي.
كما لا يكفي أن نقول:
«هذه الرواية معروفة.»
فشيوع الرواية لا يحولها إلى وثيقة.
وماذا عن الحديث النبوي؟
وقد يبدو الانتقال من الرواية السياسية السودانية إلى الحديث النبوي بعيداً، لكنه في الحقيقة يوضح المشكلة نفسها على مستوى تاريخي أوسع: كيف تنتقل المعرفة من الذاكرة والرواية إلى النص؟
يقال أحياناً إن الحديث النبوي لم يُدوَّن إلا بعد قرنين من وفاة النبي محمد. وهذه العبارة، بصيغتها المطلقة، تحتاج إلى تصحيح.
فقد كانت هناك كتابة ومصنفات حديثية في القرن الثاني الهجري، ومن أبرز الأمثلة الموطأ للإمام مالك، كما تشير الدراسات إلى وجود أعمال أخرى في القرن الثاني.
لكن المصنفات الكبرى التي أصبحت لاحقاً من أشهر كتب الحديث السنية، ومنها صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن، ظهرت بصورة أساسية في القرن الثالث الهجري.
إذن الأدق أن نقول إن عملية انتقال الحديث من الرواية والحفظ والكتابة المبكرة إلى التصنيف الواسع والمصنفات الكبرى استغرقت أجيالاً.
وهذه النقطة مهمة جداً بالنسبة لموضوعنا.
فالمشكلة ليست في أن المعرفة كانت شفهية؛ وإنما في كيفية انتقالها عبر الزمن، وكيفية التحقق من سلسلة نقلها، وكيفية التعامل مع اختلاف الروايات.
وقد طورت الثقافة الإسلامية بالفعل علماً واسعاً لنقد الرواية والرواة والأسانيد والمتون.
أي أنها لم تكتفِ بالقول:
«قال فلان إن فلاناً قال.»
بل حاولت بناء منظومة كاملة لاختبار الرواية.
وهذا في حد ذاته درس مهم لنا في السودان.
السودان بحاجة إلى ذاكرة موثقة
كم من أحداثنا السياسية لم تُسجل؟
كم من الندوات لم تُسجل؟
كم من الشخصيات رحلت ولم تترك مذكرات؟
كم من الوقائع بقيت في ذاكرة أشخاص ماتوا، فماتت معهم أجزاء من تاريخ السودان؟
وكم من الروايات المتناقضة أصبح أحدها، بسبب كثرة التكرار، وكأنه الحقيقة الوحيدة؟
لهذا فإن التوثيق ليس مجرد جمع أوراق.
إنه حماية الذاكرة من النسيان، وحمايتها أيضاً من إعادة اختراع الماضي.
وهنا أفهم قيمة تجربة حيدر إبراهيم.
لم يكتفِ بأن يكتب عن السودان، بل كتب عن نفسه داخل السودان.
ولم يكتفِ بالنظر إلى المجتمع من الخارج، وإنما ترك لنا أثراً عن الإنسان الذي عاش التجربة وشارك في صناعة أسئلتها.
وهذا ما يجعل «أزمنة الريح والقلق والحرية» مهماً: فهو ليس فقط كتاباً عن حياة حيدر، وإنما وثيقة عن زمن كامل، من خلال عين رجل عاشه ودرسه واختلف معه وتأثر به.
حين تصبح الذات وثيقة
ربما يكون هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نستخلصه من رحيل حيدر إبراهيم.
إننا لا نحتاج فقط إلى من يكتب تاريخ السودان بعد وقوع الأحداث، وإنما نحتاج إلى من يوثق تجربته أثناء الحياة.
نحتاج إلى السياسي الذي يكتب مذكراته.
والأستاذ الذي يسجل شهادته.
والطالب الذي يحتفظ بأوراقه.
والصحفي الذي يحفظ تسجيلاته.
والحزب الذي يفتح أرشيفه.
والجامعة التي تسجل ندواتها.
والمثقف الذي لا يخشى أن يكتب عن نفسه.
لكننا نحتاج في الوقت نفسه إلى ثقافة نقدية لا تتعامل مع أي وثيقة باعتبارها حقيقة نهائية.
فالشهادة تحتاج إلى مقارنة.
والوثيقة تحتاج إلى نقد.
والذاكرة تحتاج إلى مساءلة.
والسيرة الذاتية تحتاج إلى أن تُقرأ باعتبارها شهادة على صاحبها، لا باعتبارها حكماً نهائياً على الآخرين.
وهنا ربما يلتقي حيدر إبراهيم مع الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من دريدا، ومع الدرس الأقدم الذي أنتجته علوم الرواية في الحضارة الإسلامية:
الماضي لا نملكه؛ وإنما نملك آثاره.
ومهمتنا ليست أن نحول هذه الآثار إلى عقائد لا تقبل النقاش، وإنما أن نحفظها ونقارن بينها ونترك للأجيال القادمة فرصة أن تبحث وتختلف وتعيد القراءة.
لهذا فإن رحيل حيدر إبراهيم ليس فقدان رجل كتب عن السودان فحسب.
إنه فقدان رجل أدرك أن الكتابة نفسها جزء من معركة الذاكرة.
وقد ترك لنا، في كتبه ومقالاته ومركز الدراسات السودانية وسيرته الذاتية، شيئاً من ذلك الأثر.
وربما كان أجمل ما يمكن أن نودعه به أن نقول:
لقد كتب حيدر عن السودان، لكنه كتب نفسه أيضاً داخل تاريخ السودان. ولذلك لم تعد سيرته مجرد سيرة رجل، أصبحت جزءاً من أرشيف وطن ما زال يبحث عن ذاكرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..