مقالات وآراء

جيفة وانقسمت نُصّْين: الإسلاموكوز والجنجوكوز(3-4)

وهل هذا الإصرار الإعلامي على الاسم الثلاثي، مقرونًا بلقب «حميدتي»، نوع من التدليل على قمة زعامة قصوى تَفضَّل بها الإعلام على هذا الزعيم ، الذي أطل على عالمه ، وهو صغير يبحث عن “رِكُّوبَة” يمتطيها ، أو ظل شجرة عجفاء صحراوية يستظل بها ، إلى أن أسمعت صوته وأحاديثه المتلفزة البدوية من به صمم ، ليعطوه مزيدًا من الكاريزما المصنوعة؟؟ .
ثم يأتي الناطق الفعلي باسمه وباسم قواته، “عبدالمنعم الربيع” ، ليضيف إلى هذه الكاريزما المفتعلة جرعات أخرى من التمجيد ، على طريقة أمراء الخليج ويدعوه : “الأمير حفظه الله في حله وترحاله” ، دون ثمرة حق أتاها ، أو أمارة بناها ، وإنما تملقًا ينتزع به صاحبه نصيبه من رضا أمير الزيف .
فخلق الزعامة الأسطورية ، وصناعة الكاريزما بالكلام المنمق ، الذي ياتي من عدم يذهب إلى العدم ، وكلها كريزما مدفوعة الثمن ، دائمًا من أعراض أمراض  الحرب والسياسة . كلٌّ حسب هواه ومصلحته ، وكلٌّ لليلاه يفتي ويغني .
 فبالنسبة لقيادة الدعم السريع في صورتها الأولية ، فقد قامت على تحالف مصالح بين قيادة عسكرية وسياسية ، وبين قوة لها تاريخها وتركيبتها المحلية . علاقة مصلحة، لا يلزم أن تكون قد قامت على وحدة هدف أو سابق معرفة بين كل أطرافها ، وإنما على قاعدة يعرفها أهل السياسة جيدًا ، كلٌّ يستخدم الآخر للوصول إلى مبتغاه .
 وهنا تبدأ الحكاية التي لا تريد لها مستشارية حميدتي أن تُقرأ كاملة ، فالجنجويد في صورتهم المتشكلة  ، كانوا تشكيلات مسلحة ارتبطت بحرب دارفور وبعمليات النهب والقتال والهجوم على القرى ، ثم استُخدمت مجموعات منها في الحملات المضادة للتمرد. ومع تطور هذا الاستخدام الرسمي، جرى إنشاء قوات الدعم السريع عام 2013، ثم أُقر لها إطار قانوني خاص عام 2017، لتصبح قوة مسلحة ذات وضع قانوني منفصل في بنيتها وقيادتها عن وحدات القوات المسلحة التقليدية ، وإن ارتبطت قانونيًا بالقائد الأعلى للقوات المسلحة.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الحكاية
فالذين احتاجوا إلى قوة مسلحة خارج البنية التقليدية للجيش ، صنعوا لها مكانًا في منظومة الدولة ، ثم جاءت الأيام لتكشف أن القوة التي أُريد لها أن تكون سندًا للنظام يمكن أن تتحول إلى طرف ينازع النظام نفسه وهذا ما حدث .
أما الجنجويد الجند ، فقد جاءوا إلى العاصمة بما حملوه من خبرة الحرب في دارفور ، ووجدوا أنفسهم في الخرطوم ، المدينة التي تداخلت فيها الإثنيات والهويات والجهات والديانات والطبقات ، وانصهرت فيها البلاد كلها تقريبًا .
وحين تُنقل خبرة الحرب من هامش ملتهب إلى قلب العاصمة ، لا يبقى الهامش هامشًا . ولا تبقى العواصم عواصم .
لقد رأى السودانيون بأم أعينهم ما حدث ، وانطبعت آثار الحرب على أجسادهم وأطرافهم وممتلكاتهم وأسرهم وأطفالهم وشبابهم وشيوخهم وبيوتهم ، بينما ظلت أصوات منسوبة إلى المستشارية تنفي ، ليلًا ونهارًا ، وبالصوت والصورة مرة ، وبالصدى مرات ، ما يُنسب إلى عناصرهم وما يراه الناس على الأرض .
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها ، جندٌ على الأرض ، ومستشاريةٌ في الفضاء ، الأول يفعل ، والثاني ينفي ، بل الكل منهم ، يتحدث باسم الدولة المدنية والديمقراطية .. يا للعجب!! ، ديمقراطية ستأتي بالسلاح ، ودولة مدنية تُفتح أبوابها بالكاكي!! ، ألم يقل حميدتي وهو يشير إلي زيه العسكري أنهم سيجلبون الديمقراطية بهذا الكاكي .
وكأن الديمقراطية كانت تنتظر عند باب الخرطوم، لا ينقصها إلا بندقية وزي عسكري مليشي لتطبق .
 وهم في الأصل جنجويد ، وكانت تُروى عنهم عبارة «نمشي نجنجد» ، ومن هنا خرج اسم الجنجويد ، بمعني أن هذا الاسم خرج منهم ،  بما عناه مجتمعهم في وصف الخروج إلى الغزو والنهب والسلب ، حيث تطور المعنى ليشمل القتل والاغتصاب ، ومن هذه البيئة اللغوية والاجتماعية ، التي شكلتها بئتهم الداخلية ، ارتبط اسم الجنجويد بما ارتبط به من دلالات جاءت من داخلهم .
ثم جاءت السياسة الانقاذية الرعناء ، وإن لم تكن لها حاجتها ، فبدلًا من مواجهة الحركات المسلحة بقوة عسكرية واحدة ، هي قوة الجيش ، لجأت إلى تشكيلات ومجموعات مسلحة محلية داخل دارفور ، وظنت أنها تستثمرها في حربها ضد التمرد .
ولم تتوقف الكارثة عند حدود القتال بين هذه المليشيات المنفلتة والحركات المسلحة ، فقد بدأت جهات دولية ومنظمات حقوقية توثيق واسع النطاق لانتهاكات خطيرة ارتكبتها القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها “وهي هذه المليشيا” في دارفور ، شملت قتل المدنيين والتهجير القسري والعنف الجنسي وتدمير القرى وغيرها من الانتهاكات .
ومن هنا جاءت قضية دارفور إلى مجلس الأمن ، الذي أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593 لعام 2005.
ثم أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر قبض بحق عدد من المسؤولين، ومن بينهم عمر البشير ، الذي وجهت إليه لاحقًا تهم تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، وثلاث تهم إبادة جماعية ، ظلت كاتهامات وأوامر قبض صادرة عن المحكمة دون تنفيذ .
لكن الإنقاذ مضت في سياستها ، ومضى معها الدعم المسلح ، ارفقوه بالسريع في مساره ، إلى أن وصل الأمر إلى مرحلة تقنين وضعه في عام 2017 واجيز قانونه بواسطة البرلمان باعتراض آمراة واحدة كما صرح حميدتي شخصيًا .
ثم جاءت مرحلة ما بعد سقوط الإنقاذ ، ولم تختفِ هذه الازدواجية ، بل ظلت القوة المسلحة ذات القيادة المستقلة ، بذات مسماها الدعم السريع ، حاضرة داخل المشهد الانتقالي ، وعبثت فيه كما عبث البرهان ، حتى جاءت لحظة الحرب الكبرى ، وهنا خرجت المفارقة من تحت السجادة كما يقولون . القوة التي كانت تُقدَّم في سنوات سابقة بوصفها جزءًا من المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة ، صارت فجأة ، بين ليلة وضحاها في خطاب السلطة : مليشيا متمردة على الجيش ، كيف ؟؟ لا أحد يدري !! ، والبرهان لم يشرح بل أصدر الفرمان وكفى ، وهو نفسه كان جزءًا من منظومة السلطة التي أبقت على وجود هذه القوة داخل بنية الدولة ، مع استقلال واضح اسبغه هو عليها ، إلى أن جاءت لحظة الزنقة والإنكشاف الحالية ، ليقول للعالمين الدولي والإقليمي ، بلغة من يظن أن العالم يؤثرهم على نفسه ، ولو كانت بهم خصاصة ، وهم يعودون إلى نظرتهم القديمة ، التي يلخصونها ، أن الآخرين ما هم إلا تحت جزمتهم ، وقارب أن يقولوا كصَّبيهم صارف الشر حوله ، المدعو الإنصرافي إن العالم كله تحت رحمتي “بالوكالة الربانية التي معه ” ، وهذا ما فعلوه مع الإتحاد الإفريقي ومسؤوليه موسى فكي وود اللباد”وبعنجهيتم المعهودة والمتأصلة ، تحولوا من الغزل إلى الجدل ، أن الدعم السريع ما هو إلا تنظيم متمرد على الجيش ، متناسيًا كل غنائيته الغزلية في مفاتن الدعم السريع ومحاسنه الجاذبة ، وحمايته بلسان بشيره السابق “حميدتي حمايتي ” ، متصورًا أن العالم سينصاع لأوامره ، ويصدقه القول بأن الدعم السريع ، فعلًا هم متمردون على الجيش الذي ينتمون إليه ، ونسي البرهان أنه بنفسه هو الذي أصدر قرار “فرز معيشة الدعم السريع عن الجيش” بالغاء المادة “5” من قانون الدعم السريع التي تجيز للدعم السريع ، حسب قانونه المجاز إستقلاليته عن “قائد الجيش” وهو حاليًا البرهان نفسه ، وترك مشروعيته تحت قيادة القائد “الأعلى للجيش” والذي هو في علم الغيب منذ إنقلاب 25 أكتوبر ، حيث سمح البرهان بهذا التعديل ، أن يكون هناك جيشًا آخر ، موازيًا للجيش السوداني إسمه الدعم السريع الذي يحاربه بضراوة الآن والتسوي بي ايدك يغلب أجاويدك .
ونقول أن السودان لا يحتاج بعد هذه الكارثة إلى نصف جيفة ينتصر على نصفها الآخر أو العكس . بل يحتاج إلى أن يستعيد نفسه كاملة إلى نفسه . ولعنة الله على الإسلاموكوز والجنجوكوز الذين جعلونا نبكي حزنًا ونموت قهرًا ، على جيشنا الوطني ، رغم مساوئه ، ودون شماتة ، في تخصصه في قتل مواطنيه ، فقد وضعوه بين فكيّ معادلة خائبة ، ليست ذات جدوى ، النصر أو الهزيمة على يد مليشيا جنجوكوز ، فضيحة لا تغتفر . وغدًا تتوقف الحرب بلا نصر أو هزيمة ، وإنما بكومة دمار لوطن واعد كان اسمه السودان .
غدًا أواصل : جيفة وانقسمت نُصّْين : الإسلا موكوز والجنجوكوز . (4-4)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..