مقالات وآراء

ما الذي يجمع السودانيين.. من المرجعية الدينية إلى الدستور المشترك

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

عضو قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»

إذا كان الخروج من تحت الركام يفتح باب الحديث عن بناء سودان جديد، فإن أول الأسئلة التي ينبغي حسمها هو: ما الأساس الذي يجمع السودانيين في دولة واحدة، على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم ورؤاهم؟

ما معنى «إسلاميين ديمقراطيين»؟ وماذا عن «مسيحيين ديمقراطيين» و«وثنيين ديمقراطيين»، وأخيرًا «لادينيين ديمقراطيين»؟ قد تعبّر هذه التسميات عن هوية أصحابها أو مرجعياتهم الفكرية، لكن السؤال الأهم هو: هل يقبل كل تيار أن يكون الدستور المشترك هو المرجعية العليا، أم يسعى إلى إخضاع الدولة لتفسيره الخاص للدين أو الفكر؟

الديمقراطية الدستورية لا تطلب من المواطنين أن يتخلوا عن أديانهم أو معتقداتهم. إنها تضع إطارًا يلتقون داخله على حدٍّ أدنى من التوافق: المساواة في الحقوق، وحرية الاعتقاد، وخضوع الحاكم والمحكوم للقانون، وتداول السلطة ومساءلتها. ولا تمنح أي دين أو فكرة أو جماعة حق فرض رؤيتها على سائر المواطنين.

حين تتحول العقيدة إلى أداة للهيمنة

لا يعني الحديث عن تغوّل الدين أن أتباع دين بعينه يميلون بطبيعتهم إلى التسلط. المقصود هو ما يحدث حين تحتكر السلطة تفسير الدين، ثم تستخدمه لإقصاء المختلفين وإخضاعهم. وقد عرف التاريخ أمثلة من هذا النوع في تقاليد دينية مختلفة.

في أوروبا المسيحية، استُخدمت محاكم التفتيش لملاحقة من عُدّوا مخالفين للعقيدة الرسمية. ووصلت العقوبات، في بعض الحالات، إلى التعذيب والسجن والإحالة إلى السلطات المدنية لتنفيذ أحكام قاسية. لم تكن هذه التجربة تعبيرًا عن جميع المسيحيين، بل عن تداخل السلطة الدينية والسياسية في مراحل تاريخية معينة. [1]

وفي تاريخ الدولة الحشمونية اليهودية، يروي المؤرخ يوسيفوس أن يوحنا هيركانوس ضمّ منطقة أدوم، وأن سكانها دخلوا في اليهودية. لكن الباحثين يختلفون حول مدى الإكراه في ذلك، وما إذا كان التحول مفروضًا أم جزءًا من اندماج سياسي وثقافي. لذلك ينبغي تناول هذه الواقعة بوصفها حالة تاريخية موضع نقاش، لا حكمًا عامًا على اليهودية أو أتباعها. [2]

وفي التاريخ الإسلامي، فرض الخليفة العباسي المأمون امتحانًا على القضاة بشأن القول بخلق القرآن، وعوقب بعض من رفضوا تبنّي هذا الرأي. وتوضح هذه المحنة كيف يمكن للسلطة أن تحوّل خلافًا دينيًا داخل المجتمع نفسه إلى اختبار للولاء السياسي. [3]

الحركة الإسلامية وولاية الفقيه

وفي السودان، لا يمكن تناول تغوّل المشروع الديني في الحكم من دون التوقف عند تجربة الحركة الإسلامية المرتبطة تاريخيًا بالإخوان المسلمين. فقد نشأت الجبهة الإسلامية القومية من الحركة الإسلامية السودانية، التي ترجع جذورها إلى الإخوان المسلمين، ثم وصلت إلى السلطة بانقلاب يونيو 1989 على حكومة منتخبة. وكانت الجبهة الواجهة السياسية للحركة الإسلامية، فيما دُبّر الانقلاب بقيادة حسن الترابي ونُفّذ بواجهة عسكرية. هكذا تحولت مرجعية الحركة من برنامج سياسي تتنافس به إلى مشروع دولة أحكم قبضته على مؤسسات الحكم. وهذه قراءة لتجربة سودانية محددة، لا حكم على كل جماعات الإخوان أو كل الإسلاميين في البلدان الأخرى. [4]

وفي إيران، يقدم نظام ولاية الفقيه مثالًا آخر على إدماج مرجعية دينية محددة في بنية الدولة. فالدستور يجعل قيادة الأمة في زمن غيبة الإمام منوطة بالفقيه، وينص على أن تستند القوانين واللوائح إلى المعايير الإسلامية. كما يمنح المرشد صلاحيات دستورية واسعة، منها رسم السياسات العامة والقيادة العليا للقوات المسلحة، فيما يراجع فقهاء مجلس صيانة الدستور مدى توافق التشريعات مع الشريعة. ورغم وجود انتخابات ومؤسسات منتخبة، تعمل هذه المؤسسات ضمن إطار دستوري يمنح المرجعية الدينية سلطة رقابية عليا. وهذا مثال على نظام سياسي شيعي اثني عشري بعينه، لا على الشيعة جميعًا. [5]

وهنا ينبغي أن يكون موقفنا واضحًا: إذا جعلت الحركة الإسلامية تفسيرها للشريعة مرجعيةً أعلى من إرادة الشعب والدستور، وإذا منح مشروع ولاية الفقيه الفقيه سلطة فوق المؤسسات المنتخبة، فإن التوافق بين هذين المشروعين وبين دستور وضعي ديمقراطي يصبح مستحيلًا ما دامت هذه الأولوية قائمة.

فالدولة الديمقراطية تقوم على أن يكون الدستور المرجعية القانونية العليا، وأن يتساوى المواطنون في الحقوق، وأن تُكتسب السلطة بالانتخاب وتخضع للمساءلة والتداول. أما حين تحتفظ جماعة دينية أو فقيه بحق نقض ما يقرره الشعب أو تقييد خياراته باسم مرجعية عقائدية ملزمة، فلا تكون الانتخابات مصدر السيادة الكامل، ولا يعود الدستور حكمًا مشتركًا بين المواطنين.

ولا يتعلق هذا الحكم بتديّن المسلمين أو بانتماء الشيعة إلى مذهبهم، بل ببنية سياسية تجعل تفسيرًا دينيًا محددًا مصدرًا ملزمًا للقانون والحكم. فالاختبار هو: من يملك الكلمة الأخيرة، الشعب عبر دستور يضعه مواطنون متساوون، أم سلطة دينية فوق المؤسسات المنتخبة؟

ماذا نتعلم من صحيفة المدينة

في هذا السياق، تبرز صحيفة المدينة بوصفها تجربة تاريخية تستحق التأمل. فبعد هجرة الرسول محمد ﷺ إلى المدينة، نظّمت صحيفة أو مجموعة عهود العلاقات بين المهاجرين والأنصار وجماعات من قبائل المدينة، ومن بينها جماعات يهودية. وتناولت شؤونًا مثل الأمن والدفاع والمسؤوليات والعهود.

ومن المهم ألا نساويها بدستور ديمقراطي حديث؛ فالنص يتناول شؤون القبائل والحرب والدية، كما يختلف الباحثون في وحدته وفي تحديد الجماعات التي شملتها بنوده. لكنها تظل تجربة مبكرة في تنظيم العهود والمسؤوليات بين جماعات متعددة، وإيجاد إطار سياسي مشترك في مجتمع يضم قبائل وأديانًا مختلفة. [6، 7]

يمكن أن نستضيء بهذه التجربة في نقاشنا، من دون أن نزعم أنها تقدم نموذجًا دستوريًا جاهزًا لعصرنا. فالسودان يحتاج إلى دستور يضمن حرية الاعتقاد وممارسة الدين، ويصون المساواة بين المواطنين، ويجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات. دستور لا تملكه حركة أو طائفة أو جماعة، ولا يستطيع أي طرف أن يفرض به تفسيره على الآخرين.

إن ما يجمع السودانيين ليس اتفاقهم على دين واحد أو فكرة واحدة، بل اتفاقهم على قواعد عادلة تحمي اختلافهم وتمنع أي طرف من احتكار الدولة. ومن هذا الحد الأدنى المشترك يمكن أن يبدأ بناء دولة سلمية ديمقراطية، تتسع لجميع مواطنيها.

المراجع

[1] Bernard Hamilton, “Inquisition,” Encyclopaedia Britannica. https://www.britannica.com/topic/inquisition

[2] Steven Weitzman, “Forced Circumcision and the Shifting Role of Gentiles in Hasmonean Ideology,” Harvard Theological Review 92, no. 1 (1999): 37–59. https://doi.org/10.1017/S0017816000017818

[3] Martin Hinds, “Miḥna,” in Studies in Early Islamic History, ed. G. R. Hawting (Gerlach Press, 2021), 232–246. https://www.cambridge.org/core/books/abs/studies-in-early-islamic-history/mihna/6122EE7F3F4E382B9182D338473126F4

[4] Munzoul A. Assal, “Sudan’s Popular Uprising and the Demise of Islamism,” Chr. Michelsen Institute, CMI Brief 2019:3. https://www.cmi.no/publications/7062-sudans-popular-uprising-and-the-demise-of-islamism

[5] Constitution of the Islamic Republic of Iran (1979; revised 1989), Articles 4, 5, 96, and 110. Constitute Project. https://www.constituteproject.org/constitution/Iran_1989

[6] Saïd Amir Arjomand, “The Constitution of Medina: A Sociolegal Interpretation of Muhammad’s Acts of Foundation of the Umma,” International Journal of Middle East Studies 41, no. 4 (2009): 555–575. https://doi.org/10.1017/S002074380999033X

[7] Michael Lecker, “The Constitution of Medina,” Oxford Bibliographies in Islamic Studies (2014). https://academic.oup.com/reference/62361/reference-article-abstract/554576238

[8] “The Kitāb al-Umma, or Ṣaḥīfat al-Madīna,” in Islamic Law in Context: A Primary Source Reader (Cambridge University Press, 2024), 86–94. https://doi.org/10.1017/9781009031783.011

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

عضو قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..