تخلُّفُنا… من أين نبدأ الإصلاح؟

بقلم مرتضى القسم عوض الكريم
إن تاريخ السودان -بكل صراحة ووضوح، وصدق وبوح- تاريخ لا يسر الناظرين، ولا يبهج الحاضرين، كله دماء وأشلاء، وقتل وقتال، وحروب وأهوال، وصراع على كرسي زائل، ومنصب مائل، فلا تنمية قامت، ولا نهضة دامت، ولا دولة استقامت.
حتى قال قائلنا بمرارة: إن عهد الاحتلال البريطاني كان أفضل بمليون مرة، فقد شيد وبنى، وعمر وسوى، وترك سكة حديد، ونظاماً رشيد، وإدارة وترتيب، ونحن جئنا فهدمنا المشيد، وضيعنا المجيد، وأعدنا البلد إلى الوراء قروناً وعهودا.
نحن شعبٌ يحارب النجاح بلا هوادة، ويعادي الفلاح بلا إرادة، نرفع المنحط ونحط الرفيع، ونكرم الفاشل ونُهين المبدع، نُعلي التافهين، ونُقصي الناجحين، ثم نسأل في بلاهة: لماذا تقدّم غيرنا وتأخرنا؟ ولماذا طار غيرنا وقعدنا؟ ولماذا بُني غيرنا وهُدمنا؟
والحق أن المشكلة فينا نحن، والداء منا وفينا، والعلة في ذواتنا وسلوكنا.
*أولاً: تخلف التعليم… مصنع الفشل*
وأصل البلاء في التعليم الأساسي، تعليم بائس يائس، قائم على القهر والقمع، والذل والخنوع، والضرب والركل، والخوف والهلع.
تعليم يُعلّم الطفل الكذب لينجو، والنفاق ليسلم، والخنوع ليمر، ممنوع عليه أن يسأل، ومحرم عليه أن يجادل، والأستاذ يحمل خرطوشاً كبيرا، وسوطاً مستطيرا، يجلد به الأجساد الغضة، والنفوس البضة، فأي تربية هذه؟ وأي تعليم هذا؟
معلم يضرب طفلا هو مجرم بلا أخلاق، غليظ بلا وفاق، لا يصلح أن يكون مربياً ولا معلماً ولا مؤدباً.
ومناهج متخلفة متحجرة، محفوظات بالية، تلقين بلا فهم، وحفظ بلا وعي، مناهج لا تبني وطناً، ولا تصنع إنساناً، ولا تخرج مبدعاً ولا صانعاً، بل تخرج ببغاوات تردد، وعقولاً تتجمد.
*ثانياً: تخلف المسجد… منبر معطل*
ومصيبة أخرى في مساجدنا، منابر معطلة، ورسالة غائبة، نقاش عقيم لا يقدم ولا يؤخر، وجدال سقيم بين صوفية وسلفية، وبين هذا وذاك ضاعت هيبة المسجد، وتفرق المصلون، وانفض السامعون.
وإمام غير مؤهل، لا علماً ولا خُلقا، ولا فناً ولا نطقاً، لا يحسن التلاوة ولا الخطابة، ولا التربية ولا الدعوة، يصعد المنبر فيفرق ولا يجمع، ويعسر ولا ييسر، ويزرع التطرف والجهل، بدل المحبة والعلم.
عجائز متحكمون، لا يفقهون مقاصد الدين، ولا يدركون فقه الواقع، جعلوا المسجد ساحة صراع، لا واحة اجتماع.
*ثالثاً: الحل العملي… من أين نبدأ النهضة؟*
إنني أرى أن النهضة الحقيقية تبدأ من هنا، من موضعين لا ثالث لهما:
إصلاح التعليم إصلاحاً جذرياً:
– إلغاء الضرب نهائياً وتجريمه، ومنع الخرطوش والسوط، فمن يضرب طفلاً يُعزل فورا.
– نسف المناهج التلقينية، واستبدالها بمناهج تفكير ونقد وسؤال.
– *إدخال التعليم الحرفي والمهني من الأساس،* فليس كل الناس أطباء ومهندسين، نحتاج نجاراً ماهراً، وحداداً حاذقاً، وكهربائياً فناناً، ومزارعاً عالماً، وصانعاً متقناً. نُنشئ ورشاً في كل مدرسة، مصنعاً صغيراً في كل حي، نعلم الطفل النجارة والحدادة والزراعة والبرمجة والتجارة، نخرجه صانعاً منتجاً لا عاطلاً ينتظر الوظيفة.
– تأهيل المعلم تأهيلاً نفسياً وتربوياً وأخلاقياً، وبمرتب مجزٍ يصون كرامته.
إصلاح المسجد ودوره:
– تأهيل الإمام أكاديمياً ودعوياً ونفسياً، فلا يصعد المنبر إلا من يحمل شهادة ووعياً وفصاحة.
– تحويل المسجد من ساحة جدال إلى مركز إشعاع، فيه دروس محو أمية، ودورات حرفية، وإصلاح ذات بين، وصندوق تكافل للفقراء.
– منع الجدال المذهبي العقيم في المساجد، وتوحيد الخطاب على المحبة والرحمة والعمل والإنتاج، ونشر الإسلام الجميل السمح النبيل، دين العمل والإتقان، لا دين الكسل والجدال.
بهذا فقط نخرج من ظلمات الجهل الداجي، ومستنقعاته الآسنة، إلى رحاب الفكر والنور، والتطور والنماء، والازدهار والارتقاء.
فلا نهضة بلا تعليم حر كريم، ولا إصلاح بلا مسجد واعٍ حكيم.



