مقالات وآراء

تصريحات بابكر فيصل… كلاكيت تانى مرة

حول معرفة «صمود» المسبقة بنية الجيش تجاه الدعم السريع؟

تتناول تصريحات منسوبة إلى الأستاذ بابكر فيصل، أحد قيادات الحرية والتغيير ثم «صمود»، قوله إن الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق أول ياسر العطا طلبا من قيادة قوى الحرية والتغيير، أكثر من مرة، أن تضع يدها مع الجيش للتخلص من حميدتي.
وإذا صحت هذه التصريحات، فهي لا تبدو مجرد حديث عام عن دمج الدعم السريع في الجيش أو إعادة تنظيمه، بل تشير إلى أن خيار التخلص منه بالقوة كان مطروحاً بوضوح لدى قيادة الجيش والحركة الإسلامية وأن القوى المدنية كانت على علم بذلك قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
وهنا لا أوافق على القول إن هذه التصريحات لم تكن تعني التخلص من حميدتي بالقوة.
فالسياق الذي وردت فيه، ولا سيما طلب التحالف مع الجيش ضد قيادة الدعم السريع، يتجاوز فكرة الدمج التفاوضي أو الإصلاح الأمني.
صحيح أن التصريحات وحدها لا تكفي لإثبات المسؤولية القانونية عن اندلاع الحرب، لكنها تمثل شهادة سياسية مهمة على أن قيادة الجيش كانت تفكر في حسم الصراع عسكرياً، وأن قوى الحرية والتغيير كانت تعرف بذلك أو أُبلغت به.
ماذا تعني التصريحات؟
كان الدعم السريع قوة عسكرية مستقلة، لها قيادة وانتشار وموارد وعلاقات سياسية بفضل قرارات برلمان المؤتمر الوطنى الحاكم قبل سقوط البشير وكانت قيادة الجيش ترى في وجود قوة مسلحة موازية تهديداً لوحدة المؤسسة العسكرية وسيطرتها على القرار الأمني والسياسي وذلك بعد ان رفضت قيادته الانحياز لاجندة الحركة الإسلامية.
لكن الحديث عن «التخلص» من حميدتي أو الدعم السريع، في ضوء طلب قوى الحرية والتغيير وقتها، الاصطفاف مع الجيش، لا يمكن اختزاله بسهولة في احتمال الدمج التفاوضي.
فهناك فرق بين:
دمج الدعم السريع في الجيش عبر اتفاق سياسي وترتيبات زمنية.
التخلص من قيادته وقوته المستقلة باستخدام القوة.
والتصريحات، كما نُقلت، تبدو أقرب إلى الاحتمال الثاني، أو على الأقل إلى طرحه كخيار عملي.
وهذا يعني أن خيار الحرب لم يكن مجرد احتمال نظري، بل كان حاضراً في حسابات قيادة الجيش والحركة الإسلامية قبل اندلاعها.
لذلك لا يكفي السؤال: من أطلق الرصاصة الأولى؟
بل يجب أيضاً أن نسأل:
من كان يخطط للحسم العسكري؟
هل كان الطرفان يستعدان للحرب؟
من أغلق أبواب التسوية؟
ماذا كانت تعرف القوى المدنية؟
وماذا فعلت لمنع تحول الخلاف إلى حرب؟
لم تكن الحرب مجرد خلاف بين البرهان وحميدتي، بل ارتبطت بمستقبل الدولة والانتقال السياسي.
فقد كان الاتفاق الإطاري يهدف إلى الانتقال نحو سلطة مدنية، بينما سعت أطراف عسكرية وسياسية إلى حماية نفوذها ومصالحها.
كان الجيش يخشى أن يؤدي الانتقال إلى فقدان نفوذه أو إعادة هيكلته، وكان الدعم السريع يخشى أن يؤدي دمجه إلى نهاية استقلاله.
كما عارضت القوى الإسلامية والفلول الاتفاق الإطاري، ورأت فيه تهديداً لمصالحها.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت «صمود» قد علمت مسبقاً بنية الجيش التخلص من حميدتي، بل طُلب منها أن تتحالف مع الجيش لتحقيق ذلك، فلماذا لم تعلن هذه المعلومات للرأي العام؟
ولماذا لم تضغط على الطرفين لمنع الحرب؟
طرح هذا السؤال يعني أن فهم الحرب يتطلب مساءلة جميع الأطراف، بما فيها القوى المدنية التي كانت على علم بخطط عسكرية خطيرة ولم تكشفها في وقتها.
رفض الجرائم لا يعني مساواة المشاريع السياسية،
يمكن إدانة جرائم الدعم السريع اذا ثبتت، وفي الوقت نفسه رفض عودة الحركة الإسلامية إلى السيطرة على الدولة.
ويمكن انتقاد انتهاكات الجيش، من دون إدانة جميع أفراده أو إنكار وجود عسكريين يرفضون تسييس المؤسسة العسكرية.
كما يمكن رفض:
عودة النظام السابق.
حكم الجيش.
تحول الدعم السريع إلى دولة داخل الدولة.
استخدام السلاح لفرض مستقبل الدولة.
وفي الوقت نفسه يمكن الدعوة إلى جيش مهني واحد، خاضع لسلطة مدنية منتخبة.
إدانة الانتهاكات لا تعني بالضرورة مساواة المشاريع السياسية التي تقف وراء أطراف الحرب.
فالموقف الأخلاقي من الجرائم شيء، والموقف السياسي من مستقبل الدولة شيء آخر.
الفرق بين الاتهام والتوثيق والإثبات القضائي
من المهم التمييز بين أربع مراحل مختلفة:
الاتهام: القول إن طرفاً ما ارتكب جريمة.
التوثيق: جمع شهادات الضحايا والصور ومقاطع الفيديو والبيانات المتعلقة بالحادثة.
التحقيق: فحص الأدلة، والتحقق من مصدرها، ومقارنتها بشهادات ووثائق أخرى.
الإثبات القضائي: اقتناع محكمة مستقلة، وفق معيار قانوني، بأن شخصاً محدداً ارتكب جريمة محددة.
فالتوثيق مهم جداً، لأنه يحفظ الأدلة ويكشف أنماط الانتهاكات ويساعد الضحايا، لكنه لا يساوي حكماً قضائياً نهائياً.
كما أن وجود نمط من الجرائم قد يشير إلى مسؤولية قيادات، لكنه لا يثبت تلقائياً مسؤولية كل أفراد المؤسسة.
وينطبق الأمر نفسه على تصريحات بابكر فيصل.
فهي شهادة سياسية مهمة، وتكتسب وزناً خاصاً لأنها تتحدث عن طلب مباشر من قيادة الجيش إلى قوى مدنية للتحالف ضد حميدتي، لكنها لا تثبت وحدها أن قرار الحرب اتُخذ نهائياً، أو أن طرفاً واحداً يتحمل كامل مسؤولية اندلاعها رغم ان كل الادلة تشير باصابع الاتهام الى الاسلاميين .
ماذا نتعلم من محاكمات نورمبيرغ؟
توضح محاكمات نورمبيرغ بعد الحرب العالمية الثانية أهمية التمييز بين الجرائم الموثقة والمسؤولية الجنائية المثبتة.
فقد لم تكتفِ المحكمة بالقول إن جرائم واسعة وقعت، بل بحثت في:
طبيعة الجريمة.
الأدلة والوثائق والأوامر.
دور كل متهم.
علمه بالجريمة.
مساهمته في التخطيط أو التنفيذ.
قدرته على منع الجريمة أو معاقبة مرتكبيها.
كما أكدت المحاكمات أن المسؤولية لا تقوم لمجرد الانتماء إلى مؤسسة أو حزب أو جيش.
فليس كل عضو في مؤسسة إجرامية مسؤولاً تلقائياً عن كل جرائمها، بل يجب إثبات دوره وعلمه ومساهمته.
وفي المقابل، لا تحمي الصفة الرسمية المسؤول من المحاسبة.
فقد قررت نورمبيرغ أن تولي منصب سياسي أو عسكري لا يعفي صاحبه من المسؤولية، وأن تنفيذ الأوامر لا يبرر الجرائم بصورة مطلقة، خصوصاً عندما تكون الأوامر واضحة في مخالفتها للقانون.
وبالقياس إلى السودان، فإن توثيق قتل المدنيين أو الاغتصاب أو النهب أو التهجير يمثل أساساً مهماً للتحقيق، لكنه لا يكفي وحده لإدانة شخص بعينه.
يجب تحديد من أصدر الأمر، ومن نفذه، ومن ساعد عليه، ومن علم به، ومن امتلك القدرة على منعه ولم يفعل.
لذلك ينبغي أن تكون العدالة السودانية قائمة على:
تحقيقات مستقلة.
أدلة قابلة للفحص.
حماية الشهود والضحايا.
تحديد المسؤولية الفردية.
محاكمات عادلة.
معيار واحد يطبق على الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة والقوى السياسية.
مسؤولية «صمود» والقوى المدنية
إذا ثبت أن قيادات مدنية، ومنها قيادات في «صمود»، كانت تعرف بوجود نية لدى قيادة الجيش للتخلص من حميدتي أو الدعم السريع بالقوة، فعليها أن توضح:
ماذا كانت تعرف؟
متى عرفت؟
من أبلغها؟
هل طُلب منها فعلاً التحالف مع الجيش؟
هل نقلت المعلومات إلى أطراف أخرى؟
هل حذرت الرأي العام؟
هل حاولت منع الحرب؟
لماذا لم تكشف هذه المعلومات في وقتها؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى إدانة «صمود» مسبقاً، بل إلى ضمان الشفافية والمساءلة السياسية.
فالقوى المدنية لا تتحمل تلقائياً مسؤولية الجرائم العسكرية، لكنها قد تتحمل مسؤولية سياسية إذا عرفت بخطر وشيك، أو عُرض عليها الاصطفاف مع أحد طرفي الصراع، ولم تحاول منع الحرب أو تحذير الناس منه.
كما أن رفض حكومة موازية في نيالا قد يكون موقفاً مفهوماً بسبب خطر انقسام الدولة، لكنه لا يغني عن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بما كانت تعرفه القوى المدنية قبل الحرب، وما إذا كانت قد اختارت الصمت أو التفاهم مع الجيش على حساب منع الصدام.
لا يكفي تحديد من بدأ القتال
حتى إذا ثبت أن الجيش كان يخطط للتخلص من حميدتى فذلك يؤكد ان الحرب لا تُفهم فقط من لحظة إطلاق النار، بل من سلسلة القرارات التي سبقتها، ومن وجود قوتين مسلحتين تتنافسان على الدولة خارج سلطة مدنية منتخبة خاصة بعد رفض قيادة الدعم السريع الانصياع لإجندة الحركة الاسلامية!.
لذلك يجب ألا يتحول سؤال «من بدأ؟» إلى وسيلة لإعفاء طرف كامل من المسؤولية، أو إلى وسيلة لإعفاء القوى المدنية من مسؤوليتها السياسية إذا ثبت أنها كانت تعرف بخطط الحرب أو تلقت دعوة للتحالف مع أحد طرفيها.
الحوار المطلوب
الدعوة إلى الحوار ووقف الحرب ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها.
يجب أن يتضمن الحوار:
وقف القتال.
حماية المدنيين.
إيصال المساعدات.
الإفراج عن المعتقلين والأسرى.
التحقيق في الانتهاكات.
كشف ما كانت تعرفه القوى المدنية قبل الحرب.
توضيح حقيقة الطلبات التي وُجهت إليها للتحالف مع الجيش ضد حميدتي.
معالجة جذور الأزمة السياسية والعسكرية.
الاتفاق على مستقبل الدولة والجيش والقوات المسلحة.
ولا ينبغي أن يتحول شعار «لا حل عسكري» إلى مساواة سياسية كاملة بين جميع المشاريع.
فالقوى المدنية ليست مطالبة بالتحالف مع الجيش أو الدعم السريع، لكنها مطالبة بتحديد الدولة التي تريدها: دولة مدنية ديمقراطية، فيها جيش مهني واحد، ولا تملك فيها أي قوة مسلحة مستقلة سلطة سياسية.
الخلاصة
إذا صحت تصريحات بابكر فيصل، فهي لا تشير فقط إلى أن الحرب ربما لم تكن انفجاراً مفاجئاً، بل تكشف أن قيادة الجيش كانت تفكر في التخلص من حميدتي أو الدعم السريع بالقوة، وأنها طلبت من قوى الحرية والتغيير أن تضع يدها معها لتحقيق ذلك.
كما تفرض هذه التصريحات على «صمود» والقوى المدنية توضيح ما كانت تعرفه، ومتى عرفته، وكيف تعاملت معه، ولماذا لم تكشفه للرأي العام قبل وقوع الكارثة.
لكن هذه التصريحات لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية الجنائية عن الحرب، ولا تعفي الدعم السريع من جرائمه اذا ثبتت، ولا تسمح بإدانة أي شخص من دون تحقيق ومحاكمة.
الفرق الأساسي هو أن الاتهام يطرح احتمالاً، والتوثيق يجمع الأدلة، والتحقيق يختبرها، أما الحكم القضائي فيحدد المسؤولية الفردية بعد محاكمة عادلة.
وهذا هو الدرس الأهم من محاكمات نورمبيرغ: لا إفلات من العقاب بسبب المنصب، ولا إدانة لمجرد الانتماء إلى مؤسسة.
يحتاج السودان إلى عدالة تطبق على الجميع، وإلى مشروع دولة مدنية ديمقراطية لا يهيمن عليها الجيش أو الحركة الإسلامية أو الدعم السريع أو أي قوة مسلحة أخرى.
كما يحتاج إلى حوار لا يهرب من الحرب، ولا يبررها، ولا يتجاهل أسبابها، ولا يعفي القوى المدنية من كشف ما كانت تعرفه ومحاولة منع الكارثة قبل وقوعها.

تعليق واحد

  1. تحياتي أخي طلعت. رأيك سديد وتحليلك منطقي ويمثل مسودة خارطة طريقة نحو العدالة والمحاسبة ووضع أسس متينة للدولة السودانية الموحدة. بيد أنني أختلف معك في نقطتين أولها قولك جرائم الدعم السريع “إذا ثبتت”، فلا تنتطح عنزتان على مسؤولية قوات الدعم السريع عن الفظائع التي ارتكبت ومازالت ترتكب خلال هذه الحرب اللعينة، اللهم إلا إذا كنت تقصد إثبات الجرائم قانونيا وقضائيا، ولكن سياق كلامك حصر هذه الجزئية في كلامك عن الدعم السريع فقط. النقطة الأخرى هي أن المسؤولية الفردية لاتنفي المسؤولية الجماعية فليس من المنطقي محاكمة عمر البشير أو البرهان مثلا بمنأى عن الأحزاب والجماعات والجهات التي ينتميان إليها، حيث أن البشير أو البرهان أو حميدتي أو غيرهم من السياسيين لا يساوون شيئا بدون المؤسسات التي ينتمون إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..