كانوا خلف السد

لا أقترب من قصة ذي القرنين هنا بقصد تفسير آياتها الكريمة، ولا أزعم أن في مشهد السد وصفًا لما نراه اليوم من تطورات الذكاء الاصطناعي؛ إنما أقرأ الصورة القرآنية قراءةً تأملية، وأتوقف عند ما تفتحه من أسئلة عن القوة حين تُحاصر، والحدود حين تُقام، واللحظة التي قد يصبح فيها ما صنعه الإنسان أكبر من قدرته على ضبطه.
فالإنسان، منذ أن عرف القوة، ظل يبحث لها عن حد، وكلما اكتشف وسيلة جديدة تمنحه قدرة أكبر على الحركة أو المعرفة أو التأثير، وجد نفسه في الوقت نفسه أمام سؤال آخر يتعلق بالجهة التي ينبغي أن تتوقف عندها هذه القدرة. وربما لهذا لم يكن السد في قصة ذي القرنين مجرد بناء من حديد وقطر، وإنما كان فعلًا في مواجهة قوة يخشاها الناس، ومحاولة لإقامة مسافة بين ما يمكن أن يسبب الفساد وبين من يخشى أثره.
وفي سورة الكهف، تمضي قصة ذي القرنين في رحلة واسعة حتى يبلغ بين السدين، فيجد أناسًا يشكون إليه من يأجوج ومأجوج، ويقولون له: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، ثم يعرضون عليه أن يجعل لهم خرجًا على أن يجعل بينهم وبينهم سدًا. وفي المشهد نفسه يصف حالهم بقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾، فنحن أمام أناس يجدون صعوبة في التواصل، وأمام قوة يخشون أثرها، وأمام رجل أوتي من الأسباب ما جعله قادرًا على أن يتدخل في أمر لم يستطيعوا هم أن يدفعوه عن أنفسهم.
ولعل اتساع رحلة ذي القرنين نفسها يستحق أن نقف عنده قليلًا؛ فهو لا يظهر في القصة محصورًا في موضع واحد، وإنما تمضي رحلته بين مشاهد وأقاليم متباعدة، حتى يبلغ مغرب الشمس ثم مطلعها، ثم يسير إلى ما بين السدين. ولا تأتي الرحلة في النص بوصفها حركة رجل بين أمكنة متجاورة، وإنما تحمل في امتدادها صورة عالم واسع تتعدد فيه الأرض والظروف والناس، ويتنقل فيه صاحب الأسباب من موضع إلى آخر حتى يبلغ مكانًا لم يكن أهله قادرين على دفع ما يخشونه. ومن هذه المسافة الواسعة في الرحلة يمكن أن نلمح، دون أن نحمل القصة ما لا تحتمل، معنى آخر سيصبح أكثر وضوحًا حين نصل إلى زماننا؛ فالعالم الذي كانت أطرافه تتباعد بالمسافات، صار اليوم متصلًا على نحو لم تعرفه الأزمنة السابقة، وما يحدث في مكان يمكن أن يجد طريقه إلى أماكن بعيدة في لحظات.
لم يكن أمامه إذن مجرد طلب لبناء جدار، وإنما أمام قوة يرى الناس أثرها ويخشون أن يظل الطريق بينها وبينهم مفتوحًا، فجاء رده من موقع من يعرف قيمة ما أوتي من أسباب: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾، ثم قال لهم: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾.
وهذه العبارة الأخيرة تستحق أن نتوقف عندها قليلًا؛ فذو القرنين لم يقل لهم ابتعدوا وأنا أتولى الأمر وحدي، ولم يجعل حماية الناس من القوة التي يخشونها شأنًا خاصًا به، وإنما طلب منهم أن يعينوه، فاجتمعت المعرفة والتمكين والعمل. ثم جاء الحديد: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾، حتى إذا ساوى بين الصدفين قال: ﴿انفُخُوا﴾، حتى إذا جعله نارًا قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، فكان البناء نتيجة معرفة بالأسباب، وعمل جماعي، ومادة ونار وطريقة في إحكام الحاجز، حتى جاءت النتيجة: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.
ولعل ما يستوقفني في هذا المشهد أن القصة لا تكتفي بذكر السد، وإنما تمضي بتفاصيله؛ قوم يشكون إلى ذي القرنين، وذو القرنين لا يكتفي بأن يسمع الشكوى، ثم حديد يُجمع، ونار تُوقد، وقطر يُفرغ، وبناء يبلغ من إحكامه أن الذين كانوا يحاولون تجاوزه لم يستطيعوا أن يظهروا عليه، ولم يستطيعوا له نقبًا. وحين نقف عند هذه التفاصيل قليلًا، يبدو السد أكبر من صورة جدار مرتفع أقيم وانتهى أمره، وتبدو وراءه معرفة بالأسباب وطريقة في البناء لا نعرف عنها إلا ما تركه النص أمام أعيننا. أما ما وراء ذلك، فتبقى مساحته مفتوحة، لا نملؤها بما لم يقله القرآن، وإنما نتركها كما تركتها القصة، موضعًا للتأمل.
وربما كان في هذا الموضع تحديدًا ما يجعل المشهد أكثر قربًا من أسئلة زماننا؛ فذو القرنين لم يواجه القوة التي يخشاها الناس بقوة عمياء، وإنما عرف كيف يستخدم ما أوتي من أسباب ليقيم حدًا بينها وبينهم. وحتى الذين كانوا وراء السد، فإن عجزهم كما تصفه الآية جاء في صورتين: ﴿أَن يَظْهَرُوهُ﴾ و﴿نَقْبًا﴾؛ تجاوز من فوق، واختراق من الداخل. وليس في ذلك ما يجيز لنا أن نحول الآية إلى وصف هندسي أو تقني بلغة عصرنا، لكن الصورة نفسها تجعلنا نتأمل في معنى الحماية حين لا يكفي أن يكون الحاجز قويًا، وإنما ينبغي أن يكون قادرًا على مواجهة أكثر من طريق لمحاولة تجاوزه.
ولعل في هذا المعنى ما يتجاوز تفاصيل القصة إلى سؤال الإنسان في كل زمان ومكان؛ فالقوة حين تصبح مصدرًا للخوف لا يستطيع فرد واحد أن يقيم لها حدًا دائمًا، كما أن الفساد حين تتسع أدواته لا يمكن أن تواجهه جهة واحدة مهما امتلكت من المعرفة والقدرة، وإنما يحتاج الأمر إلى اجتماع القوى، وإلى أن يعرف كل طرف أن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود ما صنعه هو، لأن ما يصنعه الآخرون قد يصل إليه، وما يحدث في مكان بعيد قد يصبح أثره حاضرًا في حياته.
ومن هنا أجدني أنتقل إلى زماننا دون أن أحمّل القصة ما لا تحتمل، ودون أن أقول إن الذكاء الاصطناعي هو يأجوج ومأجوج، أو إن القرآن كان يتحدث عن هذه التقنية قبل ظهورها؛ فذلك ليس هو المقصود، وإنما الذي يستوقفني أن الإنسان بلغ في العلم والمعرفة مرحلة أصبح فيها قادرًا على صناعة قوة جديدة، ثم أخذ يكتشف مع اتساعها أن القدرة على صنع الشيء لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة الكاملة على ضبط كل ما يمكن أن يترتب عليه.
ولعل الفرق بين المعرفة والقوة هو الذي يجعل اللحظة التي نعيشها أكثر حساسية؛ فالمعرفة في ذاتها لا تؤذي أحدًا، وإنما تبدأ المشكلة حين تتحول المعرفة إلى قدرة واسعة على الفعل، ثم تصبح هذه القدرة متاحة لمن لا يملك بالضرورة من الحكمة بقدر ما يملك من الأدوات. وكلما اتسعت دائرة الذين يستطيعون استخدام القوة، لم يعد كافيًا أن نسأل عن صاحبها الأول، وإنما يصبح الأمر متعلقًا بالنظام الذي يحيط بها، وبالحدود التي تمنعها من أن تتحول من وسيلة إلى غاية.
لقد كان الإنسان يركب الخيل والبغال والحمير، ثم جاء قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وكأن الآية تترك أمام العقل البشري بابًا مفتوحًا على عالم لا تنتهي حدوده عند حدود ما يعرفه الإنسان في زمانه. لم تكن الطائرة قد حلقت فوق رأس أحد، ولا السيارة قد أصبحت جزءًا من الحياة، ولا كانت السفن بالصورة التي نعرفها اليوم، ومع ذلك كان في الوجود ما سيأتي بعد ذلك مما لا يعلمه أولئك الذين عاشوا لحظة نزول الآية، ثم أصبح ما لم يعلموه جزءًا من حياتنا حتى لم نعد نتوقف عند غرابته. ثم إن الطائرة نفسها لم تكن نهاية الطريق؛ فمن فكرة التحليق في السماء امتدت معارف وصناعات إلى آفاق أبعد، فظهرت الأقمار الصناعية التي أحاطت الأرض بشبكات من الاتصال والرصد، وخرج الإنسان إلى الفضاء بمركباته، وصار ما يجري بعيدًا عن الأرض يدخل في تفاصيل الحياة على الأرض، من الاتصالات والملاحة إلى الطقس ونقل المعرفة. وهكذا يمكن لفكرة واحدة أن تفتح وراءها سلسلة طويلة من الإمكانات، حتى يصبح ما بدأ حلمًا بالتحليق جزءًا من بنية العالم الذي نعيش فيه.
وليس المقصود أن نقول إن الآية ذكرت الطائرات والسيارات والسفن أو الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية بأسمائها، وإنما أن نتأمل في اتساع ما لا نعلم، وفي أن حدود المعرفة البشرية في لحظة معينة ليست هي حدود ما يمكن أن يظهر بعد تلك اللحظة. فالإنسان الذي كان يرى البحر من شاطئه، ثم صنع سفينة تعبره، والذي كان ينظر إلى السماء ولا يملك إليها طريقًا، ثم صنع الطائرة وحلق فيها، لم يكن ينتقل فقط من أداة إلى أداة، وإنما كان يوسع كل مرة حدود العالم الذي يعرفه، حتى أصبح قادرًا على إرسال أدواته إلى الفضاء، وجعلها تعود إليه بالمعلومة والصورة والإشارة، ثم يبني على ما تأتي به معرفة جديدة تفتح بدورها أبوابًا لم تكن تخطر له من قبل.
ولعل الذكاء الاصطناعي يأتي اليوم من هذه الأبواب التي فُتحت على اتساعها؛ فقد خرج من دوائر البحث والتجارب التقنية إلى حياة الناس، ودخل الهاتف والصورة والصوت والكتابة والبحث والتعليم والطب والصناعة والبرمجة، وأصبح قادرًا على التعامل مع كم هائل من المعلومات، وإعادة ترتيبها وتحليلها وإنتاج نصوص وصور وأصوات ونتائج لم تكن قبل سنوات قليلة متاحة بهذه السرعة والسهولة.
وليس في الذكاء الاصطناعي شر قائم بذاته حتى تستقيم الحكاية بهذه البساطة؛ فقد فتح أبوابًا واسعة للمعرفة والطب والتعليم والبحث والصناعة، وأصبح قادرًا على اختصار أعمال كانت تحتاج إلى زمن طويل وجهد بشري كبير، غير أن القوة لا تُقاس فقط بما تمنحه من إمكانات، وإنما كذلك بما تتيحه من مساحات لسوء الاستخدام. فالأداة التي تساعد الطبيب يمكن أن يستغلها آخر في صناعة التضليل، والتي تفتح للطالب أبواب المعرفة يمكن أن تستخدم في الاحتيال، والتي تستطيع أن تنتج صورة أو صوتًا مقنعًا يمكن أن تجعل الوهم قريبًا من الحقيقة إلى درجة يصعب معها على كثير من الناس التمييز بينهما.
والمسألة هنا لا تتعلق بالخوف من الآلة لأنها آلة، وإنما بالخوف من اللحظة التي تصبح فيها القدرة على الفعل أوسع من القدرة على فهم نتائج الفعل، خصوصًا حين تنتقل الأنظمة الذكية من مجرد الإجابة عن سؤال أو تنفيذ أمر محدد إلى القدرة على البحث والتخطيط واستخدام أدوات أخرى واتخاذ خطوات متتابعة للوصول إلى غاية معينة. عندها لا يعود السؤال عن مقدار ذكاء النظام وحده، وإنما عن المساحة التي أعطيناها له، ومن يراقبها، ومن يستطيع إيقافه إذا تجاوزها، ومن يتحمل المسؤولية إذا لم يتوقف في اللحظة التي كان ينبغي له أن يتوقف فيها.
وهنا يعود معنى السد، ولكن بصورة أخرى؛ فلم يعد السد بالضرورة جدارًا من الحديد، وإنما قد يكون قانونًا، أو قاعدة تقنية، أو نظامًا للرقابة، أو اختبارًا صارمًا، أو حدودًا للصلاحيات، أو مؤسسة تعرف أن عليها أن تراقب القوة التي منحتها للآلة كما تراقب الآلة نفسها. والسد في هذه الصورة لا يعني أن نمنع المعرفة من التقدم، وإنما أن نعرف أين يجب أن تتوقف القدرة، وأن نضع الحد قبل أن يصبح وضعه أصعب من إبقائه.
لكن السد الذي نحتاج إليه اليوم ليس من النوع الذي يستطيع شخص واحد أن يقيمه، لأن القوة نفسها لم تعد في يد واحدة؛ فالذكاء الاصطناعي ثمرة عمل علماء ومهندسين وباحثين وشركات وجامعات ومؤسسات ومستخدمين، وما يترتب عليه من آثار لا يتوقف عند حدود المكان الذي صُنع فيه. ولذلك تبدو عبارة ذي القرنين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ ذات صدى مختلف في زمننا، لا لأننا نعيد تفسير القصة، وإنما لأن مواجهة أي فساد يمكن أن تحدثه قوة واسعة لن تكون مسؤولية صانعها وحده، بل تحتاج إلى تعاون من يملكون العلم، ومن يضعون القوانين، ومن يراقبون المؤسسات، ومن يستخدمون التقنية، ومن يتأثرون بها.
ثم تأتي الآية التي تجعل المشهد أكثر اتساعًا: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾. لا نقول إن هذه الآية تتحدث عن الذكاء الاصطناعي، ولا إن يأجوج ومأجوج رمز له، وإنما نتوقف عند الصورة نفسها؛ شيء كان وراء حد، ثم يأتي زمن ينفتح فيه ذلك الحد، فينسل ما وراءه من كل حدب، فيصبح الانتشار ممتدًا في أكثر من اتجاه.
وحين ننظر إلى الذكاء الاصطناعي في زماننا، يصعب ألا نستحضر هذه الصورة بوصفها مجالًا للتأمل، لا بوصفها تفسيرًا للآية؛ فما كان قبل سنوات قليلة محصورًا في المختبرات ومراكز البحث، صار اليوم حاضرًا في الهاتف، وفي الصورة، وفي الصوت، وفي الكتابة، وفي الجامعة والمستشفى والمصنع ومكاتب الشركات ووسائل الإعلام، وأخذ يدخل إلى تفاصيل الحياة من أبواب كثيرة، حتى أصبح من الصعب أن نحدد مجالًا واحدًا يمكن القول إنه بقي بعيدًا عنه تمامًا. وهذه المرة لا يتوقف الأمر عند انتقال التقنية بين المدن والدول، وإنما يمس عالمًا اتصلت أطرافه بعضها ببعض، بحيث يمكن لأداة نشأت في مختبر بعيد أن تصل في وقت قصير إلى يد طالب في مدينة أخرى، أو طبيب في مستشفى، أو مؤسسة في قارة مختلفة، أو إنسان يجلس وحده أمام هاتفه.
فهل أتى هذا الزمان الذي نشهده بالفعل، وصارت فيه القوة التي صنعها الإنسان تنسل من كل حدب؟ ربما يكون هذا سؤالًا أكثر من كونه حكمًا؛ لأن الذكاء الاصطناعي لم يخرج من مكان مجهول، وإنما خرج من داخل المعرفة الإنسانية نفسها، ومن المختبرات التي بناها الإنسان، ومن تراكم علمي طويل، ثم أخذ يتسع بسرعة جعلت كثيرًا من الناس يكتشفون معه أن ما كان يبدو مستحيلًا بالأمس يمكن أن يصبح أداة عادية في أيديهم اليوم.
والمفارقة هنا أن القوم في قصة ذي القرنين كانوا يرون قوة يخشون أثرها، فطلبوا من رجل يملك من الأسباب ما يؤهله للتدخل أن يقيم بينهم وبينها سدًا، أما نحن فقد صنعنا القوة بأيدينا، ثم بدأنا نحن أنفسنا نبحث عن السد الذي يحدها. لم تأتنا هذه التقنية من خارج عالمنا، وإنما خرجت من عقولنا ومعارفنا ومؤسساتنا، ثم أصبحت مع الوقت أوسع من حدود المختبر الذي ولدت فيه، وأقرب إلى حياة الناس من أن يكون أمرها شأنًا خاصًا بأصحابها.
وهنا ربما يكمن القلق الحقيقي؛ ليس في أن يصبح الذكاء الاصطناعي شريرًا كما تصوره بعض الحكايات، وإنما في أن يصبح أكثر قدرة على الفعل من قدرتنا على معرفة كل ما يمكن أن يترتب على هذا الفعل، وأن نمنحه شيئًا من الاستقلال قبل أن نكون قد اتفقنا، كأفراد ومؤسسات ومجتمعات، على الحدود التي لا ينبغي أن يتجاوزها.
فالإنسان الذي صنع الطائرة لم يكن يعرف كل ما ستفعله الطائرة بالعالم، والإنسان الذي صنع الإنترنت لم يكن يعرف كل التحولات التي ستحدثها الشبكة في حياة البشر، والإنسان الذي صنع الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يعرف اليوم كل ما يمكن أن يفعله هذا الذكاء بعد سنوات إذا استمر في التطور بالسرعة نفسها. وليس في ذلك دعوة إلى إيقاف العلم، وإنما دعوة إلى ألا نخلط بين القدرة على صنع الشيء والقدرة على التحكم في كل نتائجه.
ولذلك ربما كان السؤال الحقيقي في هذه المرحلة ليس: هل الذكاء الاصطناعي خطر؟ ولا هل هو نعمة؟ فالإجابة عن السؤالين يمكن أن تكون نعم في الوقت نفسه، وإنما كيف نحافظ على الخير الذي فتحته هذه التقنية، ونضع في الوقت ذاته من الحدود ما يمنع قدرتها من أن تنقلب إلى أداة للفساد أو التضليل أو الإضرار بالإنسان.
فالسد لا يكون عدوًا للماء لأنه يمنع الفيضان، كما أن الحد لا يكون عدوًا للقوة لأنه يمنعها من تجاوز ما ينبغي لها أن تتجاوزه. وربما كان الخطأ أن ننتظر حتى نرى الفيضان ثم نبدأ في البحث عن مكان نبني فيه السد، بينما كان الأجدر أن نفكر في البناء منذ اللحظة التي عرفنا فيها أن الماء لن يبقى في مجراه دائمًا.
وفي قصة ذي القرنين لم يكن البناء عملًا فرديًا، ولم يكن الرجل وحده هو صاحب القوة؛ لقد قال لمن طلبوا عونه: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾، ثم شاركوا في إقامة السد، وكأن مواجهة القوة التي يخشاها الناس لا تكتمل إلا حين تصبح مسؤولية مشتركة. وربما نحن في حاجة إلى المعنى نفسه ونحن نقف أمام قوة من صنع أيدينا؛ فالعلم وحده لا يكفي، والتقنية وحدها لا تكفي، والقانون وحده لا يكفي، والوعي وحده لا يكفي، وإنما يحتاج الأمر إلى أن تجتمع هذه كلها في سد واحد، لا ليمنع المعرفة من العبور، وإنما ليمنع المعرفة حين تتحول إلى قدرة بلا مسؤولية.
ثم يبقى ذلك المشهد الذي لا نعرف كيف نخرج منه بسهولة: سد أقيم بالحديد والنار، وقوة كانت وراءه، ثم زمن يأتي فيه الفتح، ويصبح ما كان محصورًا من كل حدب ينسل.
وربما نحن الآن أمام شيء يشبه هذه الحركة، لا في معنى الآية ولا في هوية من وراء السد، وإنما في معنى الانتشار نفسه؛ شيء صنعناه، ثم فتحنا له الأبواب، ثم أخذ ينتقل من مجال إلى مجال، ومن يد إلى يد، ومن شاشة إلى أخرى، حتى أصبح حاضرًا في تفاصيل حياتنا أكثر مما كنا نتصور.
ولا أدري إن كان السد قد انفتح، أم أننا ما زلنا نبنيه، أم أن المشكلة في أننا لم نتفق بعد على المكان الذي ينبغي أن نقيمه فيه.
لكن شيئًا واحدًا يبدو واضحًا: ما كان خلف السد لم يعد خلفه كما كان، والسؤال لم يعد عن القوة وحدها، وإنما عن الإنسان الذي صنعها، ثم أصبح عليه أن يقرر أين يضع لها الحد.
فهل انفتح السد؟



