مقالات وآراء

السودان.. نهضة مرتجاة بين كنوز الأرض وغبن الإدارة

أصداء الوعي

آدم أبكر عيسى

يمتلك السودان مقوّمات السيادة الحقيقية التي تؤهله ليكون قطباً تنموياً في المنطقة: أرضٌ خصبة، ومياهٌ جارية، ومراعٍ شاسعة، وساحلٌ بحريٌّ واعد، وجبلُ مرةَ الساحر، إلى جانب عقولٍ سوّدانية أثبتت جدارتها في دول الخليج والعالم في الطبّ والهندسة والتعليم. لكنَّ هذه الثروات تظلُّ حبيسةَ غيابِ الرؤية، وفسادٍ سياسيٍّ وإداريٍّ مستشري، وتخطيطٍ نهضويٍّ مشوَّه يكرّس تمركزَ الثروةِ بدلاً من توزيعها على عجلة الإنتاج، وإقامةِ مدنٍ صناعيةٍ بجوار الموادِّ الخام لتقليل التكاليف، مع سياسةٍ اقتصاديةٍ تنمويةٍ تمتدُّ لعشرِ سنوات.

يكمنُ الخللُ الأعمقُ في غيابِ العقلِ الوطنيِّ الذي يضعُ إطاراً دقيقاً للعلاقة بين السلطةِ ومؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية. فكلَّما لجأ سياسيون فاشلون إلى الجيشِ لضبطِ إيقاعِ الحكم، أُفرغَ مفهومُ الدولةِ المدنيةِ من مضمونه، وتحوّلت هذه المؤسسة الوطنية من درع للسيادة إلى حلقة عبور للسلطة، يحاول كل نظام تشكيلها وفق رؤيته السياسية الضيقة.

وهنا لا بد من التأكيد على الدور الوطني الأصيل للمؤسسة العسكرية في الدفاع عن تراب الوطن وسيادته، وصيانة كرامة الشعب وحماية هويته ومكتسباته، وهو ما تضطلع به اليوم ببسالةٍ تستحق الإشادة. غير أن التدخلات السياسية حالت دون تطويرها كمؤسسةٍ وطنيةٍ راسخة، ينبغي تزويدها بأحدث الأسلحة، ورفع مستوى جنودها وقيادتها عبر رواتب مجدية وحياةٍ كريمة تليق بمن هم حماة الوطن والدرع الحصين له.

يمتد هذا المبدأ ذاته ليشمل الشرطة وكافة أجهزة الدولة المعنية بحفظ الأمن القومي، وكذلك السلطة القضائية، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني؛ إذ لا بد من تحرّرها من المناكفات السياسية، وعملها ضمن إطار قانوني منفصل عن السلطة السياسية، لتتمكن من القيام بدورها الوطني في خدمة الشعب والوطن، بعيداً عن التوظيف

أما الفساد، فيتطلَّبُ آلياتِ كشفٍ صارمةً ومرتباتٍ عادلةً؛ فلا يمكنُ لموظفٍ براتبٍ زهيدٍ أن يمتلكَ رفاهيةً تفوقُ دخله، وهو ذاتُ الحالِ الذي ينطبقُ على وزراءَ وقادةِ أجهزةٍ أمنيةٍ ينهبون المالَ العامَّ، بينما يُمكنُ أن يُحوَّلَ هذا الهدرُ إلى مشاريعَ استراتيجيةٍ تُوفّرُ فرصاً للشعبِ وتُقلّصُ الدينَ الخارجيَّ، وتعيد توزيع الثروة بشكلٍ يحفز الإنتاج بدلاً من التركيز.

استلهاماً لتجاربَ دولٍ كماليزيا ورواندا، التي حوّلتْ أزماتِها إلى طفراتٍ ورفعتْ دخلَ الفردِ وسدّدتْ قروضَ البنكِ الدوليِّ، يبقى الرهانُ على إعادةِ تعريفِ الدولةِ السودانيةِ بفهمٍ مدنيٍّ دستوريٍّ. يبدأ ذلك بالتعليمِ الجادِّ، والقضاءِ على التباينِ الطبقيِّ الذي يُنتجه التعليمُ الخاصُّ، وإعادةِ الاعتبار للجيشِ في دوره الدستوري، بعيداً عن الرغبات السياسية المتقلبة.

السودان بعد “معركة الكرامة” ليس بحاجةٍ إلى وعودٍ برّاقة، بل إلى تغييراتٍ جذريَّةٍ تُنهي الدولةَ الصورية، وتؤسسُ لوطنٍ يُدارُ بعقلٍ جامعٍ لا فئويٍّ. نهضتهُ مرهونةٌ بإرادةٍ تُحاربُ الفسادَ كقضيةِ أمنٍ قوميٍّ، وتستثمرُ في إنسانِه قبلَ ترابه، ليتحوَّلَ من بلدٍ مأزومٍ إلى سلةِ غذاءِ العالمِ ومنارةِ استقرارِهِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..