البرهان بين مطرقة الرباعية وسندان الكيزان

بقلم: محمد الحسن أحمد
يدخل النزاع السوداني منعطفاً جديداً مع تصاعد الضغوط الدولية بقيادة واشنطن، التي حددت إطاراً زمنياً ينتهي بمطلع العام القادم 2026 لتثبيت وقف إطلاق نار إنساني شامل. تهدف هذه الخطوة إلى تمكين المنظمات الدولية من إيصال الغذاء والدواء للمحتاجين والنازحين، في ظل تحذيرات من “مجاعة وشيكة” تهدد ملايين السودانيين نتيجة الحرب التي تقترب من عامها الثالث بين الجيش وقوات الدعم السريع.
تعد الجهود الأمريكية الأخيرة اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية لطرفي الصراع؛ إذ تهدف إلى إنشاء مسارات آمنة تضمن تأمين الخطوط اللوجستية لنقل المساعدات من الموانئ والحدود إلى العمق السوداني، تمهيداً لمفاوضات أوسع ونحو حوار سياسي يضع حداً للحرب ويُعالج مسبباتها الجذرية.
وعلى الرغم من بارقة الأمل التي تلوح للنازحين واللاجئين مع كل محاولة للتوصل إلى تسوية سياسية، إلا أن جملة من المهددات تتربص بالهدنة الإنسانية المزمعة. أولى هذه المهددات هي تعدد مراكز اتخاذ القرار داخل “كابينة سلطة بورتسودان”، والسيطرة “الإسلاموية” التي ظهرت بوضوح في أكثر من مناسبة، حيث عملت على إطفاء أضواء منابر التفاوض بدءاً من جدة وجيبوتي وإثيوبيا، وصولاً إلى المنامة وجنيف.
ثمة مهدد آخر يتمثل في قصر الفترة الزمنية المعلنة وغياب آلية الرقابة الصارمة؛ إذ لا توجد قوات مراقبة على الأرض أو تقنيات رصد دقيقة قادرة على تحديد الطرف المنتهك ومحاسبته فوراً. هذا الغياب يجعل الهدنة نهباً لرافضي السلام ومالكي السلاح، لا سيما “كتائب البراء بن مالك” التابعة للحركة الإسلامية، القادرة على خرق أي اتفاق لا يخدم أجندتها.
وبالطبع، لا يمكن إغفال الدور الإقليمي؛ حيث تتقاطع مصالح بعض الأطراف “مصر الشقيقة” مع إطالة أمد الحرب، ناهيك عن الجماعات الإسلامية التي ترى في السودان معقلاً أخيراً لا يمكن التفريط فيه. وبين هذا وذاك، يتعقد المشهد السياسي السوداني المفتقر للإرادة الوطنية والقرار السيادي الذي يحفظ للبلاد أمنها ووحدتها.
خلال شهر سبتمبر الماضي، طرحت دول “الرباعية” خارطة طريق محددة المعالم والتواقيت لوقف الحرب واستعادة المسار المدني. غير أن قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي أبدى موافقة “مستترة” في البداية، سرعان ما جهر برفضه تحت وطأة الضغوط “الإسلاموية”. يمثل هذا التحدي العقبة الأكبر؛ فكل محاولة لإحلال السلم تظل رهينة بمدى قدرة البرهان على فك “الشراكة” مع “الكيزان” ، وهو أمر يبدو عصياً على الجنرال، على الأقل في الوقت الراهن.
ختاماً، ليس أمام طرفي الحرب سوى الانصياع لصوت العقل وتغليب مصلحة الوطن وحياة المواطن الذي يرزح تحت وطأة الجوع والنزوح. أما الاستمرار في نهج الرفض والتعنت حمايةً لمصالح جماعة لصوصية “أيديولوجية”، فهو خيار انتحاري يعني الانهيار الكامل للدولة، وتفتيت الأرض، وضياع الشعب.



