لحظة القرار في السودان

يثير الفضول في شأن السودان تساؤلات عدة حول طبيعة المرحلة الراهنة وأهميتها، وخطورتها، وما إذا كانت فكرة الوحدة الطوعية يمكن أن تُترجم إلى حقيقة واقعية، وما هي رهانات هذه الوحدة؟ ومن هو الوحدوي؟ وما طبيعة شخصيته؟ أم أن الانفصال سيصير قريبا ممارسة عملية، تنشطر بها البلاد إلى جزأين؟ إلى غير ذلك من التساؤلات؛ وهي، في الواقع، تساؤلات تحاول السياسة الإجابة عنها باجتهادات قد لا يسعفها الوقت والوقائع على إدراك الصواب. وبتعبير آخر، إن هذه التساؤلات مرتبطة بتعقيدات المكان وضغط الزمان، أي بتاريخ وجغرافية السودان ذاته، مثلما هي مرتبطة بحاضره ومستقبله. ولعل الأيام القليلة القادمة كفيلة بإظهار المقدمات اللازمة لصوغ بدايات الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها؛ وقد تُقدم، في نفس الوقت، إجابات مباشرة على بعض التساؤلات، التي لم نطرحها هنا، ولكن ستكبلها استفسارات اللحظة الحاسمة.
هل نحن حقاً أمام حالة خوف من مستقبل بلد يتجه للتقسيم، أم توجس وهمي تم تشكيله في تضاعيف الممارسة السياسية السودانية ليشعرنا بعدم الأمان باستمرار، لغموض مصير هذا المستقبل؟ إن القوى السياسية السودانية تسعى دائما لتبرير الوصول إلى أهداف لا صلة لها بالمعالجات اللازمة للأزمات المستفحلة. لهذا، فنحن أمام حالة خوف حقيقي ناشئ من عدم توفر المناعة الوطنية، التي تكسبنا القدر المطلوب من القوة المعنوية، وتشعرنا بأن النظام الاجتماعي قد لا يصمد أمام اختبارات ما هو متوقع من انفصال، وتداعياته الرهيبة، التي لا يبدو أن لها في الأفق نهاية، أو الوحدة الذاهبة إذا جاءت باشتراطات تغيير جذرية جديدة.
ولا يساوي اضطراب التعاطي مع هذا الحدث الثقيل، إلا قربه وغموضه، وبقاء الأسئلة التي يثيرها التفسير الرسمي لرجاحة احتمالاته، معلقة دون جواب. وذلك بالرغم من مرور خمس سنوات على اتفاق السلام الشامل، الذي باعد بين الناس أكثر من أيام الحرب. وليست الغرابة ناشئة عن مجرد عجز الحركة الشعبية، عن الكشف عن حقيقة موقفها من الوحدة، فمطالبتها للمؤتمر الوطني وحده بمطلوبات الوحدة الجاذبة، في حين صمتها عن دعوة بعض قيادتها النافذة العلنية للانفصال، مثالان شاهدان على أن الغموض في مثل هذه الحالة لا يعتبر أمرا عاديا. ويتسم هذا النمط من الغموض بشدة التعقيد والتشابك، وارتباطه بخلفيات وجذور ممتدة وغاية في الغرابة، تتخفى في منهج التعبئة، الذي كان معتمدا أيام الحرب، بالإضافة إلى الاستخدام المستمر للمزايدة، وتبادل الأدوار.
صحيح أن كل الناس ظلوا يتساءلون عن جدوى شراكة لم تتقاسم همة هم واحد طوال نصف عقد من الزمان، لكن السؤال العادي للناس العاديين يفترض إجابة بسيطة ونهائية، لكنه يحتمل والشك القبلي في الجواب, كما أنه قد يهدف إلى هدم الاعتقاد القبلي في مشروعية امتلاك هذا الجواب، أو المعرفة بتفاصيل سياسات لا تعنيه. وهذا الإحساس ليس منعزلا عن حقيقة الوضع العام، بل ينتظم داخل كل متناسق من الحيرة، تجعل الجواب غير ذي نفع. إذ تنعدم صدقيته في ضعف منطقه وتماسكه الدال على الحقيقة. إن طرح الأسئلة يقصد بها بناء معرفة حقيقية بعيدة عن الوهم، الذي يتساقط من شعارات السياسة، لأن اعتقاد السياسي البديهي بامتلاك حقائق الأشياء كثيرا ما يغالطه واقع الحال في السودان.
بيد أن اليقين يسوقنا إلى الجزم بأن الإجابة على هذه التساؤلات ما هي إلا مداخل استنطاق تبحث عن فك "شفرات" تعقيدات تترتب على الأوضاع المستجدة في حال السودان؛ إذا تأكدت الوحدة الطوعية، أو وقع الانفصال. والمؤكد أن الإجابات جميعها لن تكون سهلة، لأن طرح الأسئلة، في ذلك الوقت، سيكون إشعارا بالدخول في مراحل تأسيس جديدة، وغالبا ما تكون على أسس بناء سياسي واجتماعي واقتصادي جديدة. فالسؤال سيحتم على القائمين على الأمر في الشمال والجنوب أن يتحركوا داخل الأزمة بمنطق تشخيص أعمق، عوضا عن الدوران حول الذات بشعارات البراءة من أخطاء الماضي، لأن من طبيعة أية تحولات جذرية أنها ستولد أسئلة إشكالية ستضيف أبعادا جديدة على الإجابات المباشرة، التي ستعترض فهمها وتطبيقها عدة صعوبات، بعضها يرجع إلى طبيعة المرحلة، وبعضها يرجع إلى نوع الاستجابة لمنطق التحولات.
والمتوقع أن تصدر عن الساسة آراء متضاربة، بعضهم سيصف المرحلة بأنها منعطف خطير، دون تدبر أو تدبير، وبعضهم سيعتبرها مؤامرات أجنبية، ليعفوا أنفسهم من مسؤولية خلق التعقيدات، وبعضهم سيعتبرها صعوبات عارضة، إلى غير ذلك من الصفات والنعوت القائمة على الأفكار التبسيطية القبلية، والتحيزات المسبقة، التي لا تستند إلى صحة التصويب على الحقيقة الموضوعية. أما الصعوبات التي يخلقها الساسة، فإنها تتمثل في صغر معاركهم، وتكمن في عدم إجماعهم على تعريف محدد للهدف الإستراتيجي لكيان الدولة السودانية. فحينما يتحدث السياسي عن حرج الأزمة، إنما يفصح عن أزمته الخاصة. وهذا ما يجعل الناس الآن أمام زخم هائل من التصريحات، التي لا تضيف للأزمة إلا تعقيدات جديدة؛ تطفئ أية بارقة أمل في الحل.
إن الذي يثير المخاوف أن كل موضوع يطرح هذه الأيام من قبل الشركاء المتشاكسين، أو الفرقاء المتخاصمين، صالح لكي يجلب أزمة جديدة، مادام طرحه يتسم بطابع الإشكالية، التي تتعمد توسيع رقعة الخلافة، ولا تتوخى الوفاء بأنصبة الحل. فغياب المنهج الموحد، الذي ينظر من خلاله الجميع لما يجابههم من معضلات، سيصعب سوانح التواضع على فهم مشترك لأصل هذه المعضلات، ويوصلهم إلى يقين الحل للأزمات الماثلة. إن كل سياسي يفترض أن يكون مرتبطا ارتباطا عضويا بقضايا وطنه، وما يكتنفها من إشكاليات، ويستصحب أراء الجميع في التفكير الأمثل لنجاعة الحل، وطبيعة الآليات التي سيستخدمها، والسبل التي سيتبعها للإصلاح. فقناعات السياسي الخاصة يمكن أن تكون متقاربة، أو تمثل إضافة حقيقية لقناعات الآخرين، رغم أن هذا لا يمنع وجود الاختلاف بينهم، الذي لا يفسد صحة التوجه الجماعي نحو الهدف.
إن انفصال الوعي حادث، وتشرذم المواقف مستحكم، ولا مخرج إلا بانقلاب جذري في اتجاهات هذا الوعي، وتعديل سريع لوجهة هذه المواقف. وتعني الحكمة، المطلوبة بشدة في السودان الآن، أن القرار السياسي الإستراتيجي الصعب هو الجواب الوحيد، وليست التعبئة البريئة، التي لن تعدل نتيجة الاستفتاء. وهذا باعتبار أن الحكمة ليست مجرد العلم بما يدور وما يحاك، ولكنها لعبة السياسة، وقدر الساسة، وقدرة القيادة في لحظة الحرج السياسي. إذ تحاول السياسة، في علاقتها بالواقع، الإنصات لمطالب هذا الواقع، والتعامل الحصيف مع لحظاته الحرجة، لتمسك بزمام المبادرة، في التعامل الفوري وغير القابل للمساومة، وغير القابل لتجزئة القرار وانقسام المواقف الوطنية، وبوصفه هذه اللحظة، التي يمر بها السودان الآن، هي طرفة خاطفة بين زمنين؛ نهاية للماضي، وبداية لمستقبل قد ينحرف فيه السير عن خط الوحدة المستقيم.
د. الصادق الفقيه :
الراية القطرية



السودان باعترافهم دخل جحر ضب . والتوقعات والحلول غلبت اساطين السياسه حتى مفكرى الانقاذ الكبار جدا مثل المفكر الضخم امين حسن عمر . صعبت عليه الحكايه . ولا يجد فى الافق بادرة امل . والايام دى نحن مصنقعين للسما مع ناس الانقاذ منتظرين الحل … بركاتك يالشيخ الدكتور .. وعندى سؤال اخير انت ليه بطلت تقلد شيخ حسن فى طريقة الكلام ؟….طيب قلد شيخك الجديد شوف ليك عصايه وخاتم كبير . وشلاليف .
كلما اشاهد صورة هذا الشخص اقول فى سرى وفى علنى (محمد معانا ماتغشانا)
دا منــافق على نافع