كسلا.. قصة (90) يوماً قاسية

كسلا: ناهد سعيد
عندما وطأت قدماي مدينة كسلا بدأ لي المشهد مختلف كلياً عن الشهر الماضي، الذي زرت فيه الولاية التي كانت تشهد ظرفاً استثنائياً جعلني أتوجس خيفة من أن تطول فترة إقامتي إذا وقعت ضحية لحمى الشكنغونيا ولكن في زيارتي الأخيرة وجدت أن الحياة عادت إلى طبيعتها بعد أن وصل المرض المرحلة الصفرية بعد تسعين يوماً، من الخوف والهواجس والألم مضت بطيئة وقاسية ومؤلمة ولكن استطاعت كسلا الرسمية والشعبية تجاوز واحد من أصعب الامتحانات التي شهدتها في العقود الأخيرة.
أوقات عصيبة
سائق التاكسي الذي أقلني من السوق الشعبي إلى وسط مدينة كسلا لم يتركني أسأله عن الواقع، فقد بدأ الحديث مباشرة عن الظروف التي عاشتها كسلا وانسحبت عليهم، وقال إن عملهم تأثر خلال التسعين يوماً، التي استشرت فيها حمى الكنكشة بداعي عزوف الكثيرين عن زيارة كسلا، وأشار إلى أن البصات السياحية التي كانت تأتي من الخرطوم لم تكن تحمل في جوفها زوار يهدفون إلى قضاء شهر العسل أو إجازة بالمدينة السياحية، مبيِّناً أن الحركة بدأت تعود تدريجياً عقب تراجع المرض إلى أدنى مستوياته ثم انحساره، غير أنه يرى بأن كسلا قادرة على استعادة سمعتها سريعاً، وذات الشكوى استمعت إليها من موظف الاستقبال بالفندق الذي حللت فيه، حيث كشف عن أن معظم الغرف شاغرة ولايوجد نزلاء بأعداد كبيرة مثلما كان يحدث في مثل هذه الفترات من كل عام، وقال: إن السبب المباشر يعود إلى تخوف العرسان من حمى الكنكشة غير أنه ورغم الخسائر الفادحة التي يقول إنهم تكبدوها بدأ واثقاً من عودة السياحة في كسلا إلى سابق عهدها.
أحداث ومواقف
من خلال تجوالي بمدينة كسلا فقد تلمست آثار هذا المرض في النفوس قبل الأجساد، ولكن مايميِّز مجتمع كسلا قدرته الفائقة على تجاوز المحن وكثيراً ماتمكن من هزيمة ثورات نهر القاش وتمرده، لذا فإن حكومة الولاية ومن خلفها الحكومة المركزية أدت دورها رغم الانتقادات الكثيرة التي تم توجيهها ناحيتها ووسمها بالعجز، ولكن العبرة بالخواتيم فقد بات المرض صفحة من الماضي، ولكن كان للمجتمع دور بارز، بل وأساسي في دحر المرض، وفي هذا الإطار فأن الكثير من المنظمات الشعبية لعبت دوراً مؤثراً في دحر المرض ومن ضمنها منظمة “مبادرون” التي خرجت إلى الوجود في خضم أزمة الشيكونغونيا وهي تضم شباب على درجة عالية من التجرُّد والإخلاص، يقول صاحب فكرتها الشاب خضر طه إدريس، إن الشباب الكسلاوي ضرب أروع الأمثال في الأزمة الأخيرة ومشاركتهم الفعالة خلال أيام الأزمة بسياراتهم وأموالهم الشيء الذي مكَّن المنظمة من تنفيذ حملات إصحاح البيئة بصورة علمية وعملية، وتابع بأن المنظمة احتوت كل الشباب وكانت أبوابها مشرعة للانخراط في العمل الإنساني، ونفى خضر تلقي “مبادرون” أي دعم من المنظمات العاملة في الولاية باستثناء عشرة لترات من المبيدات قدمت من منظمة تلاويت لتنفيذ حملة بحي الشعبية، بالإضافة إلى تلقي المنظمة دعومات من مواطني كسلا داخل وخارج السودان، وقال إن تكلفة عمل المنظمة لدحر المرض بلغت خمسمائة ألف جنيه .
تجرُّد وجهد
وأرجع خضر طه، سر نجاح حملات إصحاح البيئة التي نفذها شاب “مبادرون” خلال أيام الأزمة إلى جودة المبيدات التي استخدمت في الرش الرزازي والضبابي، لافتاً إلى أن “مبادرون” استخدمت مبيدات (تي سي تي) التي تستهدف الجهاز التنفسي وضرب الجهاز العصبي للحشرات وأثبتت قوة وفعالية عالية خلاف ما استخدمته إدارة الوبائيات وإصحاح البيئة بالمحلية، وقال: رغم قلة معرفتنا بالمبيدات تمكنا من إصابة الهدف بدقة، كاشفاً بأن الجهات الأخرى استخدمت مبيدات يتوقف تأثيره على ملامسة الحشرات فقط، وأشار إلى أن القائمون على الأمر وقتها إذا راجعوا هذا الأمر لكان الوضع أفضل وسهل من مهمة مكافحة نواقل الحشرات في وقت مبكر، وأردف: سبق وتحدثت مع مسؤول الصحة عن التأثير ضعيف المفعول، وقال خضر، إن التجربة مكنتهم من اكتشاف حاجة إصحاح البيئة بعدد كبير من أحياء المدينة إلى اهتمام البيئة، لافتاً إلى عملهم تم بعيدًا عن المزايدات السياسية، معتبراً التفاف الشباب حولهم يعد دليل عافية وتأكيد على أن مجتمع كسلا مايزال بخير وسبَّاق إلى كل عمل يسهم في المصلحة العامة، مبيِّناً أن المنظمة نظمت حملات إصحاح بيئة بمحليتي ريفي كسلا وغرب كسلا.
تكاتف واهتمام
من ناحيته يشير أمين مال المنظمة عبدالرحمن كمال الطيب، إلى أن الفكرة نبعت بعد أن انتابت الشباب موجة من الاستياء بسبب تقصير الجهات في محاربة حمى الكنكشة التي ضربت إنسان المدينة بشكل مقلق وخطير وفي خضم ذلك قادة الشاب خضر إدريس طه، زمام المبادرة لمحاربة نواقل المرض الزاعجة المصرية، وقال إنه وسرعان ما التف الشباب حول المبادرة لجهة أنها غير مسيَّسة وتعمل لدحر المرض وعقد الشباب اجتماعاً مع معتمد كسلا معتصم عثمان، لتنويره بعمل الحملة وبارك الخطوة وقبل ذلك تكفل الشاب خضر إدريس طه، بتوفير 10كراتين، من المبيدات من ماله الخاص وانطلق قطار الحملة من أحياء الضفة الغربية الأكثر تأثيراً في ذلك الوقت ولم يمض كثير حتى التف معظم الشباب في العمل من خلال الرش الرزازي بواسطة السيارات التي جابت الأحياء .
صعوبات
ويعود رئيس المنظمة خضر طه، ويشير إلى أنه واجهت المنظمة بعض الإشكالات في بداية العمل وتم وضع متاريس لإيقاف النشاط وسرعان ما حلت المشكلة بعد الجلوس مع الوالي الذي تفهم دورهم، بل لم يكتف بذلك، بل عمل على دعمهم، وأشاد بالشباب على مساهمتهم في عمليات إصحاح البيئة، وقال إن الوالي آدم جماع، وجه وقتها كافة المؤسسات بتقديم يد العون للجمعية، وقال إن أسباب نجاح الحملات التي نفذت يعود للمتابعة اللصقية لكل عمليات الرش ومدى تأثيره على نواقل الحشرات ومن خلال ذلك أكد لنا المواطنون بالأحياء، من خلال استطلاع شباب “مبادرون” بأنهم باتوا يقضون لياليهم خارج العوازل الشفافة.
جهد حكومي
نعم، جهد المجتمع كان وافراً ومؤثراً وفي ذات الوقت فإن حكومة الولاية ورغم اتهامها بالتقصير إلا أنها بذلت مجهودات كبيرة إلى أن أعلنت رسمياً نهاية المرض، وفي هذا الإطار فقد ظلت إدارة الوبائات بالوزارة في عمل دائم منذ الثامن من أغسطس، حتى السادس عشر من شهر، أكتوبر، حيث بلغ التردد على المراكز الصحية أخيراً صفر، وحتى الثاني من نوفمبر بلغت الحالة الصفرية وهو ما دعا حكومة الولاية لإعلانها خالية من المرض في ملتقى الجامعة حول الأمراض التي تسببها النواقل الحشرية، وفي هذا الإطار فإن مدير عام وزارة الصحة نور الدين حسين، ذكر بأن المجهود الذي تم بذله لمكافحة المرض جعله ينحسر بالصورة التي رآها الناس بالإضافة إلى وعي ومساندة المواطنين بعد الحملات الإعلامية التوعوية بنظافة أواني المياه وإصحاح البيئة وهو ماجعل المرض ينحسر، وذكر أن المواطنين في الخمسة عشر يوماً، الأولى لم يكن تعاملهم مع الوزارة مرضياً، ولكن بعد الحملات التوعوية التي قامت بها المدارس عبر تخصيص طابور الصباح وفضائية الولاية والإذاعة والإعلام الشعبي والمساجد كان أمراً ناجحاً وهذا أسهم في انحسار المرض منذ يوم السادس عشر من شهر أكتوبر حتى الثامن والعشرين من ذات الشهر، ووصل إلى مرحلة التبليغ الصفري بالمراكز الصحية والمستشفيات حتى وصل إلى مرحلة إعلان الولاية خالية من المرض.
خطوات احترازية
تؤكد الحقائق أن الدول التي تقدمت ولامست ثريا النهضة والتطور ارتكزت بشكل أساسي على البحث العلمي وعلى إثر ذلك أفردت اهتماماً كبيراً بالعلماء لإدراكها التام أنهم حجر الزاوية في تغيير حياة البشرية نحو الأفضل، وبإسقاط هذه الحقيقة على الواقع بولاية كسلا فإن كل الشواهد والمعطيات تؤكد أن الدور العلمي يبدو متقدماً متمثلاً في جامعة كسلا التي ظلت تؤكد كل يوم ريادتها وتفاعلها مع هموم ونبض المجتمع، وعندما اجتاحت الولاية مؤخراً الحميات كانت حاضرة بقوة عبر علمائها ومع تعافي كسلا من فإن إدارة الجامعة التقطت القفاز ومسكت بزمام المبادرة وهي تقيم مؤتمراً علمياً لسبر أغوار هذا المرض من الشيكونغونيا كل جوانبه من أجل الخروج بروشتة تمثل خارطة طريق للجهاز التنفيذي ليقطع الطريق مستقبلاً أمام عودة الحميات.
عودة العافية
في فاتحة المؤتمر العلمي الذي كانت (التيار) حضوراً له فقد أعلن والي ولاية كسلا الأستاذ آدم جماع آدم، خلو الولاية من الحميات وأمراض الشيكونغونيا التي انتشرت بمحلية كسلا مؤخراً، وعضَّد جماع، خلو الولاية من المرض وفقاً لتقارير لجنة الطوارئ والتقارير الصحية المقدمة من المراكز في وقت سجل أكثر من 69 مركزاً، حالات صفرية، وأكد جماع تعافي الولاية ممتدحاً دور الجامعة الكبير في هذا الصدد والخبراء والمختصين أصحاب التجارب الثرة في الشأن الصحي، و أشاد الوالي بالمشاركة المقدرة للمختصين والعلماء الذين قدموا من مناطق السودان المختلفة للمساهمة بأفكارهم النيرة في الملتقي الخاص بالشأن الصحي وتطرَّق جماع، لمشاركة مجتمع الولاية ومؤسساتها المختلفة ومنظمات المجتمع المدني في مواجهة الحميات، وامتدح الوالي دور الجامعة في قيادة زمام المبادرة وإسهاماتها أثناء الأزمة الصحية والتشخيص الأولى للمرض عبر التشخيص السريري قبل نتائج فحص المعمل المركزي، ودعا الوالي منظمة الصحة العلمية للوقوف مع الولاية في الشأن الصحي خاصة دعم المستشفى المرجعي والتعليمي، معرباً عن تمنياته أن يخرج الملتقى بخرجات تعين البلاد في تحديد النواقل والحشرات التي تسبب الأمراض، وتعهد جماع بتنفيذ كل مخرجات الملتقى ومتابعته الشخصية وتنزيلها على أرض الواقع.
وزارة الصحة والتحدي
من جانبها أعربت وزيرة الصحة والتنمية الاجتماعية عائشة آدم سيدي، عن تقديرها لجامعة كسلا وللحضور من المختصين والباحثين لجهودهم ومشاركتهم في مراحل البحث وقالت إن الحمى التي انتشرت في الولاية كانت غريبة وغير معروفة وأحدثت توتراً لدى المواطنين نتيجة للأعراض المصاحبة للمرض، وأشارت إلى أهمية إيجاد فهم لبرنامج يقدم لمكافحة الأمراض على المدى الطويل، مبيِّنة أن حالات الإصابة بلغت 19 ألف و891 حالة، بــ(71) مركزاً، بمحليات كسلا وريفي كسلا وغرب كسلا، وأوضحت الوزيرة أن مكافحة المرض بشتى الطرق أدت إلى انحساره وإضعافه بعد أن كانت الحالات كبيرة، وحيَّت مبادرة أهل العلم وقيادة العمل من قبل جامعة كسلا ووقوفها ومساندتها الكبيرة للولاية إلى جانب تقديم شكرها لكافة الذين بادروا للبحث العلمي من المراكز والجامعات والتي سيكون لها دور كبير في استخلاص تجارب تهتدي بها الوزارة لتقديم أفضل الخدمات.
أهمية البحث العلمي
وقال مدير جامعة كسلا البروفيسور عبد الله علي، إن الجامعة رأت أن توظف كل إمكانياتها وشراكاتها البحثية مع مؤسسات البحث العلمي بهدف الفهم العميق للمرض وحركته وتأثيره على المدى المتوسط والطويل ومعرفة المرض للتعامل معه ونوعية الأمراض المحتملة مستقبلاً، وتناول الترتيبات الأولية والاستجابة التي تمت لإطلاق المبادرة والدعم والقبول للمشاركة في الملتقى من داخل وخارج البلاد، داعياً لأن يخرج الملتقى بنتائج إيجابية تخدم أهداف الشركاء والبحث، وأبدت الدكتورة رشا صديق، ممثل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تفاؤلها بالملتقى الذي أقامته جامعة كسلا وقالت، إن الملتقى يمثل أحد المحاور الأساسية التي تجد الدعم والاهتمام، وأضافت: “نتطلع قدماً للمخرجات العلمية والبحثية” ودعت إلى تضافر الجهود فيما يصب في مصلحة البحث العلمي وإجابة التساؤلات حول العديد من الأجوبة التي تصب في مصلحة مواطني كسلا
الصحة الاتحادية والجاهزية.
وأكد ممثل وزارة الصحة الاتحادية الدكتور عبد القادر علي بشير، جاهزية الوزارة لتذليل كافة الصعاب التي تواجه الشراكة مع ولاية كسلا والمؤسسات العلمية، وقال: ” إن البحوث العلمية وعبر الملتقى ستخرج بنتائج متميِّزة نعتمد عليها والولاية في اتخاذ القرارات والسياسات، مضيفاً “أننا أحوج ما نكون للبحوث نسبة لقلة الموارد والإمكانيات الشحيحة وأن نتائج البحث ستكون هادئة لتلمس الطريق نحو حل الإشكاليات.
الصحة العالمية والاهتمام
وفي إطار اهتمام منظمة الصحة العالمية بشركاء مبادرة جامعة كسلا لأبحاث حمى الشيكونغونيا والأمراض الفيروسية المنقولة بواسطة الحشرات خاطبت المدير القطري لمنظمة الصحة العالمية الدكتور نعيمة القصير، الملتقى عبر الاسكايب وتطرَّقت لأهمية الملتقى وجهود ولاية كسلا التي بذلت في مكافحة المرض وأهمية المشاركة المجتمعية لتعزيز الصحة بالإضافة إلى استعداد المنظمة لدعم العمل الصحي بالولاية.
أوراق علمية

كشف البروفيسور عبد الله علي، مدير جامعة كسلا المخرجات العلمية للملتقى، وقال البروفيسور: إنه تم تحديد أربع مجموعات رئيسة للباحثين مجموعة الدراسة الوبائية: لتحديد حجم الفاشية وخصائصها الديموقراطية وأنواع الفيروسات المُحتملة التي يمكن أن تسبب فاشيات مشابهة، بالإضافة إلى مجموعة دراسة البعوض الناقل وهي الزاعجة المصرية والزاعجة المرقطة وانتشارها في الولاية والفيروسات الموجودة بها، علاوة على مجموعة الدراسة السريرية لدراسة تأثير المرض على المدى المتوسط والطويل على فئات المجتمع المختلفة وعلاقته مع الأمراض السارية والمزمنة، وأخيراً مجموعة دراسة النواحي الاقتصادية والبيئية والإنسانية.

التيار

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..