
تُختبر صدقية السياسات بمدى اقترابها من معاناة الناس، لا بقدرتها على صياغة العناوين، حيث يجيء طرح “دنقلا عاصمة للسياحة 2026” ليكشف عن خللٍ عميق في ترتيب الأولويات. فما الذي يعنيه هذا الإعلان لمواطنٍ في دنقلا يواجه يوميًا انقطاع الكهرباء، وشحّ الخدمات الصحية، وتراجع التعليم، واتساع رقعة الفقر؟
إن المضي في هذا المشروع في ظل تداعيات الحرب في السودان 2023 لا يمكن وصفه إلا بأنه تجاهل صريح لواقعٍ ضاغط، تُقدَّم فيه أولويات البقاء على ما سواها. فالتنمية ليست استعراضًا لمشروعاتٍ لافتة، بل التزامٌ أخلاقي وعملي بتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ولا يقف التناقض عند هذا الحد، بل يمتد إلى قلب القطاع الذي يُراد النهوض به. فالعاملون في مجال السياحة أنفسهم—من موظفين ومرشدين وعمال خدمات وأصحاب منشآت صغيرة—يعانون ضعف الأجور، وغياب التأهيل والتدريب، وانعدام بيئة العمل المستقرة. فكيف يُبنى مشروعٌ سياحي ناجح على أكتاف كوادر مُهمَلة لا تجد ما يكفيها من دعمٍ أو تطوير؟ وكيف يُنتظر من قطاعٍ مُثقلٍ بالهشاشة أن يقود نهضةً يُراد لها أن تكون واجهة الولاية؟
وإذا كان البعض يُحاجج بأن الحرب لم تبلغ الولاية الشمالية ميدانيًا، فإن أثرها قد بلغها بكل ثقله. فقد أفرزت الحرب موجاتٍ واسعة من النزوح واللجوء إلى الولاية، مما ضاعف الضغط على خدماتٍ كانت أصلًا تعاني الهشاشة قبل اندلاع الحرب في السودان 2023. كما أدى اختلال سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل إلى تصاعد غير مسبوق في غلاء المعيشة، حتى بات المواطن يواجه أعباءً تفوق طاقته، في ظل ضعف القدرة الشرائية وغياب المعالجات الفاعلة.
ثم إن التحديات البيئية، وعلى رأسها آثار التعدين واستخدام مواد شديدة الخطورة كالسّيانيد، تضيف بُعدًا أكثر خطورة للمشهد. إذ لا يُعقل أن تُترك صحة الإنسان وبيئة الأرض عرضةً لهذه المخاطر، بينما يُروَّج لصورةٍ سياحية لا تجد سندها في واقعٍ آمنٍ وصالح للحياة.
إن ما يجري لا يعكس رؤيةً تنموية بقدر ما يكشف عن انفصالٍ مقلق بين السياسات واحتياجات المجتمع. فالمواطن لا يحتاج إلى لافتةٍ تُعلن مدينته وجهةً سياحية، بقدر ما يحتاج إلى سياساتٍ تُعيد إليه كرامته، وتؤمّن له معيشته، وتحفظ صحته وبيئته.
الخلاصة الحاسمة:
إن “دنقلا عاصمة للسياحة 2026” في ظل هذه المعطيات ليست مشروعًا للتنمية، بل مثالٌ على تقديم ما لا يلزم وتأجيل ما لا يحتمل التأجيل. فحين يُهمَل الإنسان—وهو أساس كل تنمية—وتُترك كوادر القطاع بلا تأهيلٍ ولا إنصاف، وتُترك آثار الحرب تضغط على مجتمعٍ هشّ، فإن أي حديثٍ عن نهضةٍ سياحية يصبح مجرد عنوانٍ بلا مضمون، وصورةٍ بلا واقع.
ا/معتز محمد عبد الله
المحامي




دنقلا عاصمة للسياحة 2026!!!!
بالجد بالجد، دي نكتة،، إيه..
يا خينا على قول واحد اخينا: بلد كلما ابتسمت حط على شفتيها الذباب،، إيه