مقالات وآراء

هل مشكلة السودان في بنية المؤسسة العسكرية نفسها…؟

اكرم ابراهيم البكري

من أكثر الاختزالات تضليلاً للأزمة السودانية حصرها في الحرب الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكأن المأساة الراهنة مجرد صراع بين جيش نظامي ومليشيا متمردة هذا التوصيف يتجاهل البنية التاريخية للأزمة السودانية التي ارتبطت منذ الاستقلال بطبيعة المؤسسة العسكرية نفسها، ودورها السياسي والأيديولوجي، وعلاقتها بمراكز النفوذ الإقليمي والدولي. فالمؤسسة العسكرية في السودان لم تتطور خلال تاريخها الذي بدا من قبل استقلال السودان بوصفها مؤسسة وطنية محايدة تعبر عن الإرادة العامة أو تحمي مشروع وطنى جامع، بل ظلت في أغلب مراحلها أداة لإعادة إنتاج السلطة المركزية وهيمنة النخب، مع ارتباطات إقليمية واضحة وتحالفات تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
منذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، مرورًا بانقلاب جعفر نميري عام 1969، ثم انقلاب عمر البشير المدعوم من الحركة الإسلامية عام 1989، أصبح الجيش فاعل سياسي مباشر لا مجرد مؤسسة دفاعية. وقد أدى هذا التداخل بين العسكري والسياسي إلى إضعاف التجربة المدنية وتعطيل التطور الديمقراطي بصورة مستمرة. وخلال حقبة البشير والترابي تحديداً تعرضت المؤسسة العسكرية إلى عملية تدجين أيديولوجي واسعة، حيث تمت إعادة تشكيلها وفق رؤية الإسلام السياسي، مع تمكين عناصر الحركة الإسلامية داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وربط مفهوم الوطنية بالولاء العقائدي للنظام لا بالدولة نفسها.
أما مع صعود الفريق عبد الفتاح البرهان بعد سقوط نظام البشير، لم تتجه المؤسسة العسكرية نحو إعادة بناء نفسها على أسس قومية ومهنية، بل دخلت في مرحلة جديدة من الارتهان الإقليمي والتوظيف السياسي. فقد أظهرت تقارير وتصريحات رسمية تزايد مستوى التنسيق السياسي والعسكري بين القيادة السودانية الحالية والقاهرة، مع تأكيد متكرر من الجانب المصري على حماية مؤسسات الدولة السودانية باعتبارها خطًا أحمر، وهو خطاب يعكس رؤية ترى بقاء المؤسسة العسكرية الحالية ضمانة للمصالح الإقليمية القائمة أكثر من كونه دعم لتحول ديمقراطي حقيقي في السودان.
كما أن الحرب الحالية لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع على مستقبل الثورة السودانية نفسها. فبعد ثورة ديسمبر 2018 برز مشروع مدني ديمقراطي حاول إعادة تعريف الدولة السودانية خارج ثنائية العسكر والإسلام السياسي، إلا أن هذا المشروع واجه مقاومة عنيفة من مراكز القوة التقليدية داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والقوى المتحالفة معها مصر ودول الخليج بشكل مباشر . ولذلك تبدو الحرب، في أحد مستوياتها العميقة، محاولة لإعادة إنتاج السودان القديم عبر عسكرة المجال العام وتحطيم القوى المدنية وتفكيك الخطاب الثوري الذي طالب بدولة مدنية ذات سيادة مستقلة
إن اختزال الأزمة في مواجهة عسكرية بين طرفين مسلحين يخفي سؤال أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها هل يمكن بناء دولة وطنية حديثة في ظل استمرار احتكار المؤسسة العسكرية للسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية؟
هذا السؤال ظل مؤجل منذ الاستقلال، لكنه اليوم يعود بصورة أكثر عنفاً ووضوحاً من أي وقت مضى.
كما أن استمرار الحرب وما يصاحبها من تدخلات إقليمية وتحالفات متغيرة يكشف أن السودان أصبح ساحة لصراعات النفوذ، بينما تتراجع قضايا الديمقراطية والسيادة الوطنية والتنمية لصالح منطق البقاء العسكري وإدارة التوازنات الخارجية.
وفى النهاية أقول كلمة ورد غطاها مشكلة السودان في بنية المؤسسة العسكرية نفسها .
اكرم ابراهيم البكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..