مُستقبل المُمارسة الديمّقراطيّة في السُودان

نضال عبدالوهاب
المُتابع لما يحدث في بلادنا وفق مُعطيّات الواقع الحالي من حرب وسيّطرة للمظاهر العسكرية وعودة القبضة الأمنية والخطاب الإستبدّادي وإنخفاض إن لم يكن إنعدام لملامح أي مُمارسة ديمقراطية وغياب للأحزاب والقوي السياسية والمدنيّة عدا تلك التي تتحالف مع طرفي الحرب أو تنتهج بنهجها وفق سُلطات الأمر الواقع الحالية وخطاب الحرب ، لا شك فإن المُتابع لكل هذا سينتابه وجل وقلق حقيقي علي مُستقبل المُمارسة الديمقراطية في بلادنا سواء توقفت الحرب أو تواصلت ، ومن المهم العمل الجاد لتغيير هذا الواقع ومقاومته.
وهنا أجد نفسي أتفق تماماً حول ما تقدم به د.الشفيع خضر ودعوته الصادقة لأهميّة عودة النشاط السياسِي للداخل لكل القوي الحزبية والسياسية ، ولعل أهمية هذه الدعوة وفي هذا التوقيت تأتي من باب الحرص علي مُلامسة الواقع الحالي والعمل علي تعديله ، وأن غياب الأحزاب وإكتفاءها بممارسة عملها من الخارج بسبب الحرب يخلق فجوة عميّقة مابين الموجودين بالداخل ومابين تلك القوي ، كما أنني أجد نفسي متفقاً مع د.الشفيع في النقطة الجوهرية بأن العمل السياسِـي الفاعل لا ينحصر في إصدار البيانات والتواجد في القنوات والتلفاز والميديا ، وإنما هو تواصل مباشر مع المواطنين وعلي الأرض وفي خدمة قضايا الناس وإستشعارها عن قُرب ، وهذا كما أوضح د.الشفيع في مقاله الأخير الداعي فيه لعودة النشاط السياسِي للداخل يكون بالقدرة علي التنظيم والمقاومة وكل مايستلزم ذلك من تحديات وتضحيات ، وللسودانين والقوي السياسية تجارب وخبرة في التعامل مع الديكتاتوريات وكل الأوضاع الصعبة في ممارسة العمل السياسِي الفاعل.
و أضيف لما قاله د.الشفيع أن الأوضاع الحالية تسمح بمواصلة العمل المقاوم وإعادة التنظيم في كثير من المدن وأقاليم السُودان من الواقعة تحت سيطرة طرفي الحرب ، حتي وإن كانت بشكل جزئي سواء في العاصمة أو الجزيرة والنيل الأبيض والشرق والشمالية والنيل الأزرق وبعض أجزاء دارفور وكردفان ، سواء في النشاط النقابي أو الطلابي والجامعات أو من داخل الأحياء وبعض أماكن العمل ، فكل هذه يمكن أن تمثل روافد وبذرة للعمل السياسِي المُقاوم والمُنسجم مع قضايا جماهير الشعب السُوداني في كُل فئياته وقطاعاته ، وعدم الإستسلام لخطاب الحرب أو قتامة مُستقبل مابعد الحرب وإستمرار الحالة الإستبدادية والموجهة لصالح جر البلاد لسيطرة إما عناصر النظام السابق ونهجهم أو عدم إنتاج ديمُقراطية حقيقية وصحيحة ، كما أن ترك الساحة فقط للإسلاميين وحلفاؤهم للعمل في الأرض يجعل منهم القوي الرئيسية القادرة علي السيطرة علي البلاد حتي في حال وقف الحرب و التحول والأنتقال للديمقراطية ، فهم الأقرب الآن لإعادة تنظيم صفوفهم والتعامل المباشر مع قطاعات الشعب السُوداني في واقع تغيب فيه بقية القوي السياسِية غياب شبه كامل عن الداخل السُوداني ، كما أن بروز تشكيلات لجان المقاومة والطوارئ مع أهمية وعظم مايقومون به لن تكون البديل الأساسي للقوي الحزبية والسياسِية.
وعلي تلك الأحزاب والقوي السياسِية أن تعلم أن تواجدها والأعلان عن نفسها من داخل السُودان هو المفتاح والطريق الرئيسي لتطوير ممارستها وتقييم تجربتها هي نفسها في التنظيم والخطاب السياسِي المُباشر والمقاوم لفرض واقع وإنتاج حلول وطنية في تحقيق السلام والإستقرار و وقف معاناة السُودانيين والإنتقال للديمُقراطية والتبادل السلمي للسُلطة ولمستقبل أفضل لبلادنا وعامة الشعب السُوداني.



اخي الفاضل اوافقك الرأي وإليك مقترحات عملية لتعزيز دور القوى السياسية والمدنية في الداخل السوداني لاستعادة المبادرة وقطع الطريق أمام الاستفراد بالسلطة:
1. التحول من “العمل النخبوي” إلى “الخدمة المجتمعية”
الميثاق يرتكز على خدمة المواطن؛ لذا يجب على الأحزاب والقوى المدنية ألا تكتفي بالبيانات السياسية، بل عليها:
* **تفعيل المكاتب القاعدية:** تحويل المقار الحزبية (أو بدائلها الميدانية) إلى مراكز دعم قانوني، وتوعية حقوقية، وتنسيق لإيصال المساعدات.
* **الاندماج في غرف الطوارئ:** ليس للسيطرة عليها، بل للمساهمة التنظيمية فيها، مما يبني ثقة مباشرة مع المواطن الذي يشعر بغياب الدولة والقوى السياسية.
2. تطوير خطاب “الواقع البديل”
بدلاً من الخطاب الذي يركز فقط على “إدانة” الخصوم (الإسلاميين وغيرهم)، يجب إنتاج خطاب برامجي يتحدث عن:
* **الحلول المحلية:** طرح رؤى عملية لإدارة الخدمات في المناطق المتأثرة، وكيفية إعادة الإعمار، ووقف خطاب الكراهية.
* **العدالة الانتقالية:** تقديم نماذج لكيفية جبر الضرر في الأحياء والقرى، مما يجعل القوى السياسية هي المرجعية في حل النزاعات المجتمعية.
3. بناء “التحالف العريض” ميدانياً
الميثاق يدعو لوحدة القوى المدنية، ويمكن تطبيق ذلك عبر:
* **المنتديات القاعدية:** إقامة جلسات نقاش صغرى في مناطق النزوح والولايات الآمنة لتقييم التجربة السياسية السابقة بشفافية (نقد الذات)، وهو ما يكسر حاجز الجفوة مع جيل الثورة ولجان المقاومة.
* **التنسيق الميداني:** خلق غرف تنسيق مشتركة بين الأحزاب واللجان للضغط الشعبي من أجل ممرات آمنة أو وقف إطلاق نار محلي، مما يثبت أن هذه القوى هي المحرك الفعلي للحلول الوطنية.
4. التواجد الرمزي والفعلي للقيادات
* **العودة التدريجية:** ضرورة وجود قيادات الصف الأول والثاني داخل السودان (في المناطق المتاحة). التواجد البدني في الداخل يمنح الخطاب السياسي “شرعية أخلاقية” لا تتوفر للعمل من الخارج.
* **توثيق الانتهاكات:** قيام القوى السياسية بجهد تنظيمي لتوثيق الجرائم ضد المدنيين وتقديمها للمجتمع الدولي، ليكونوا هم “صوت الشعب” لا مجرد مراقبين.
### 5. الاستعداد المبكر لاستحقاقات السلام
* **التدريب التنظيمي:** البدء فوراً في إعادة هيكلة الفروع الحزبية وبناء الكوادر الشابة، ليكون الجسم المدني جاهزاً للانتقال الديمقراطي في أي لحظة تتوقف فيها الحرب، وعدم انتظار “اتفاقيات الغرف المغلقة”.
**الخلاصة:**
إن الطريق لإنتاج “حلول وطنية” كما ورد في المقال، يتطلب تحويل **الميثاق** من وثيقة مكتوبة إلى **سلوك سياسي ميداني**. القوة التي ستشكل مستقبل السودان هي القوة التي تقتسم مع الشعب “كسرة الخبز” وتواجه معه مخاطر الحرب، وهي الوحيدة التي ستمتلك التفويض الشعبي عند التحول الديمقراطي.