“بربر .. المدينة المنسية”

“بربر علمت الناس الحديث ولبس القميص”، مقولة سادت في حقبة سابقة، وهي تؤكد ريادتها على المدن السودانية.
وتصنف بربر، الى جانب سواكن ودنقلا ومروي بأنها من أقدم المدن في السودان، اذ يرجع تاريخها الى أكثر من “5” آلاف سنة قبل الميلاد.
واختلفت الروايات حول تسميتها، ونسبها البعض الى ملكة نوبية كانت تحكمها “بربرة”، وهو ما رجحه المؤرخون.
وكانت بربر القديمة تقع في منطقة “المخيرف” الواقعة بين الدكة والقوز، ويطلق عليها “مخيرف النور”، وهو رجل كان يرعى أغنامه في تلك المنطقة.
ويعلم القاصي والداني أن “بربر” كانت ملتقى للطرق، الشيء الذي جعلها قبلة للوافدين من شتى بقاع الأرض، وشهدت هجرات من غرب افريقيا؛ الذين فضلوا الاستقرار بها في طريقهم لأداء مناسك الحج، الى جانب اليهود والمصريين “الريافة”، والأتراك، وغيرهم من القبائل.
ويمثل “الميرفاب” وهم من بطون الجعليين؛ القبيلة الأبرز في بربر، ويتميزون بنقاء اللون، وهو ما فسره البعض بأن سكان المدينة “حلب” كما يعتقدون، اذ يميل الميرفاب “غالبا” للتزواج داخل القبيلة.
ومن اللافت أن سكان بربر رغم تعدد القبائل لا يتعاملون مع بعضهم بالقبلية والجهوية، ويظهر التجانس بينهم في كل المناسبات.
وعرفت بربر من “قديم الزمان” بالتحضر، ويرجع الفضل لها في رفد السودان بالمعلمين أيام الحكم الانجليزي، وحتى فترات قريبة من تاريخنا الحديث، وحكى لي أجدادي أن بربر كانت سباقة في مجال الصناعة، اذ أسس الأجانب مصانع صغيرة، من بينها مصنع للصابون على أيدى الصينيين، ويعد الأول في السودان، الى جانب مصانع الشعيرية والسكسانية والخبائز، وينسب الفضل في صناعة “الحلو مر” الى امرأة من بربر.
وعرف “انسان بربر” على مر التاريخ، بالمثابرة وارتفاع “سقف الطموحات”، والسعي الى تولي المناصب القيادية، وهو ما تحقق للكثيرين من أبناء المدينة في المجالات كافة.
وكان من اللافت قبل نهاية الالفية السابقة اختيار كل مديري البنوك في العاصمة من بربر، في مقدمتهم محافظ بنك السودان الراحل مهدي الفكي؛ الذي ترأس وقتها مجلس ادارة نادي المريخ، ولقب “رئيس الرؤساء”.
ومثل مكتب بريد بربر نقطة الانطلاق في مجال الاتصالات، باعتباره الأول في السودان؛ الذي أسسه الانجليز في العام 1898م، وكان شاعر المدينة الشهير “ابراهيم الفراش” أول “ساعي بريد” عبر “الابل”.
وفاض “وعاء بربر” بالمبدعين والشعراء والفنانين، من بينهم عبد الرحمن مكاوي وعبد العزيز محمد داؤود.
وبمثلما علمت بربر الناس “الحديث ولبس القميص”، اشتهرت المدينة بصاغة الذهب المهرة؛ الذين تعلموا الحرفة من اليهود في بربر، ويقال ان الملكة فكتوريا أغدقت على “صاغة المدينة” بالهدايا عقب زيارتهم لبريطانيا بطلب منها “لنقش مصوغاتها”، وبعدها نقل “صاغة بربر” خبراتهم الى بقية المدن “داخل وخارج السودان”، خاصة في دول غرب افريقيا.
ودفعت “بربر” ثمن معارضتها للأنظمة الحاكمة منذ عهود الاستعمار، وعلى وجه الخصوص “الانجليزي”؛ الذي اختار بربر كملتقى طرق للسكة الحديد، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي سفنهم، بعدما فشلوا في مد “الخط الحديدي” الى بورتسودان، بسبب “استمرار نزعه” على أيدى بعض الشباب في ساعات متأخرة من الليل، وهو ما مهد لمولد “عاصمة الحديد والنار – عطبرة”، التي بنت أمجادها على أعتاب “مدينة مشاكسة”، واغتنمت “الهدية”، وساهم أبناء بربر في نهضتها، خاصة التجار.
ولم تتوقف “معارضة بربر” للحكام عند ذلك الحد، وليس بعيد عن الأذهان حادثة حصب طلاب المدينة للحاكم العام الانجليزي بالحجارة في مطلع الخمسينيات، وعنونته صحيفة “الرأي العام” بالخط العريض “بربر تحصب الحاكم العام بالحجارة”، الشيء الذي أدى الى عودته للخرطوم دون اكمال الزيارة.
واستمرت معارضة سكان بربر للأنظمة الى الآن، وسادت معتقدات لدى البعض أن أي رئيس يزور المدينة سيذهب حكمه، واستندوا على ما حدث لعدد من الرؤساء، آخرهم الرئيس “جعفر نميري”.
وفي حقبة سابقة من القرن الماضي؛ تداول الناس مقولة “أحذر الباءين .. بربر وبارا” لاشتهارهما بالمقالب – حسبما قالوا، وعلى ذكرها يحكى أن أحد أبناء بارا استغل القطار من الخرطوم في طريقه الى بربر، بغية “مقلبة أهلها” – على حد قوله لمرافقيه في عربة القطار، وعندما اقترب من عطبرة طلب منه أحدهما عدم النزول والاستمرار في الرحلة حتى يصل الى مبتغاه “في المحطة المقبلة”، فاستجاب لحديثه، وودعه، وتململ الضيف بعد ساعة من تحرك القطار، وسأل الركاب “أها ما وصلنا بربر”، فقابلوا حديثه بالضحك الهستيري، وأبلغوه أنهم في طريقهم الى بورتسودان، وأن الشخص الذي “ضلله” من بربر، فتأكد أنه “شرب المقلب” قبل الوصول الى “الباء الأخرى”، ولم يتوقع أن تمتد رحلته من “بارا الى بورتسودان”.
واقع الحال الآن تغير في بربر الى الأحسن عن فترة تسعينيات القرن الماضي “سنوات القحط”، ولكنها بأي حال لن تستعيد بريقها الأول قريبا، رغم وجود عدد من المصانع “الأسمنت، البلاستيك، الرخام” والكليات الجامعية والمشاريع الزراعية الحديثة، ولم تستفد المدينة من عائدات تعدين الذهب التي تدر على خزينة الدولة سنويا مئات الملايين من الدولار، وكأن عجلة الزمن تعاتبها “التسوي بايدك يغلب أجاويدك”.


