
قراءة في النص الشعبي الذي كتبه حسام محمد عبد الجليل
ليست هذه مجرد طرفة ريفية أو حكاية تُروى للتسلية، بل نصٌّ شعبي بالغ الذكاء، يختصر ببلاغة لاذعة مأساة الشعوب حين تقع تحت سلطةٍ تتقن صناعة الخوف وتدوير الخديعة. في هذه الحكاية، يتحول العمدة إلى رمزٍ للقيادة التي لا تحكم بالحقيقة، بل بالمكر السياسي، وتُعيد ترتيب أدوات العنف وفق ما يخدم بقاءها.
يقول الراوي في افتتاح حكايته: “قالوا في عمدة بلد جاب ليهو كلب حراسة واقنع اهل البلد (الطيبين) أنه دا الحامي من الذئب الحايم بره”. منذ الجملة الأولى، تتكشف البنية الرمزية للنص: الخطر الخارجي يُستخدم لتبرير إدخال أداة بطش داخلية. والناس، بحسن نية أو بسذاجة سياسية، يصدقون الرواية الرسمية. لكن الكلب الذي جاء للحراسة “بدل ما يهاجم الذئب قام ينهش في بهايم القرى المجاورة”، وهي صورة دقيقة لتحوّل أدوات الحماية إلى أدوات افتراس.
ثم يبلغ النص ذروته حين يدخل الكلب إلى قلب الحظيرة نفسها: “العمدة دخل الكلب جوه البلد وسط بهايم أهل البلد”
هنا تتكثف المأساة: الخطر الذي صُنع للحماية يصبح هو نفسه التهديد المباشر. ومع ذلك، لا تُحاسب السلطة، بل تُنتج رواية جديدة. فعندما يتجاوز الكلب حدوده، يلجأ العمدة إلى الذئب، ويقنع الناس بأنه “البطل” القادر على الإنقاذ.
وفي لحظة مأساوية ساخرة، يهتف الناس: “الذئب فوق”. وهي عبارة تختصر كيف يُصنع التأييد الشعبي أحيانًا ضد مصلحة الناس أنفسهم، حين يُدار الوعي بالخوف والدعاية.
لكن الحكاية لا تقف عند هذا الحد، بل تكشف الدورة الكاملة للخداع: الذئب بدوره يفترس، ثم يعود الكلب، ثم يُغلق الاثنان معًا وسط البهائم، بينما يُقال للناس: “البهيمة البتروح دي فداء لأمن البلد”. وهنا يصل النص إلى أقسى صوره: تحويل الضحية إلى قربان، وتقديم الفناء باعتباره ضرورة وطنية.
ويختتم الراوي بعبارته المكثفة التي تصلح أن تكون تعريفًا لأنظمة الكذب السياسي: “وهكذا ظل العمدة يكذب وأهل البلد (الطيبين) يصدقوا”
إنها ليست نهاية حكاية، بل تشخيص تاريخي لنمط متكرر: سلطة تكذب، وجماهير تُستدرج إلى التصديق، ودورة عنف يُعاد تدويرها بأسماء مختلفة.
لقد قدّم حسام محمد عبد الجليل في هذه الحكاية الشعبية نصًّا يتجاوز السخرية إلى مستوى النقد السياسي العميق. فهو لم يكتب منشورًا عابرًا، بل صاغ وثيقة وعي شعبي، تُظهر كيف يمكن للحكاية البسيطة أن تحمل من الحكمة ما يفوق خطابات السياسة الرسمية. هذه ليست نكتة… بل مرآة. وليست تسلية… بل مقاومة. وليست حكاية عن عمدة وكلب وذئب… بل عن وطنٍ ظلّ يدفع ثمن الكذب، حتى صار الوعي الشعبي نفسه هو أول خطوة في طريق النجاة.



